أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - ناظم ختاري - مهمة فاشلة… لكن بلا عواقب














المزيد.....

مهمة فاشلة… لكن بلا عواقب


ناظم ختاري

الحوار المتمدن-العدد: 8815 - 2026 / 9 / 1 - 14:01
المحور: سيرة ذاتية
    


كان ذلك في بداية السبعينيات، حين كانت مناطقنا تعيش على وقع اضطراب سياسي لا يهدأ. الهواء نفسه كان مشبعًا بالقلق، وكأن القرية كلها تستمع إلى همسٍ خفيّ عن تحالفات تتشكل، وخطوط تتقاطع، ومصائر تُعاد كتابتها. حزب البعث الذي جاء إلى الحكم عام 1968 كان يمدّ ظلاله الثقيلة على البلاد، فيما كانت علاقة حزبنا الشيوعي مع الحزب الديمقراطي الكوردستاني تتآكل ببطء، مثل جدار قديم تتساقط أحجاره واحدةً بعد أخرى.
في تلك الأيام، كانت منظمات الحزب تعيش بين مطرقتين، مداهمات قوى الأمن والشرطة والجيش التابعة للحكومة المركزية، ومفارز البيشمه‌رگه التي تجوب المنطقة بلا انقطاع. كلاهما يبحث عن الشيوعيين، لأسباب مختلفة، لكن السبب الأوضح هذه المرة كان مفاوضات "الجبهة الوطنية والقومية التقدمية". كان كل شيء يحدث بسرعة، وبصمت، وبحذر يشبه حذر الطير حين يحوم فوق فخّ لا يراه لكنه يشمّ رائحته.
لا أتذكر التاريخ بدقة، لكنني أتذكر ذلك النهار جيدًا، مفرزة من البيشمه‌رگه دخلت القرية، فاختفى أعضاء المنظمة كما لو أن الأرض ابتلعتهم. بدأت حركة سرية بين البيوت، خطوات خفيفة، طرقات قصيرة على الأبواب، همسات تتنقل من منزل إلى آخر. كان منزلنا واحدًا من تلك البيوت التي تتحول فجأة إلى مركز عبور للرسائل، للتوجيهات، للتحذيرات، وللقلق أيضًا.
كانت النساء هنّ العمود الفقري لهذا الجهد، يسرن بخفة لا تثير الشبهات، يحملن الأخبار كما يحملن الماء. وكان الشباب مثلنا نتحرك بين الأزقة الترابية، نعرف أين نضع أقدامنا، ونعرف كيف نخفي خوفنا. اعتدنا على هذه المهام لسنوات طويلة. حماية الرفاق، إخفاء أوراقهم، وإبعاد أي شيء قد يتحول إلى دليل ضدهم.
وحين تأكد أن الجميع في مأمن، تذكّر الرفاق أن أحد أعضاء المنظمة، العم مرادى فاتي، كان قد سافر إلى الموصل وسيعود بعد الظهر. هنا بدأ القلق من جديد. وجود المفرزة في القرية يعني أن عودته قد تكون خطرًا عليه، وربما على غيره أيضا.
السيارات في القرية كانت قليلة، تُعدّ على أصابع اليد. تقف فجراً في ميدان القرية قرب القباب الثلاث. قبة حكي فيرس، قبة سلطان أيزي، وقبة ملك فخر الدين. هناك ينتظر المسافرون إلى الموصل، أصحاب الدكاكين، والباحثون عن حاجياتهم. وفي ذلك اليوم، كانت سيارة العم مشكو زيدو هي التي أقلّت العم مراد.
تقرر أن يذهب أحدنا إلى نقطة بعيدة خارج القرية، ينتظر السيارة، يوقفها قبل وصولها، ويطلب من العم مراد الترجل والانتظار حتى مغادرة المفرزة. أبديت استعدادي فورًا. كان الصيف في ذروته، والشمس كأنها نار معلّقة فوق رؤوسنا، والأفاعي تكثر على الطرق الترابية، لكنني لم أفكر إلا في المهمة.
وصلت إلى النقطة المحددة، وجلست تحت الشمس الحارقة، أراقب الطريق الذي يمتدّ أمامي مثل شريط من الغبار. طال الانتظار، وبدأ القلق ينهش صدري. ماذا لو سلكت السيارة طريقا آخر؟ ماذا لو عاد العم مراد مباشرة إلى القرية؟ ماذا لو وقع بين أيدي المفرزة؟
وفجأة، رأيت الغبار يرتفع من بعيد. علامة لا تخطئها العين. اقتربت السيارة، وتأكدت أنها سيارة العم مشكو زيدو. وقفت في وسط الطريق، ألوّح بيدي، أصرخ، أطلب التوقف. لكن السيارة لم تبطئ سرعتها. ربما لم يسمعني، وربما تجاهل الأمر، وربما كان الطريق والغبار والحرّ قد ابتلع صوتي.
ركضت خلف السيارة، أصرخ بكل ما في صدري،"العم مراد… انزل! لا تذهب إلى القرية"! لكن صوتي كان يضيع في الهواء، والسيارة تبتعد، وأنا أتوقف منهكًا، أشعر بأن المهمة انهارت بين يديّ، وأنني خذلت الرفاق، وخذلت نفسي.
عدت إلى القرية بخطوات متثاقلة. كنت أرتدي نعالًا بلاستيكيًا، وقد التصق التراب به وبساقيّ، وتحول لونها إلى لون التراب، وكان العرق يتصبب من جسدي كله، وصلت إلى البيت متعبا ومنهارا بسبب فشلي في إيقاف السيارة، وجدت الوجوه هادئة، كأن شيئًا لم يحدث. سألت بقلق، "وماذا حدث؟ فقالوا ببساطة ، لم يحدث شيء… عندما وصلت سيارة العم مراد كانت المفرزة قد غادرت القرية.
وقفت هناك، أتنفس بعمق، وأشعر بأن الحمل الذي كان فوق صدري قد تبخر. انتهى ذلك اليوم بلا اعتقالات، بلا خسائر، لكنه ترك فينا ذلك الشعور الدائم بالحذر، ذلك التوتر الذي عاش معنا حتى نهاية نظام صدام حسين… ولم ينتهِ تمامًا حتى اليوم في بعض تفاصيله الأخرى.



#ناظم_ختاري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بزق شقيقي خالد
- مم وزين في ختارة – صوت داي كولى وذاكرة القرية
- الطفلة التي ماتت عطشاً على كتف والدها
- حصر السلاح بيد من؟ وجرف الصخر… عقدة الدولة العراقية
- من نحن… ولماذا يُعاد طرح السؤال كل يوم؟
- الفساد والكرامة
- يوفا… الطفلة التي سقطت من العالم
- هل ستسلّم الميليشيات -العراقية- سلاحها للدولة؟
- المؤتمر الوطني الثاني عشر أم مؤتمر استثنائي..؟
- في الذكرى الثانية عشرة للإبادة الأيزيدية
- ثانيًا – التعامل مع نتائج الحرب والمشاركة في العملية السياسي ...
- نحو مراجعة نقدية شاملة لتقويم أدائنا وتجديد آليات عملنا التن ...
- العمل المشترك للقوى المدنية والديمقراطية واليسارية: مسؤولية ...
- شهور من الكذب الثقيل والنفاق و4 سنوات من السرقات والفساد
- في سنجار .. حملات الملاحقة والتعذيب والقتل في ظل الجبهة الوط ...
- سيناريوهات زوال النظام العراقي الحالي
- الصغير وعبد اللطيف في نظريتي النستلة والحنفية
- استبعاد مرشحين نزيهين من العملية الانتخابية تزوير مبكر
- معركة لاله زار في السليمانية
- جندي يؤدي تحية عسكرية للأنصار في سيطرة ألقوش


المزيد.....




- مرصع بـ673 ماسة.. لصان يسرقان عقدًا تاريخيًا للملكة نازلي قي ...
- بريطانيا.. متهم بتخدير زوجته والاعتداء عليها جنسيًّا برفقة 1 ...
- الشرطة الأمريكية تلقي القبض على مشتبه به يرتدي قناع -scream- ...
- رئيس إيران: مستعدون للعودة إلى مذكرة التفاهم فور رجوع واشنطن ...
- ضربات إسرائيلية مستمرة في الضفة وغزة ولبنان.. ترامب يدرس شن ...
- تركيا في مرمى المراقبة الإسرائيلية.. تحركات بحرية تُنذر بتصع ...
- قمة ترامب وكيم تقترب؟ مؤشرات على حوار أميركي كوري شمالي وسط ...
- الطاقة في مرمى الحرب.. التضخم في ألمانيا يرفض التراجع
- تهديدات بمقاضاتها.. سارة نتنياهو تلمح إلى تورط مسؤول إسرائي ...
- سلاح تكتيكي جديد.. الجيش الروسي يبدأ في استخدام القاذفة المس ...


المزيد.....

- مذكرات وذكريات مهندس عراقي في السويد / المهندس صباح يوسف ابراهيم
- مذكرات وذكريات مهندس عراقي في السويد / مذكرات وذكريات مهندس في العراق
- الدنمارك، نسير معاً، كل بمفرده / حكمة اقبال
- رسالة الى اخي المعدوم / صادق العلي
- كراسات شيوعية (مذكرات شيوعى ناجٍ من الفاشية.أسباب هزيمة البر ... / عبدالرؤوف بطيخ
- أعلام شيوعية فلسطينية(جبرا نقولا)استراتيجية تروتسكية لفلسطين ... / عبدالرؤوف بطيخ
- كتاب طمى الاتبراوى محطات في دروب الحياة / تاج السر عثمان
- سيرة القيد والقلم / نبهان خريشة
- سيرة الضوء... صفحات من حياة الشيخ خطاب صالح الضامن / خطاب عمران الضامن
- على أطلال جيلنا - وأيام كانت معهم / سعيد العليمى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - ناظم ختاري - مهمة فاشلة… لكن بلا عواقب