|
|
(رائحة الشتاء) للقاص محمود عبد الوهاب
مقداد مسعود
الحوار المتمدن-العدد: 8815 - 2026 / 9 / 1 - 22:49
المحور:
الادب والفن
رائحة الشتاء: قصة قصيرة محمود عبد الوهاب دخل الشتاء غرفتنا فجأة هذا الصباح. قبل أيام لم يكن هناك ما ينبئ عن مجيئه قريباً، ومساء الثلاثاء الماضي عندما عدنا أنا وصديق لي يكتب الشعر، من احدى دور السينما بعد مشاهدة فلم تدور حوادثه عند سفوح جبال الألب ذوات التيجان الجليدية، واجتزنا جسراً خشبياً متداعياً على نهرٍ صغير أمتلأ قاعه بالقناني الفارغة وأطر السيارات التالفة. التقط صديقي الشاعر من تحت شجرة بلا أغصان ورقة جافة، توقف قليلاً وحدق بعروقها العظيمة وقال: أنه الخريف. بعد لحظة واصلنا مسيرنا مقتنعين بأن الشتاء لن يحل إلا بعد أسابيع. هذا الصباح لمحتُ وأنا في فراشي حركة تنقل الغيوم: تلال قطنية وطيور، مثل خيوط بيض، مفصومة الأجنحة، وسورات من رغوة في سماء بلون الحليب وكسرة من قرص الشمس تركض جذلة مع السحب، تظهر وتختفي، متسللة من بين الأشجار والمباني وحواف المئذنة. بعد تناولي فطور الصباح أخذت أختي مكانها إلى جوار الغسالة تدمدم بأن البرد بدأ يتغلغل في عظامها ويعصر روحها وأن داء المفاصل سيقتلها حتماً هذا الشتاء، ثم وضعت رأسها، من دون أن تنقطع عن الكلام، في سلة الملابس لتلتقط منها قطعا للغسيل، ولم يعد باستطاعتي أن أسمع غمغمتها داخل السلة، وعندما أخرجت رأسها لتسمع ما سأقول أومأتُ لها بالإيجاب وأنا أشعلُ سيكارتي متلذذاً بالنار التي انتشرت في راحة كفي. بعد قليل عاودت أختي وضع رأسها في السلة وبدت لي، في وهج الضوء من نافذة المطبخ. مثل زرافة تلوي عنقها في إناء عميق، لا تبالي بأحد وهي تقتات طعامها اليومي. عند الغداء شعرتُ بلمسة برد. رفعتُ رأسي إلى السقف، كان المروحة ساكنة، نهضتُ إلى دولاب الملابس وارتديت قميص منامتي وعدتُ اتناول طعامي في دفء مريح. استيقظتُ بعد القيلولة وكان المساءُ رمادياً وجو الغرفة معتماً وخيط من الدفء يتسرب من مدفأة زيتية يبرق قرصها الأحمر في عتمة الزاوية. تقلبتُ في سريري وتمطيتُ في استرخاء ممتع. بعد حلول الغسق زارني سلمان. نقرَ على باب غرفتي بهدوء وأطل برأسهِ ذي الصلع الخفيف وضيّق عينيه على عتمة المكان ثم دخل وصرير الباب البطيء المتواني يتبعه. لبث واقفاً في مكانه ومعطفه الباهت اللون تتدلى أذياله على طرفي نعليه البلاستيكيتين. وعندما تبين الأشياء الملتبسة في العتمة تقدم خطوتين ثم سحب كرسياً وجلس أمام المدفأة واضعاً باطن قدميه على إطارها وهو يدعك يديه ليخبرني أنه جاء ليستعير مني كتاباً أو كتابين. بعد صمت قصير نقل قدميه من المدفأة إلى أرض الغرفة. وحنى جذعهُ وأخذ يمسح بأصبعهِ الغبار الذي كان عالقاً بالمدفأةِ ثم استرخى في كرسيهِ يتابع قطرات المطر وهي تترجرج على زجاج النافذة وتتجمع عنقوداً مائياً ينتفخ من الأعلى ثم يختنق ويضيق ويتشوه ويندلق حبيبات إلى الأسفل. دخلت أختي الغرفة تحمل صينية الشاي وهي ترتدي ثوباً من البازة تنبعث منه رائحة النفتالين. تناول سلمان استكان الشاي وشربه دفعة واحدة، وهو يشزر الخارج بنظرة عدم ارتياح قال: جاء الشتاء، كيف سأحتمي من متاعب الربو والقصبات بهذا المعطف؟ ومسحَ وجهه: لم يعد معطفي سوى خرقة بالية. وزحزح مؤخرته من على كرسيه وأخذ يقترب من طرف السرير الذي كنتُ أجلس عليه. - ماذا أفعل؟ - أذهب إلى بتروفيش ليصلح لك معطفك أو أشترِ معطفاً جديداَ. لم يفهم شيئا. - أسمع سلمان، هل تدري بم يذكرني معطفك؟ ولوح بيديه متضايقاً. قلت ُ: تماما بمعطف أكاكيفتيش. ألم تقرأ قصة كوكول؟ هز رأسه بالنفي حسناً. لقد استحال معطفه إلى غلالة رقيقة ما إن تمسه إبرة حتى يتهرأ بين يديك. التقط سلمان سيكارة من علبتي وقال بوهن : أنه معطفي تماما. ثم تناول مقدحتي وأشعل سيكارته. قلتُ: لقد مات أكاكيفتش من البرد. أخذ سلمان يئن كأنه مطعون. - سأموت مثله وسحبَ كرسيه من مسنديه وزرَ معطفه مستعداً للخروج وقال: هيه كلها أعباء نهضَ واقفاً وسط الغرفة وأخرج من جيب معطفه قلنسوة نسائية وضعها على رأسهِ بينما تدلت أذيال دشداشته حتى أسفل معطفه تاركة أصابع قدميه المتيبستين مثل مخالب طائر هرم. قال: قم يا أخي هات الكتاب ودعني أذهب تأخرتُ. عندما عدتُ من الغرفة المجاورة أحمل قصة كوكول كان سلمان يقف جوار المدفأة: وجهه إلى الجدار ومؤخرته على المدفأة. خطف الكتاب من يدي وخرج: قلنسوة نسائية على رأسهِ ومعطفه يتدلى رخواً على كتفيه ووجهه ممتقع مثل وجوه المرضى ينتزع قدميه من أرض الغرفة بعناء وهو يدبُ نحو ساحة أم البروم في مساء شتوي كئيب.
آذار 1995 من (رائحة الشتاء) المجموعة القصصية الوحيدة للأستاذ محمود عبد الوهاب/ دار الشؤون الثقافية العامة/ بغداد/ ط1/ 1997
#مقداد_مسعود (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
ضباب
-
الشاعرة زهور دكسن
-
كريم الحجاج
-
نزهة في قصة
-
رسالة السيسبان.
-
سيسبان
-
رسالة الظهيرة
-
خوف ٌ آمن
-
رسالة صباحية
-
ترامح
-
دمعة دوخي
-
تحية للأديب مقداد مسعود
-
تأملات في فضاء الصوفي/ د. علاء العبادي
-
عوض دوخي
-
(عوض دوخي)
-
أجمل الرحلات
-
(نزهة القلب)
-
عتيم
-
لانهاية لماحدث
-
سبحانك
المزيد.....
-
من غزة إلى الأوسكار.. -المواطن أسامة- يمثل فلسطين في فئة أفض
...
-
زنازين صيدنايا تُبكي الممثلة السورية روزينا لاذقاني في معرض
...
-
طغاة في منتجع العزلة.. هشاشة الديكتاتور في رواية -خيط البارو
...
-
أم كلثوم في دمشق.. حفل نادر، وذكريات لا تُنسى.. حفل نادر تكش
...
-
الرواية الأمريكية تحت المجهر.. كواليس الضربة الأولى لصاروخ -
...
-
-حكم العدالة- يعود إلى الواجهة من بوابة معرض دمشق الدولي
-
وزير التعليم العالي والقائم بعمل وزير الثقافة يترأس اجتماع ا
...
-
-أرض اللبان- في مهرجان قازان.. رحلة سينمائية تكشف أسرار الشج
...
-
إدانة زعيم عصابة سابق بقضية مقتل مغني الراب توباك شاكور عام
...
-
جيجي لامارا يظهر في فيديو كليب أغنية نانسي عجرم الجديدة -اشه
...
المزيد.....
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
-
القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش
...
/ ربيحة الرفاعي
-
تصاوير لية الظمأ
/ السمّاح عبد الله
-
ثلاثاءات عابر سبيل
/ السمّاح عبد الله
-
ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو
...
/ سلسبيل كريبع
-
قناديل الحكمة
/ د. خالد زغريت
-
حكاياتْ تَكاد تُنسى
/ فلاح العيفاري
-
وعي ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
ديوان 23 الحاوي والعصفور
/ منصور الريكان
-
كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م
...
/ حميد عقبي
المزيد.....
|