أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ناظم ختاري - الفساد والكرامة














المزيد.....

الفساد والكرامة


ناظم ختاري

الحوار المتمدن-العدد: 8792 - 2026 / 8 / 9 - 16:13
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


منذ اليوم الأول لسقوط النظام السابق عام 2003، لم تتأخر القوى المتنفذة في العراق لحظة واحدة قبل أن تضع يدها على الدولة وتحوّلها إلى مزرعة خاصة. نظام المحاصصة الذي بشّروا به كـ"شراكة وطنية" لم يكن سوى غطاء لفساد لم يشهد له العالم مثيلاً، فسادٌ يلتهم الدولة كما تلتهم النار الهشيم، ويحوّل ثروات العراق إلى غنائم تتقاسمها الأحزاب وزعماؤها وزبانيتهم.
الخبير الاقتصادي عبد الرحمن المشهداني يقدّر كلفة الفساد المالي والسياسي بأكثر من تريليون دولار. نعم، تريليون كامل، رقم لا يمكن لعقل أن يستوعبه، لكنه يعكس حجم الخراب الذي صنعته هذه الطبقة السياسية. جزء كبير من هذه الأموال لم يعد موجوداً في العراق أصلاً، فقد اندمج في اقتصادات خارجية، في بنوك أوروبا وآسيا، في عقارات دبي وأنقرة، وفي حسابات سرية لا يعرفها إلا اللصوص الكبار.
ولكي تكتمل الفضيحة، تتضارب الأرقام الرسمية نفسها حول حجم الأموال المنهوبة: دراسات اقتصادية تقدّرها بـ 600 مليار دولار، الحكومة تقول350 مليار، وبرهم صالح يعترف بـ 150 مليار فقط. هذا التناقض ليس بريئاً، بل هو دليل إضافي على أن الفساد أصبح مؤسسة قائمة بذاتها، لها أرقامها الخاصة، ولغتها الخاصة، و"خبراؤها" الذين يخفون الحقيقة أكثر مما يكشفونها.
بعد عام 2018، انفلت الفساد من كل عقال. ارتفعت كلفة شراء المناصب الوزارية من 5 ملايين دولار إلى 50- 100 مليون دولار. الوزير لم يعد موظفاً عاماً، بل مستثمراً جاء ليسترد رأس المال مع الأرباح، وهذا يعني أن كل وزارة تحوّلت إلى مشروع فساد متكامل، من أعلى الهرم إلى أصغر موظف في الدائرة.
ولأن الفساد لا يأتي وحده، فقد جرّ معه خراباً اقتصادياً واجتماعياً لا يمكن إصلاحه بسهولة. العراق يعاني نقصاً يقدّر بـ 9000 مدرسة منذ عام 2005، والقطاع الصحي لم يشهد بناء أكثر من مستشفى أو مستشفيين منذ ثمانينيات القرن الماضي. معدل الفقر بلغ 25% ، ومعدل البطالة ارتفع في 2025 إلى 15.49%، وعجز السكن وصل إلى 2.4 مليون وحدة. هذه ليست أرقاماً جامدة، بل هي حياة ملايين العراقيين الذين يدفعون ثمن فساد طبقة سياسية لا تعرف سوى لغة النهب.
وسط كل هذا الخراب، تأتي أزمة الرواتب لتضيف جرحاً جديداً. جهات متنفذة داخل الحكومة تدفع نحو صرف الرواتب كل 40 يوماً بحجة أزمة السيولة، وتحذّر من أن الأزمة قد تمتد إلى الأشهر المقبلة. ملايين العراقيين يعتمدون على الراتب الحكومي كمصدر دخل وحيد، وتأخيره يعني دفعهم نحو الديون، نحو الإذلال، نحو الانهيار الاجتماعي.
أما في إقليم كوردستان، فالمأساة مضاعفة. أكثر من 30 راتباً انتُزعت من الموظفين والمتقاعدين خلال السنوات الماضية، وفرضت الحكومة ما سمّته "الادخار"، وهو في الحقيقة سرقة مقنّعة لا أفق لصرفها. الخلافات بين بغداد وأربيل ليست سوى ستار يخفي فساداً هائلاً في ملف النفط والحسابات المالية، فساداً يدفع ثمنه المواطن الكردي قبل غيره.
الغريب – بل الفاضح – أن القوى المتنفذة في العراق لا تعمل على معالجة هذه الأزمات، ولا تتخذ خطوة واحدة جادة لإنهاء أزمة الرواتب. لكنها تنشط إعلامياً، وتطلق جيوشها الإلكترونية لتقنع الناس بأن "الكرامة أهم من الراتب"، وأن "الراتب بلا كرامة لا يعني شيئاً". أي كرامة هذه التي يتحدثون عنها؟ كيف تكون الكرامة بلا خبز؟ بلا دواء؟ بلا قدرة على دفع إيجار البيت؟ الراتب هو الذي يحفظ كرامة الإنسان، وتأخيره هو الذي يدفعه إلى كسرها: إلى الاحتيال، إلى السرقة، إلى الرذيلة، إلى كل ما لا يليق بإنسان يريد فقط أن يعيش.
الجيش الإعلامي لهذه القوى هو الوحيد الذي يعيش ببحبوحة، بعد أقطاب السلطة وزبانيتها. هم وحدهم الذين لا يشعرون بالأزمة، لأنهم يكدسون أموال الفساد، ويهربونها إلى الخارج، ويبنون بها القصور والفلل، ويقامرون بها، ويمارسون كل أشكال الفساد الأخلاقي. ثم يقفون أمام الناس ليحدثوهم عن "الكرامة". عن أي كرامة تتحدثون أيها الفاسدون؟ كرامتكم أنتم مبنية على إذلال الناس، وكرامة الناس تُداس تحت أقدامكم كل يوم.



#ناظم_ختاري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- يوفا… الطفلة التي سقطت من العالم
- هل ستسلّم الميليشيات -العراقية- سلاحها للدولة؟
- المؤتمر الوطني الثاني عشر أم مؤتمر استثنائي..؟
- في الذكرى الثانية عشرة للإبادة الأيزيدية
- ثانيًا – التعامل مع نتائج الحرب والمشاركة في العملية السياسي ...
- نحو مراجعة نقدية شاملة لتقويم أدائنا وتجديد آليات عملنا التن ...
- العمل المشترك للقوى المدنية والديمقراطية واليسارية: مسؤولية ...
- شهور من الكذب الثقيل والنفاق و4 سنوات من السرقات والفساد
- في سنجار .. حملات الملاحقة والتعذيب والقتل في ظل الجبهة الوط ...
- سيناريوهات زوال النظام العراقي الحالي
- الصغير وعبد اللطيف في نظريتي النستلة والحنفية
- استبعاد مرشحين نزيهين من العملية الانتخابية تزوير مبكر
- معركة لاله زار في السليمانية
- جندي يؤدي تحية عسكرية للأنصار في سيطرة ألقوش
- فشل في بناء الدولة أم إصرار على تدميرها
- هل المقاطعون للانتخابات اخطأوا أم أصابوا ..؟
- مرة اخرى ... أنصاريات
- وداعا بغداد وأربيل محطة التحاقنا الأولى بالجبل
- مرة أخرى...أنصاريات ...البدايات ..الحملة والاختفاء
- مرة أخرى...أنصاريات ...البدايات .. الحملة والمجموعة الأنصاري ...


المزيد.....




- صور صادمة.. يرقات وصراصير داخل منشأة تحضر آلاف الوجبات لركاب ...
- شاهد.. حريق غابات مستعر يجبر آلاف السكان بغرب كندا على الفرا ...
- الحوثيون يزعمون شن هجوم ضخم على قوات يمنية وسعودية في المخا ...
- نتنياهو يعلن عن موقف إسرائيل من خطة ترامب الأخيرة بشأن نزع س ...
- -فيفا- يدافع عن إنفانتينو بعد الكشف عن دفع -يويفا- تسوية مال ...
- بعد سحب عرض تعيينه.. جامعة مينيسوتا تدفع تعويضا بـ250 ألف دو ...
- القطط السوداء: بين الخرافات والسحرة وعيد الهالوين
- نتنياهو: لن ينسحب الجيش الإسرائيلي من غزة حتى يتم نزع سلاح ح ...
- إسرائيل تدشن مستوطنة جديدة قرب جنين ضمن مخطط للتوسع شمال الض ...
- رسائل بكين للقاهرة.. تسليط الضوء على طائرة Y-20 يفتح باب الت ...


المزيد.....

- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ناظم ختاري - الفساد والكرامة