|
|
دمعة دوخي
مقداد مسعود
الحوار المتمدن-العدد: 8806 - 2026 / 8 / 23 - 02:50
المحور:
الادب والفن
إلى نجيب رزق الله (طيّب الله ثراه) 2- 2 (النهمة جين وراثي) في أول مرة يستمع عوض لصوت والده النهام وبينما صوت الأب يرتفع بنهمته، لا يدري عوض ماذا جرى لهُ ولطفولته، وهو يستمع لغناء الأب الحزين، الصوت يملأ حوش البيت ويُدفّئ شمس الشتاء. في تلك اللحظة الخالدة في ذاكرة عوض، يعترف قائلاً لنفسه (تلك الظهيرة هي من صنعت مني مطرباً) (العمل فن من فنون الغناء) يحدث ذلك في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي في الكويت. الفرق الفنية تتجول في الأزقة تغني في المناسبات الاجتماعية والدينية، ترّحب بهم القلوب وأبواب البيوت تدخلهم الأسر إلى أحواش بيوتهم يغنون بحضور كل أفراد العائلة. شاطئ البحر عند الفجر يحضر نجارو وصنّاع السفن يسبقهما الغناء المخبأ تحت جلودهم. يؤدّون عملهم مخضّباً بموسيقى مطارقهم وغنائهم، يتوقفون عن الكدح، يتركون أشغالهم، يمرح الغناء بأرواحهم وأجسادهم. في تلك السنوات سنوات التخلف الحضاري لا كهرباء لا راديو لا تلفزيون كانت السعادات وافرة جداً. كانت الحياة ثيابها طاهرة (ثلاثة أصوات) يطوف السرد حول احتضار عوض دوخي. السارد هنا عبد الله ابن خالة عوض. في الغرفة يتصارع صوتان (هياج الريح المجنون مازال يعلو في الخارج!) و(صوت المقرئ/ 43) عبد الله يخبرنا عن حالهِ كجليس وحيد في الغرفة التي يحتضر فيها عوض (أهتزَّ قلبي لحظات، فكرة عابرة أخافتني، كأني أجلس هنا أقابله في نزاع روحه الأخير، وسكرات موته، وليس من شيء حولي سوى تلاوة المقرئ الحزين! أسرعتُ أبعِدُ الفكرة، وسرحت أتأمل في كلام الله ليُهدئ من روعي !/ 44) (*) ينتقل السرد إلى عوض يتدفق السرد من ذاكرتهِ لا مِن لسانه وهو يخاطب نفسه ُ (اختارني المرض دون غيري. لديّ الكثير مما أحلم به ولم أقدمه) ثم ينتقل السرد إلى رحلة علاجه ِ الأخيرة إلى لندن.. بعد سطور يعود السرد وعوض في الغرفة يخبرنا (لا أدري كيف خانني جسمي! حتى صوتي.. ما كنتُ أظن أنني سأغدو يوماً كما أنا الآن! مٌمدَّ على الأرض والريح تدوي في أذنّي) ما بين القوسين يجعلني أقول ثمة حيوات تتشابه نهاياتها: عبد الحليم حافظ. عوض دوخي. المغني الفرنسي جاك بيرل. الشاعر رامبو. الشاعر العراقي عبد الأمير الحصري. يغادروننا مبكراً. وهم في قمة العطاء!! (دمعة دوخي) عصبي المزاج وسريع البكاء معاً (منذ صغري والبكاء معي. أحياناً أبكي خُلسة ً لو آلمني أحدٌ، وأبكي حرقة ً بأسفي لو ألّمتُ أحداً. فنسفي لا تطيق الإهانة، ولا أتحمّل الخطأ في حقي/ 49) عوض دوخي فنان والفنّان مرهف، وفي دهاليز روحه وفي لا وعييه هناك القهر الطبقي، فهو ينتسب اجتماعيا للكادحين عمال البحر وهؤلاء بين قوسيّ الفقر والموت غرقاً، من بين القوسين تصدح حنجرة النهّام بأغنياتٍ بحريةٍ تروّض البحر والشوق إلى البيوت فالرحلات بحثاً عن اللؤلؤ تستغرق أربعة شهور. الغناء يجعل المسكوت عنه معلنا في ظهر السفينة : الطير حوّام ما يسكن النازلة يسكن بروس العلا ما يسكن النازلة واطلب من اللي علينا رحمته نازلة تفرّج هموم في وادي حشاي انزلت. دمعي تحدّر على وجناي همالي وأشوف دهري يا بو عثمان هم مالي يحق لي لا سكن الوديان همالي لا رابع الوحش وأدعي مثلهم وحشي وآخذ على الراس من رمل الثرى واحشي من عكب ذيج المعزة صرت أنا الوحشي أصبحت مفجوع، هم أهلي وهم مالي هذه المقاطع حين يغنيها النهام وعمال البحر بين نوبات الراحة ونوبات الغوص، تشعر نفوسهم بطمأنينةٍ متجددة ٍ فالغناء تعويذات كدحهم. (ذاكرة تتدحرج) وهو على وشك العبور إلى الضفة الثانية من الوجود، يستعيد ليلة العيد وهو في الخامسة. أم عوض تضع الحنة في يد طيبة أخت عوض (أذكر صباح ذاك العيد ولا أنساه.. كان العيد الأخير الذي رأيت أبي فيه...) يتذكر تكبيرة العيد (دون استئذان تسرّب اللحن إلى روحي، تنقّل بين ضلوعي، فهزّني مُرتفعاً بين المصلّين) هنا تأثير اللحن في شفافية روح عوض، ثم يغمر هذا الشعور المنبث في روح دوخي في المكان (شعرتُ كأن الجدران و الشبابيك وأعمدة المسجد وعوارض السقف والمنبر ورائحة البخور، الجميع راح يردد بلحنٍ واحد: الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلا.) ثم يرتقي دوخي روحيا (وقد غشيني اللحن، وهو يتماوج في أنحاء المسجد: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إ الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.) ثم يأتلف صوت عوض مع الأصوات (هادئاً أندسَّ صوتي يردد مع الأصوات. تبسم أبي لي، ومسح فوق رأسي: (الله يحفظك) وهو في المسجد تتداعى ذاكرة عوض (دبيبٌ ما مسّ جسمي. تذكّرت دراستي الأولى عند ملا بلال وملا زكريا، ولا إراديّاً، رحتّ أحرك جذعي الأعلى إلى الأمام والخلف، وقد أرتفع صوتي بالتكبير: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر. وأتشرّب بلحن التكبير الذي يهزُّ أرجاء المسجد، أغمضتُ عينيّ ورحتُ أرتفع معه./ 52) هذه الاستعادة للخطى الصوتية الأولى لدى عوض: تفنن الروائي طالب الرفاعي بمهارة في توصيل شفرتها للقارئ (بيضة الوعي) الطفل عوض مصاب بلوثة أسئلة الوجود (لماذا غاب والدي؟) (لماذا أحب الله أبي وأخذه منا؟!) (هل ستموت أمي أيضاً؟) من أسئلة اللسان إلى أسئلة العين الراصدة (منذ تلك اللحظة صرتُ أختلس النظر في عيون الناس وكأني أقرأ شيئا فيها.) وصار السؤال أبجدية عوض دوخي، ها هو يسأل صديقه عازف الكمان والمُلحّن نجيب رزق الله ( لماذا أكون حزيناً حين أغنّي صوت السهارى؟).. حين يغني (صوت السهارى) بنسختها الجديدة لا يرى أمامهُ سوى خيال الأب الكادح النهّام في السفن حين يغنيها عوض وبشهادتهِ (كأني أنفض عني شيئا من ألمي) عوض يسأل مثل كل الطيبين البسطاء المحرومين، موت الأب جعل عوضا أب العائلة وهنا السؤال الموجع (ماذا باستطاعة طفلٍ أن يفعل ليعيل أسرة؟) فجأة ينقطع البث، وينتقل المونتاج إلى لقطته الأولى: عوض وهو يحتضر. يسأل عن أبيه المتوفي (أين أختفى أبي؟/ ص63) ماتزال الغرفة حلبة صراع بين قراءة المقرئ ومن خلفها صفير الريح في الخارج/ 67 عوض مفصولٌ عن جسمهِ، ولسانهِ عاطل تنتقل ذاكرة عوض إلى القاهرة حين التقى كوكب الشرق (أم كلثوم قالت لي : أنت تتكلم مثلما تغنّي !) تتراجع الذاكرة من القاهرة إلى طفولته في الكويت (طفلاً قليل الحركة كنتُ) تقفز الذاكرة إلى منتصف الثلاثينيات من القرن العشرين، عمال البحر يتضامنون مع الولد اليتيم (عوض) في التاسعة من عمره. عامل من عمال البحر أرسله النوخذة لبيت عوض (تعلمين أختي، الولد التبّاب لا يأخذ سلف مُقدّم مثل البحرية، لكن النوخذة أرسل معي مبلغاً كي أسلّمه لكِ).. عوض الذي أحب قراءة الكتب، لكن العوز ابعدها عنه. وها هو الآن سيقرأ كتاب البحر حروف الغوص والسواري والعواصف والفقد والشوق إلى البيت الذي سيفارقه أربعة أشهر بحرية لا هي شهور ميلادية ولا هجرية. شهور خوف وهلع سيكون الصبي الذي لم يبلغ العشرة في مهبتها. والسؤال هو السؤال عند الصبي عوض (سأترك بيتنا وأمي وأختي وأخي وأذهب لأعمل في البحر؟ أي عمل ينتظرني وأنا الصغير؟) سؤالان غزيرا الدموع. سؤالان مثقلان بالدموع. سؤالان يختزن كلّ منهما حزنا وبكاءً كثيراً!! عند هذه اللحظة توقفت قراءتي وتضببت عيناي حزنا على الصبي اليتيم الذي صيرّه الوقت رجلاً دفعة ً واحدة ً.. قوتان لا مرئيتان تحصّنان عوض البحري: (تذكّرت أبي، وأنه كان نهّامّا يغني على السفينة، أحسستُ بأن الغناء وحده سيعطف عليّ وينقذني ويرحمني من أهوال البحر وموته. لكني أنا طفل ولا أعرف الغناء.).. القوّة الثانية: (وحدي كنتُ أجلس على رمال الشاطئ، والموج يكاد يلامسني. عاد البكاء إليَّ، ولا أدري كيف رفعت رأسي، فوجدت وجه صاحبي يبرز من سطح البحر. ينظر إليّ بنظرة حانية. أخذ يسبح مقتربا من الشاطئ، وكان بين فينة وأخرى يتوقف عن السباحة، رافعاً رأسه فوق الماء ناظراً صوبي بابتسام أراح قلبي) كلاهما لا مرئيان: الأب والقرين من كليهما يستمد العزم والصمود الفتى عوض. هنا ينتقل المونتاج من عوض في طفولته إلى عوض المحتضر: هي نقلة مزدوجة زمكانية يخبرنا عوض (الليلة جاء صاحبي إلى غرفتي ليقف على البعد، مُستمعاً لتلاوة القرآن. ربما عزَّ عليه أن يتركني وحدي بآلامي ومحنتي.) ومع القرين حضرت روح الأب (والدي رمى كلمته عليَّ وتوارى مُختفياً. سمعتها واضحة منه(يا ولدي..) لكنه لم يفصح عما يُريد) (نزع وانتزاع) مشهد انتزاع عوض من أمه لا أعرف كيف استطاع المؤلف أن ينجزه. مشهد موجع يركّز عوض علي يد أمه وهو يتذكر (شعرت بخفق قلب أمي، ويدها تُحيط بمعصمي. خاطبتْ الشاب بنبرة دامعة :(عوض أمانة الله وأمانتكم) لحظتها انكسرت نبرة صوتها ببكائها، وشاركتها أختي، وأبلع أنا بكائي نزلت دموعي.) ينتقل عوض لوصف الآخر(لا يمكنني أن أنسى كيف انتزعني الشاب من قرب أمي وأختي وأخي عبد اللطيف. شعرتُ أني أجرُّ بصعوبة رجليّ الثقيلتين وهما تغطسان في رمل الشاطئ. تمنّيت لو أعود أسلّم على أمي، أشمّ رائحتها وأقبّلها. راح الشاب يسحبني خلفه وكأنه ينتزعني من روحي. وظل هذا المشهد الحزين يؤلم قلبي، ويمسك بنبرة صوتي كلما رددت كلمات اليا مال: والله يا يبه جيت أنا القنطرة رأيتها تجري قلت لها يا قنطرة ما مرّوا عليك أهلي قالت بلا مرّوا عليّ أرقوا خشبهم وخلو دمعتي تجري (مروءة وفن) (توب.. توب يا بحر أربعة والخامس دخل) يعود المونتاج إلى غرفة عوض، يشعر بدوي الريح في أذنيه يتمنى الحديث مع عبدالله ابن خالته، لكن ذاكرته يبللها ملح البحر وعواصفه والسفينة تتأرجح يناديه النوخذة عبد الرحمن بن عثمان بحنو ٍ (يا وليدي يا عوض والدك يرحمه الله ركب معي نهّاماً، وكان إنسانا طيباً، ونهّاماً مُتمكناً، لذا أردت مساعدة أهلك، طلبتك لتعمل معنا) جملة النوخذة هي التالية أو التمهيد للجملة الأولى وهي (إن شاء الله حين تكبر تكون نهماً مثل أبيك) هذه الجملة فيها توريث الابن موهبة الأب وبشهادة عوض(أفرحتني جملته، فقلت له (إن شاء الله)..) ويضيف عوض(كلام النوخذة والبحارة أشعرني بقيمة أبي، وزاد من رغبتي في أن أكون نهّاماً).. هنا ستكون ذائقة عوض تختزن مغناطيسا فنياً :(أستمع لغناء نهام السفينة، وكيفت تحرّك كلماته حركتهم وتتحكم بها! وكيف أنهم يعيشون على حلم العودة إلى الكويت) كدحٌ مرٌ وماءٌ مالح يبدأ الغوص منذ الفجر. الغوص على المحار يأكل يومهم. كل غوّاص يغوص عشر مرات حياة عسيرة بين صهيل الأمواج وسماء حارقة.. طيلة أربعة شهور وإذا دخل الشهر الخامس، تتجمع النسوة على ساحل البحر وتهدده بطقوس بدائية جميلة (توب.. توب يا بحر أربعة والخامس دخل) (قنّاص الانغام) تستعيد ذاكرة دوخي طفولته وكيف تشربت روحه الطرية غناء(السامري) و(الخماري) و(اللعبوني) وصار يتعقب مجلس الخالة (عودة المهنا) ليتعلم منها لحن الأغاني التراثية. ويقصد البحر يصغي لكلمات عمال البحر، يتلقّط غناءهم ومع مرور السنوات أدرك دوخي قيمة التصفيق في الغناء الكويتي وأنه مكوّن أساسي في غناء فن الصوت، وأنه يضيف رونقاً يميّز الغناء الكويتي والخليجي. ( نعيق)
مع شهرتهِ الخليجية والعربية، مع صعوده الفني الأصيل، هناك صوت ينتزعهُ من القمة وينعق في وجه عوض دوخي ( صرتُ أخافُ كلما دُعِيتُ إلى حفلة ٍ. لا أدري من أين يأتي ذلك الصوت يصب ُّ عبارته البغيضة في أذنيّ: عمرك قصير يا عوض!) ص114. من ناحية التقنية السردية. الصوت الخفي تمهيد للقارئ وكأن صعود عوض الفني بمثابة مكافأة نهاية الخدمة!! (قطع تاريخي) ظهور واستخراج النفط من أرض الكويت، صنعَ قطعا ً تاريخياً وقفزة اقتصادية، نقل الكويتيين من شحة اللؤلؤ إلى وفرة العيش النفطي. حدث ذلك في 1946 صدّرت الكويت أول شحنة نفط هجرَ الكويتيون البحر، تيبست سفن الغوص. البحر أصيب بالوحشةِ. لا أحد يزوره أو يلوّح له بالتحية من بعيد، الريح تصفع البحر والسفن اليابسة، خشب السفن حاول المقاومة لكن... فككوا جثث السفن انتزعوا خشبها لأسقف الحداثة العمرانية. شباب الكويت يقصدون شركات النفط للتوظّف عندها (عوض يسأل...) ماذا يمكن لمطرب أن يعمل في إدارات البلد والشركات التجارية؟ (1948) في هذا العام، بالمصادفة في ساحة الصفاة، يقف عوض دوخي مع الواقفين يسمع مع المستمعين صوت المطرب عبد اللطيف الكويتي في بث مباشر من (إذاعة شيرين) لصاحبها مراد بهبهاني.. بعد يومين أو ثلاثة أيام يغمر ساحة الصفاة صوت عوض دوخي المبثوث من إذاعة (شيرين) : يُشوّقني برق من الحي لا معُ لعل به تبدو الرُّبى والمرابعُ عرفتُ الهوى لكن جهلتُ فعاله وكيف وقد ضمتّه مني الأضالعُ من إذاعة(شيرين) إلى (إذاعة أوميجا) ينتقل صوت عوض دوخي بحة صوت عوض دوخي، بصمة لا يمكن تخريبها أو تقليدها البحة والرخامة : تحرسان صوته، ويصل الصوت إلى أمير الكويت.. عوض في صعود سريع يستحقه ُ (التثمين) الحداثة العمرانية في الكويت قررت تخليص المواطنين من ظنك اللؤلؤ إلى رفاهية النفط، الدولة تثمن البيوت والمقاهي والدواوين كي ينتقلوا خارج السور إلى مناطق جديدة. عوض رأى غير رؤية الآخرين (حينما تترك الأهالي منازلها وتنتقل إلى بيوت جديدة مختلفة، فإنها تنزع ثوب عيشها وتصبح غيرها! تتخلى عن الكثر من مما اعتادت، وتبدأ في اعتياد جديد مسّ المجتمع بحضوره الساخر)ص141 الحداثة الكويتية: ابنة النفط المدللة تمشي متمايلة تدوس بكعبها البحر والبحارة تدوس أغنياتهم المملحة بالعواصف البحرية، تصفع الكلاليف. والطواويش والنواخذة والمجدمية. وتنبذهم يتأملون ساحل البحر المهزوم يمضغون حكاياتهم البحرية هنا يظهر عوض دوخي يقصد البحر ويواسيه بصوته ويرد للبحر شيئا من فضله عليه. لحظتها البحر يتأمل في عوضٍ يسمع صوت عوض (يا بحر، أنت صديقي وتعرف خصالي..) هنا يخبر عوض (وحده البحر يفتح صدره إليَّ ضيقاً بضيق وحزنا بحزن، وبوحا ببوح تكلمني امواجهُ : الكثير من أصدقائك هجروني. تنكّروا لي، وقسوا عليّ. ماعادوا يأتون لزيارة شواطئ والسمر على رمالي..) النفط في الكويت أصاب عوض دوخي بالبطالة، وهكذا يتحول عوض من عامل في البحر إلى عامل في البر. صار عاملا في مديرية مطافئ مدينة الأحمدي. ثم انتقل للعمل في وزارة الأشغال عاملاً في المخازن. ثم عطف عليه أحد الأصدقاء وجعله يعمل في وزارة الصحة. ولأنه يحب الحياة تركت العمل في المستشفى، وأصبح سائق لوري في مديرية البلدية ... وأخيرا نقلهُ الشيخ جابر العلي وجعله موظفاً في وزارة الإعلام. هذا التسلسل المهني المرير يؤكد أن عوض دوخي من الكادحين الشرفاء. (*) عمله الجديد الذي يليق بهُ جعله بين سعادتين (زاد تعلّقي بشيئين: القراءة والتنقل من كتاب إلى كتاب آخر، وعزفي وغنائي) ص145. وصوت عوض كان بين صوتين متولها بهما. صوت محمد بن فارس. وصوت ضاحي بن وليد. في هذا الجو الجميل انشغل عوض دوخي بما هو أجمل وكيف يصل لهذا الأجمل النغمي ومن خلال صوته هو فقط (تملّكني سؤال يلحّ عليّ ويكاد لا يغيب عن فكري: كيف أستطيع أن أقدم الأغنية الكويتية بشكل مبتكر؟ كيف أطوّرها وأقدّمها بطريقة تُلّبي الكويت الجديدة؟) ص146. هذا التساؤل يعني أن عوضا تماهى مع الحداثة العمرانية وتعافى من الحنين إلى الماضي. إذن لا بد من تقنية جديدة متوازية مع الجديد في الحياة الكويتية. لابد من نقلة الآن الكويت تنتقل من بيت الطين إلى فيلا خرسانة مسلّحة، ومن زقاق ترابي ضيق إلى شارع أسفلت عريض. المجتمع الكويتي ينزع ثوباً عرفهُ وعاش به، ويجهد بلهفته للباس ثوبٍ عصري جديد ( الصوت يُغنّى بآلة العود والمرواس والكمان، ماذا لو أدخلت عليه آلات أخرى؟) ص147. هنا العلامة الفارقة هنا الوعي الاجتماعي والفني لدى عوض. إذن عوض دوخي ليس مجرد مغني يغني ويكتفي بل هو إنسان فنان يريد المساهمة في تطوير الكويت من خلال صوته ولحنه وبشهادة عوض (كيف للموسيقى والغناء الكويتي أن يتغيرا ليلبسا شكلاً جديداً؟ كنت أشاهد الكويت تتحول مِن بساطة العيش الإنساني إلى تعقيد المجتمعات الجديدة، لذا رحت أعزف الصوت التراثي، ولكن بأشكال جديدة أجربها بيني وبين نفسي) ص148 (اعتراض وتقدير) في ص148 يتذكر عوض حواراً مع يوسف (باكراً توفي أبي يرحمه الله) ثم يضيف لحظتها (لو بقي حيّا فلربما ما احتجت إلى العمل في أي وظيفةّ)!! أضع علامتي ّ استفهام هل يريد عوض أين يكون والده هو الذي يعيله ويعيل عائلته ويبقى عوض متفرغاً لفنه!! مبررا ذلك بقول (ربما كنتُ طوّرتُ من نفسي أكثر) ثم يكمل حواره مع أخيه (المطرب الفنان يجب أن يبقى مشغولاً بفنهِ، فجميع الأعمال الحياتية تنتهي لحظة التوقف عنها، إلا الفن يرفض التواري والغياب، يبقى حيّاً، حاضراً ومتجدداً بين الناس!) لا أدري ما نفعل علامة التعجب الأخيرة التي وضعها مؤلف الرواية طالب الرفاعي. أن نص الرواية يحتوي المسكوت عنه بنسبة عالية، فلماذا ذكر المؤلف أمنية العطالة والتفرغ للفن وترك مسؤولية العائلة على الأب!! لكي يتفرغ عوض دوخي للفن فقط. عوض في ص145 من الرواية صار متفرغاً بشكل رسمي حين جعل الشيخ جابر العلي في وزارة الإعلام وتفرغ عوض للقراءة والتلحين. هذه الرواية في منتهى الجمال وهي من الروايات المشطورة بين زمنين: زمن احتضار عوض وزمن ذاكرة عوض وهي تتدفق تشمل الخاص والعام في الحياة الكويتية وتجعلني كقارئ نوعي أكرر قراءتي فيها.
#مقداد_مسعود (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
تحية للأديب مقداد مسعود
-
تأملات في فضاء الصوفي/ د. علاء العبادي
-
عوض دوخي
-
(عوض دوخي)
-
أجمل الرحلات
-
(نزهة القلب)
-
عتيم
-
لانهاية لماحدث
-
سبحانك
-
قلق جميل
-
بذورُ فلفلٍ منفوشة ٌ
-
حديقة محمود عبد الوهاب
-
(فندق شط العرب)
-
غابة تبتلع المدينة / د. علاء العبادي
-
سخرية شهر آب/ الكاتب والباحث نبيل الربيعي
-
هجوم الأشجار على البيوت
-
الشاعر واثق غازي/ في استذكار القاص : محمد عبد حسن
-
رحيلك خسارتنا الباهظة / للشاعر صبيح عمر
-
قصيدة في تأبين الأديب محمد عبد حسن
-
الورقة الثانية المشاركة في التأبين الذي أقامه ملتقي جيكور ال
...
المزيد.....
-
رفضا للإبادة.. فنانو أسكتلندا يطالبون مهرجان إدنبرة بنبذ داع
...
-
منتدى النقد الثقافي والدراسات الثقافية يحتفي بتجربة البيضاني
...
-
مايا مناع: إقبال الجمهور على -أرض اللبان- يؤكد نجاح RT في بن
...
-
RT تعرض فيلمها الوثائقي -أرض اللبان- في سلطنة عمان باحتفالية
...
-
الكلفة الإنسانية للرفاهية الغربية.. من مذبحة سفينة -زونغ- إل
...
-
مروان خوري يعود إلى سوريا.. ليلة غنائية مجانية على مسرح معرض
...
-
أيمن زيدان يكسر صمته ويرد على حملة -كيماوي الوطن ولا بارفان
...
-
-حي الطفايلة- في عمّان.. كيف تحوّل سفح جبل فقير إلى -عاصمة ل
...
-
الثقافة تعزز التقارب الروسي الجزائري
-
سحر الأبيض والأزرق.. -سيدي بوسعيد- لوحة تراثية تروي ذاكرة تو
...
المزيد.....
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
-
القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش
...
/ ربيحة الرفاعي
-
تصاوير لية الظمأ
/ السمّاح عبد الله
-
ثلاثاءات عابر سبيل
/ السمّاح عبد الله
-
ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو
...
/ سلسبيل كريبع
-
قناديل الحكمة
/ د. خالد زغريت
-
حكاياتْ تَكاد تُنسى
/ فلاح العيفاري
-
وعي ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
ديوان 23 الحاوي والعصفور
/ منصور الريكان
-
كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م
...
/ حميد عقبي
المزيد.....
|