عامر صالح
(Amer Salih)
الحوار المتمدن-العدد: 8606 - 2026 / 2 / 2 - 19:39
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
تراجعت أخبار فنزويلا بعد اختطاف رئيسها وزوجته من قبل الولايات المتحدة وشخص رئيسها ترامب، ولم يعد نقل جريمة الأختطاف والسيطرة على نفط فنزويلا وثروتها أولوية في الأعلام والصحافة العالمية حيث اختفت تلك الجريمة خلف سيل من الأخبار العالمية الأخرى كحرب الولايات المتحدة الأمريكية على ايران وحجم التعبئة العسكرية الضخمة لضربة متوقعة على ايران إلى جانب التهديد المستمر للأستحواذ على جزيرة كرينلاند والخلافات المتصاعدة بين امريكا والاتحاد الأوربي والتي تضعف من مكانة حلف شمال الأطلسي. وكأن تلك الأحداث والأخبار اللاحقة جاءت لتؤدي وظيفة سيكولوجية هدفها أضعاف ذاكرة العالم لنسيان جريمة سطو فنزويلا.
بعيدا عن طبيعة النظام في فنزويلا او الدفاع عنه من عدمه فأن اختطاف رئيس فنزويلا مادورو وزوجته من خلال عملية القرصنة التي نفذها ترامب وطاقمه تعني أن لا أمان لأي دولة ورئيسها في العالم بغض النظر عن طبيعة النظام إن كان ديمقراطيا او دكتاتوريا فأن التهم الجاهزة والأدعاءات الكاذبة تخول لترامب أنتهاك القانون الدولي لضم أراضي الغير والأستحواذ على موارده لتنفيذ شعار" لتكن أمريكا عظيمة من جديد"، وأن تهمة تجارة المخدرات يمكن ألصاقها بكل دول العالم وفي مقدمتها دول أوربا فالعالم مبتلى بتجارة المخدرات بغض النظر عن طبيعة النظم السياسية. ترامب يجسد منطق شريعة الغاب ويؤكد سلوكه العدواني أن القوة فوق القانون وليست العكس. غدا سيصعد ترامب حملته ضد جزيرة غرينلاند الدنماركية وضد كولومبيا وايران وكوبا وغيرها من دول العالم ويجهز لكل دولة قائمة من التهم ليبرر سرقة مواردها تحت شعاره المزيف " جعل تلك الدول عظيمة من جديد ".
مع بدء رئاسة مادورو, ضرب انهيار اسعار النفط الاقتصاد الفنزويلي الريعي في مقتل. وصل التضخم وانهيار العملة لمستويات فلكية وارتفعت معدلات الجريمة لتصبح فنزويلا وكاراكاس اخطر المدن في العالم. ومع ذلك ايضا, هجر 8 ملايين فنزويلي بلادهم الى كولومبيا ودول اخرى في امريكا اللاتينية ليصل حوالي 700 الف منهم الولايات المتحدة بنهاية 2024.
بنهاية حكم مادورو, وصلت نسبة الفقر الى اكثر من 80% كما انخفض انتاج النفط الى حوالي 750 الف برميل فقط وارتفعت الديون الخارجية ل 160 مليار دولار وتجاوزت نسبة البطالة اكثر من 35% كما استمر ارتفاع معدلات الجريمة لتتصدر دول العالم واصبحت موجات النزوح الفنزويلية من اسوأ الأزمات الأنسانية في تاريخ امريكا اللاتينية.
تمتلك فنزويلا أكثر من 303 مليارات برميل من احتياطات النفط المؤكدة، بما يشكل 20٪ من النفط العالمي، وبما يفوق احتياطات السعودية، بصفتها ثاني مورد للبترول بعد الولايات المتحدة الأميركية، مما يجعلها قوة جيو إستراتيجية واقتصادية كبيرة، فإن الخطر الأكبر يكمن في توتر علاقاتها الاقتصادية بالولايات المتحدة الأميركية، حيث أعلنت سنة 2018 عزمها التحرر من الدولار، وقبولها تصدير النفط للصين، باليوان الصيني، بدل الدولار، والتخلي عن نظام "السويفت"، واعتماد نظام "سيبس" الصيني، والذي يضم 4800 بنك في 185 دولة.
معالجة الفقر والبطالة هو من يؤكد هوية النظام السياسي وليست الشعارات البراقة التي تعزف على الأنفعالات لتسويق الأزمات وتصديرها الى الجوار دون حلول، فالخبز ليست فقط رغيف عجينيا بل خطاب سياسي تختبر فيه مصداقية النظم وان إشباع الحاجات الأساسية البيولوجية ينقل الأنسان الى التفكير بما هو أعظم للوجود الأنساني أما حصر الأنسان في حاجاته الأساسية هو وضعه في المرحلة الحيوانية وأمتهان كرامته. أن عدم إشباع الحاجات الأساسية في الحياة يفتح الأفق واسعا للعمالة والخيانة وفقدان النظام لشرعيته فالجوع أب الكفار.
غير أن حصر المأساة الفنزويلية في مادورو وحده او حكومته هو تبسيط مخل لجوهر الصراع الجاري، فالولايات المتحدة لعبت دورا تخريبيا في خنق البلد اقتصاديا وسياسيا. العقوبات لم تكن أداة ضغط على السلطة فقط، بل عقابا جماعيا أصاب الشعب قبل الحكام. اقتصاد مشلول، أسواق فقيرة، وحياة يومية دفعت إلى حافة الانهيار. وحين انهار كل شيء، رفعت أصابع الاتهام نحو “فشل النظام”، لا نحو من أغلق عليه أبواب النجاة كما هي الحالة التي تفرض فيها الحصارات الأمريكية والغربية على مختلف دول العالم المتخاصمة مع أمريكا والغرب، كما تفرض اليوم على ايران ودول أمريكا اللاتينية وسابقا على العراق وغيرها.
الولايات المتحدة اليوم تتصرف كشرطي أو كقاض غير شرعي للعالم. تسقط رئيسا هنا، تحاصر دولة هناك، وتحاكم زعيما خارج حدودها، تحت عناوين الحرية والديمقراطية. لكنها في الواقع لا تحاكم إلا من يخرج عن طاعتها، ولا تعاقب إلا من يهدّد مصالحها. أما حين يكون الحليف فوق القانون، فالمعايير تتبدل، والجرائم تبرر أو تطمس والقرصنة تصبح فعل مشروع.
هذا التناقض الفاضح يظهر بوضوح في دعمها المطلق لحكومة بنيامين نتنياهو والميناء المتطرف، الذي يهنئه ترامب على تطهير غزة من أهاليها وسكانها الأصليين
رغم كل الاتهامات والدمار والقتل الموثق. هناك لا تطرح أسئلة عن المحاسبة ولا عن القانون الدولي. العدالة تصبح انتقائية، وحقوق الإنسان مجرد ورقة ضغط سياسية تستخدم حيث تشاء القوة العظمى.
ويؤكد العالم في معظمه على ضرورة احترام القانون الدولي، معتبرا أن تصرفات الولايات المتحدة ينتهك هذا القانون ويقوّض النظام العالمي القائم على القواعد، في مرحلة دولية تتسم بقدر كبير من عدم الاستقرار.
وأن النظام الدولي الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية قام على مبدأ حل النزاعات بالقانون لا بالقوة، كما ينص عليه ميثاق الأمم المتحدة، محذّرا من أن التساهل مع الاستثناءات يضعف منظومة الحماية التي تهدف إلى منع اندلاع صراعات جديدة.
وتؤكد الأمم المتحدة أن «مستقبل فنزويلا يجب أن يقرره الشعب الفنزويلي وحده»، داعية إلى منع التصعيد وفتح مسار سياسي يقود إلى انتخابات حرة وديمقراطية واحترام حقوق الإنسان. كما شددت على أن للمجتمع الدولي، دورا مهما في دعم حل سلمي وشامل يخدم حرية الشعب الفنزويلي.
يجسد ترامب وطاقمه مظهرا صارخا من مظاهر انعدام الأخلاق في السياسة، فهو لا يمارس ميكافيلية ولا براجماتية ولا واقعية بل يمارس انتهازية مصلحية لا صلة لها بالحدود الدنيا من أخلاق السياسة والأتفاقات الدولية، أن انعدام الأخلاق في السياسة الذي يمارسه ترامب يعني ابتعاد الممارسة السياسية عن مبادئ الصواب والعدل والمنفعة العامة، ويظهر عبر الفساد، الكذب، استغلال السلطة لتحقيق مصالح شخصية بدلاً من المصلحة العامة، وتبرير وسائل غير أخلاقية لتحقيق أهداف سياسية، مما يؤدي إلى فقدان الثقة العامة، انهيار النظم، وتأخر المجتمعات، ويُعد تحديًا كبيرًا يتطلب العودة إلى القيم الروحية والأخلاقية الأساسية لضمان سياسة نزيهة تخدم المجتمع.
مظاهر انعدام الأخلاق في السياسة:
الفساد والانتهازية: استغلال المنصب العام لتحقيق مكاسب مالية أو شخصية، بدلاً من خدمة الجمهور.
الكذب والتلاعب: استخدام التورية والوعود الكاذبة لتضليل الناس وكسب الأصوات.
غياب المبادئ: تبرير العنف أو الظلم باسم المصلحة العليا أو الضرورة السياسية.
الاستقطاب والتخوين: إثارة النعرات وتوجيه الاتهامات بدلاً من الحوار البناء.
تغليب المصلحة الذاتية: جعل السلطة غاية بحد ذاتها وليست وسيلة لتحقيق الخير العام.
وتجسد شخصية ترامب نمطا من السيكوباتية حيث الاضطراب النفسي المتميز بغياب التعاطف، ونقص الوعي الأخلاقي، والميل للتلاعب والخداع، والسلوك المعادي للمجتمع والاندفاعية، ويُصاحبها شعور مبالغ فيه بالعظمة دون الشعور بالذنب أو الندم، وتعتبر السيكوباتية غالبًا سمات مرتبطة باضطراب الشخصية المعادية للمجتمع، حيث يتصرف الشخص بطرق تضر الآخرين لتحقيق أهدافه.
أهم السمات والخصائص:
نقص التعاطف والندم: عدم القدرة على الشعور بالذنب أو تأثر مشاعر الآخرين.
التلاعب والخداع: براعة في الكذب واستغلال الآخرين لتحقيق مكاسب شخصية.
السلوك المعادي للمجتمع: تجاهل القوانين والأعراف الاجتماعية، وقد يصل للسلوك الإجرامي.
السطحية العاطفية: فقر في الانفعالات العميقة، ومظهر خارجي جذاب ومخادع.
الاندفاعية والتهور: اتخاذ قرارات متسرعة دون التفكير في العواقب.
الشعور المفرط بالعظمة: إحساس بالتميز والتفوق، والشعور بأنهم فوق القوانين.
المسؤولية: إلقاء اللوم على الآخرين وتجنب تحمل المسؤولية.
لا نعتقد أن القادم في سلوك ترامب أن يتواصل مع مبادئ القانون الدولي فهو يشتغل نقيضا لكل الأعراف والمواثيق الدولية في الحفاظ على السلم العالمي وعدم التجاوز على أمن وسلامة واستقلال دول العالم، بل هو يرى انه لا فائدة من القوانين الدولية بل كما هو يعتقد أن عقله وما يفكر به هو البديل لكل الأعراف الدولية.
ترامب بنرجسيته الخبيثة لا يمتلك المرونة العقلية والمعرفية للحفاظ على السلم العالمي ولا يحترم عقول الشعوب بل يعتقد جازما انطلاقا من خصوصية شخصيته أن ما يتحدث به هو صدق مطلق وغيره يتحدث كذبا مطلق، وبالتالي سنشهد مزيدا من الصدام بين امريكا ودول العالم وتدهور في العلاقات الدولية أساسه النزعة المزاجية الخطيرة لترامب.
أن الكذبة الأمريكية في محاربة المخدرات والهجرة ونشر الديمقراطية لم تعد خافية على العالم حيث بديل الفوضى وعدم الاستقرار في العالم والبحث عن مصادر الطاقة والأستثمارات هما الهاجس الوحيد للأمبريالية الأمريكية، وأن امريكا تتحالف مع أشد دول العالم رجعية للحفاظ على مصالحها، وبالتالي فأن الحرب على فنزويلا هي حرب البترودولار.
#عامر_صالح (هاشتاغ)
Amer_Salih#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟