أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مقداد مسعود - رسالة الظهيرة














المزيد.....

رسالة الظهيرة


مقداد مسعود

الحوار المتمدن-العدد: 8808 - 2026 / 8 / 25 - 15:09
المحور: الادب والفن
    


الأديب والصديق العزيز مقداد مسعود:
مساء الخيرات
قرأت نصك عن عوض دوخي ونجيب رزق الله، فوجدتني أمام قراءة لا تكتفي باستعادة سيرة فنان، وإنما تغوص في الطبقات العميقة التي يتكون منها الفن: اليتم، والفقر، والبحر، والعمل، والحنين، وذاكرة الأب، ووجع الطفولة التي اضطرت أن تكبر قبل أوانها.
لقد أحسنت التقاط تلك اللحظة الفاصلة حين يسمع عوض صوت أبيه النهام للمرة الأولى، فيتحول الغناء من صوت عابر في فضاء البيت إلى قدر يسكن الروح. هنا لا تعود النهمة مجرد لون من ألوان الغناء البحري، بل تصبح ذاكرةً عائلية واجتماعية، وربما كما اقترحتَ ببلاغة: (جيناً وراثياً) ينتقل من الأب إلى الابن، لا بالدم وحده، وإنما بالمحنة والتجربة والذاكرة.
وأكثر ما يوجع في سيرة عوض دوخي أن الفن لم يولد لديه من الترف، بل من الحاجة والفقد. مات الأب، فتحول الطفل إلى رجل، ووجد نفسه أمام سؤال قاس أكبر من عمره: كيف يعيل أسرة وهو لم يبلغ العاشرة؟ ومن هنا يصبح البحر مدرسة قاسية، ويصبح الغناء وسيلة لمقاومة الخوف، وتتحول النهمة إلى نوع من التعويذة التي تحمي البحار من وحشة الماء والموت والغياب.
لقد التقطت بوعي نقدي جميل العلاقة بين الغناء والعمل. فعمال البحر لم يكونوا يغنون بعد فراغهم من العمل، بل كان الغناء جزءاً من العمل نفسه؛ إيقاعاً للكدح، وتخفيفاً لوطأة التعب، واستعادةً للبيت والأهل في رحلة قد تمتد شهوراً بين الخطر والانتظار. ولذلك فإن الأغنية البحرية ليست فناً منفصلاً عن الحياة، بل هي الحياة وقد وجدت صوتها.
وما يلفت في مقالك أيضاً تلك التقنية السردية التي أشرت إليها: انتقال الذاكرة بين عوض الطفل وعوض المحتضر، بين البحر والغرفة، بين الماضي والحاضر. وكأن الموت لا يأتي في لحظة واحدة، وإنما يعيد الإنسان إلى أكثر اللحظات رسوخاً في ذاكرته. ولهذا يبدو عوض في غرفة احتضاره طفلاً مرة أخرى؛ يبحث عن أبيه، ويتذكر أمه، ويستعيد رائحة البيت والشاطئ، ويصغي إلى الريح كما لو أنها تحمل إليه أصوات الماضي.
أما مشهد انتزاعه من أمه، فهو من أكثر المقاطع إيلاماً؛ لأن الطفل لا ينتزع من البيت فحسب، وإنما ينتزع من طفولته. تلك اليد التي تمسك بمعصمه، ودموع الأم، ورغبة الطفل في العودة لتقبيلها وشم رائحتها، تختصر مأساة جيل كامل من أبناء البحر الذين كان الفقر يدفع بهم إلى العمل قبل أن يعرفوا معنى الطفولة.
وتبلغ الدلالة ذروتها في موقف النوخذة عبد الرحمن بن عثمان، حين يقول لعوض إن أباه كان نهاماً متمكناً، وإنه أراد مساعدة أسرته، ثم يبشره بأن يصبح نهاماً مثل أبيه. هنا تتصل حلقات السيرة: الأب الذي غاب، والبحر الذي ابتلع سنوات الطفولة، والابن الذي وجد في صوت أبيه طريقاً إلى النجاة. وكأن الأب، حتى بعد موته، ظل حاضراً في حنجرة ابنه.
لهذا أرى أن قراءتك لا تتوقف عند عوض دوخي بوصفه مطرباً، بل تستعيد من خلاله عالماً كويتياً وخليجياً بأكمله؛ عالم النهامين، والغواصين، والنواخذة، والأمهات المنتظرات، والأطفال الذين كانت الحياة تدفعهم إلى الرجولة دفعاً.
إن أجمل ما في الفن أنه يحفظ ما تعجز الوثائق عن حفظه. وقد حفظ عوض دوخي في صوته شيئاً من أبيه، وحفظ البحر في أغانيه شيئاً من أهله، وحفظت الذاكرة في فنه وجع طفولة لم تجد متسعاً للبكاء إلا حين صار الغناء لغة.
تحية لك مقداد مسعود، وأنت لا تقرأ النص الأدبي من سطحه، بل تنزل إلى طبقاته الخفية، حيث يتحول الصوت إلى ذاكرة، والذاكرة إلى وجع، والوجع إلى فن يبقى بعد أن يغيب أصحابه.
سلمت لأخيك
نبيل عبد الأمير الربيعي



#مقداد_مسعود (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- خوف ٌ آمن
- رسالة صباحية
- ترامح
- دمعة دوخي
- تحية للأديب مقداد مسعود
- تأملات في فضاء الصوفي/ د. علاء العبادي
- عوض دوخي
- (عوض دوخي)
- أجمل الرحلات
- (نزهة القلب)
- عتيم
- لانهاية لماحدث
- سبحانك
- قلق جميل
- بذورُ فلفلٍ منفوشة ٌ
- حديقة محمود عبد الوهاب
- (فندق شط العرب)
- غابة تبتلع المدينة / د. علاء العبادي
- سخرية شهر آب/ الكاتب والباحث نبيل الربيعي
- هجوم الأشجار على البيوت


المزيد.....




- مدفع القيصر.. أضخم مدفع في العالم وسر الطلقة الغامضة
- مشروع مسرحية عن عبد الحليم حافظ تُعرض في الذكرى الـ 50 لوفات ...
- معتصم النهار بطلاً لمسلسل اجتماعي كوميدي يعرض في رمضان 2027 ...
- رحيل الفنان التشكيلي سليمان منصور.. صاحب -جمل المحامل- يترجل ...
- رحلة فنية تعانق قمم القوقاز.. افتتاح أول مهرجان للمسارح الإق ...
- كيت هارينغتون.. بطل -صراع العروش- يشارك في الموسم الثاني من ...
- لينفيلم تفتتح معرضا بمناسبة مرور 130 عاما على أول عرض سينمائ ...
- بوتين يكرّم شخصيات ومؤسسات بارزة في الثقافة والفنون الروسية ...
- مهرجان البندقية: فيلم عن غزة لمخرجين إسرائيليين ضمن الاختيار ...
- -الله الله الله.. محمد صلاح-.. مطربة تركية تفاجئ النجم المصر ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مقداد مسعود - رسالة الظهيرة