أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - ناظم ختاري - مم وزين في ختارة – صوت داي كولى وذاكرة القرية














المزيد.....

مم وزين في ختارة – صوت داي كولى وذاكرة القرية


ناظم ختاري

الحوار المتمدن-العدد: 8809 - 2026 / 8 / 26 - 13:28
المحور: سيرة ذاتية
    


لم أعرف على وجه الدقة متى جاءت عائلة داي كولى Gule إلى محلتنا في وسط ختارة، ولا كيف انتهى بها المطاف إلى ذلك الزقاق الذي صار جزءًا من طفولتنا. جاءت مع أولادها الثلاثة، جوقي البصير، وخديدا المعروف بـ بزاز، وعيدو الذي كان بعمري. أما والدهم بيبو فقد رحل قبل أن أعرف هذه العائلة، وقبل أن تستقر بين بيوت محلتنا الصغيرة.
لم تكن تربطنا علاقة تُذكر بهذه العائلة في بداياتها، نحن صبية الزقاق الذين كنا نعيش زمنًا بسيطًا خاليًا من التعقيدات. لكن عند مفصل معيّن من ذلك الزمن، وجدنا أنفسنا تحت أمرة بزاز، ذلك الشاب الذي كان أكبر منّا جميعًا، والذي امتلك قدرة غريبة على جمع الناس حوله. لم يكن صديقًا لنا وحدنا، صداقاته امتدت إلى بقية محلات القرية، وربما أبعد من ذلك. كان اجتماعيًا، يدخل البيوت وكأنه واحد منها، يتحدّث عن مشاكل الناس، ويقترح حلولًا، ويضحك معهم، ويخفّف عنهم.
لكن سرّ انجذابنا إليه كان أبسط من كل ذلك، براعة بزاز في صناعة عربات الزحف. ألواح خشبية تُثبَّت على ثلاث أو أربع جروخ-عجلات مستعملة من مخلفات السيارات-يحصل عليها من مدينة الموصل في رحلاته المتكررة للتبضّع. كانت تلك العربات بالنسبة لنا بوابة إلى عالم آخر، عالم السرعة والمرح والانطلاق. يقودنا بزاز إلى التلال شمال القرية، فننحدر بالعربات من القمة إلى السفح، نتسابق، نصرخ، ونشعر أننا نملك الدنيا. ثم يأخذنا إلى الشارع المبلّط الذي يربط ألقوش بالموصل، فنصعد المرتفع ركضًا، ونترك العربة تنحدر بأقصى سرعة، وبزاز في مقدمتها، ونحن خلفه نركض كأننا نطارد الحياة نفسها.
ينتهي النهار، ويأتي الليل. وبيت داي كولى يفتح أبوابه لأصدقاء بزاز وجوقي وعيدو، الأخير الذي صار كريف دم لي. وهناك، في إحدى غرف بيتهم الطيني، تبدأ السهرة الحقيقية. يأتي دور داي كولى، المرأة التي حملت ملحمة مم وزين في صوتها كما لو أنها وُلدت معها. كانت حكواتية بارعة، تمزج بين النثر والشعر، وتغني الملحمة بصوت يلامس الروح. كنت أعشق هذه القصة منذ صغري، قصة الحب التي صاغها الشاعر الكردي الفيلسوف أحمدي خاني، وكنت أبحث عن أي دراسة أو مقال عنها لأقرأه بشغف. وفي أيام الجبل، حين كنت أحمل السلاح في مواجهة النظام الدكتاتوري، حصلت أخيرًا على كتاب خاني نفسه، فقرأته كما لو أنني أقرأ جزءًا من حياتي.
لكن مهما قرأت، ومهما سمعت من أصوات تغني الملحمة، لم يصل أحد إلى تأثير داي كولى. كانت تروي الملحمة وكأنها تعيشها، وكأن مم وزين يمران من أمامها. لم تكن تعرف اسم خاني، ولا تاريخ كتابة الملحمة، لكنها كانت تعرف شيئًا واحدًا، أنها قصة حب من التراث الكردي الأصيل، وأنها وُجدت لتُغنّى.
في الذاكرة الإيزيدية، لم تكن ملحمة مم وزين مجرد قصة حب، بل كانت جزءًا من الوجدان الجمعي. تُروى في السهرات، وتُغنّى في المناسبات، وتُحفظ في البيوت عبر أصوات النساء الحكواتيات مثل داي كولى. الإيزيديون لم يتعاملوا مع الملحمة بوصفها نصًا أدبيًا فحسب، بل بوصفها حكمة روحية، وصراعًا بين النقاء والشر، بين الحب والقدر، بين الإنسان ومصيره. ولذلك، كان أداء داي كولى قريبًا من روح الموروث الإيزيدي: مزيج من الحكاية والغناء، من البكاء والفرح، من الحكمة والوجدان.
كتب أحمدي خاني ملحمة مم وزين في القرن السابع عشر، وجعل منها حجرًا أساسيًا في الأدب الكردي. لم تكن مجرد قصة حب، بل كانت فلسفة كاملة، عن معنى العشق بوصفه طريقًا إلى الصفاء، وعن الظلم بوصفه قوة تُفسد العالم، وعن الإنسان الذي لا يكتمل إلا بالحب.
وقد قال خاني في مقدمة الملحمة إن هدفه كان "رفع شأن الأمة الكردية"، فجعل من مم وزين رمزًا للهوية، ومن قصتهما مرآة لآلام الناس وأحلامهم.
عندما كانت داي كولى تصل إلى نهاية الملحمة، حين يموت مم، ثم تلحقه زين، كان الصمت يخيّم على الغرفة. وجوهنا تتغيّر، والدمعة تقترب. عندها يرتفع صوت جوقي"ماذا دهاكم؟ هل تريدون أن أعزف لكم؟" فنجيبه جميعًا، نعم.
يمسك الناي، يعزف مقطعًا حزينًا، ثم يتحوّل إلى الغناء السريع، ويبدأ بأغنية هه يلا لمن غه ريبى. نضحك، نهز أكتافنا، ندندن ونغني معه، وتعود الحياة إلى السهرة، تتخلل فواصل غناءه الفكاهة التي رافقته طوال عمره.
غادرتُ القرية في ظروف سياسية مضطربة. وعندما عدت إليها بعد عقود، لم أجد أحدًا من تلك العائلة على قيد الحياة. رحلوا جميعًا، لكن ذكراهم بقيت في الوجدان، كما بقيت عربات بزاز ومرحه في ذاكرتنا، وأغاني جوقي تطرب أسماعنا، وكما تبقى ملحمة مم وزين في الذاكرة الإيزيدية، حكاية لا تموت، وصوت لا يُنسى، وليلٌ من ليالي ختارة لا يغادر القلب.
لم تكن ملحمة مم وزين بالنسبة لأهالي ختارة مجرد قصة حب تُروى في الليالي، بل كانت جزءًا من الوجدان الجمعي، تُحفظ في البيوت، وتُغنّى في السهرات، وتُستعاد كلما احتاج الناس إلى لحظة دفء تعيدهم إلى ذواتهم. وفي قلب هذا الإرث الشعبي، برز صوت امرأة أيزيدية بسيطة، حملت الملحمة كما لو أنها جزء من دمها، داي كولى.



#ناظم_ختاري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الطفلة التي ماتت عطشاً على كتف والدها
- حصر السلاح بيد من؟ وجرف الصخر… عقدة الدولة العراقية
- من نحن… ولماذا يُعاد طرح السؤال كل يوم؟
- الفساد والكرامة
- يوفا… الطفلة التي سقطت من العالم
- هل ستسلّم الميليشيات -العراقية- سلاحها للدولة؟
- المؤتمر الوطني الثاني عشر أم مؤتمر استثنائي..؟
- في الذكرى الثانية عشرة للإبادة الأيزيدية
- ثانيًا – التعامل مع نتائج الحرب والمشاركة في العملية السياسي ...
- نحو مراجعة نقدية شاملة لتقويم أدائنا وتجديد آليات عملنا التن ...
- العمل المشترك للقوى المدنية والديمقراطية واليسارية: مسؤولية ...
- شهور من الكذب الثقيل والنفاق و4 سنوات من السرقات والفساد
- في سنجار .. حملات الملاحقة والتعذيب والقتل في ظل الجبهة الوط ...
- سيناريوهات زوال النظام العراقي الحالي
- الصغير وعبد اللطيف في نظريتي النستلة والحنفية
- استبعاد مرشحين نزيهين من العملية الانتخابية تزوير مبكر
- معركة لاله زار في السليمانية
- جندي يؤدي تحية عسكرية للأنصار في سيطرة ألقوش
- فشل في بناء الدولة أم إصرار على تدميرها
- هل المقاطعون للانتخابات اخطأوا أم أصابوا ..؟


المزيد.....




- قاض أمريكي يحدد موعد محاكمة -العقل المدبر- لهجمات 11 سبتمبر ...
- وزير خارجية قطر يتوجه إلى إيران اليوم الخميس
- العراق: انسحاب قوات التحالف الدولي يسير بوتيرة متسارعة
- ترامب: نكثف الجهود لإنهاء نزاع أوكرانيا
- ترامب: نكثف العمل لإنهاء أزمة أوكرانيا
- -نيويورك بوست-: قرار قضائي بمحاكمة -العقل المدبر- لهجمات 11 ...
- الجزائر: مصرع 12 شخصا جراء حرائق الغابات في 3 ولايات (فيديو) ...
- اجتماع أمني رفيع المستوى في البيت الأبيض بعد عودة راتكليف من ...
- داسو: من المتوقع أن تصبح مقاتلة رافال الجديدة جاهزة قبل عام ...
- الخارجية الإيرانية: السياسة الأمريكية تجاه بلادنا تحولت إلى ...


المزيد.....

- مذكرات وذكريات مهندس عراقي في السويد / المهندس صباح يوسف ابراهيم
- مذكرات وذكريات مهندس عراقي في السويد / مذكرات وذكريات مهندس في العراق
- الدنمارك، نسير معاً، كل بمفرده / حكمة اقبال
- رسالة الى اخي المعدوم / صادق العلي
- كراسات شيوعية (مذكرات شيوعى ناجٍ من الفاشية.أسباب هزيمة البر ... / عبدالرؤوف بطيخ
- أعلام شيوعية فلسطينية(جبرا نقولا)استراتيجية تروتسكية لفلسطين ... / عبدالرؤوف بطيخ
- كتاب طمى الاتبراوى محطات في دروب الحياة / تاج السر عثمان
- سيرة القيد والقلم / نبهان خريشة
- سيرة الضوء... صفحات من حياة الشيخ خطاب صالح الضامن / خطاب عمران الضامن
- على أطلال جيلنا - وأيام كانت معهم / سعيد العليمى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - ناظم ختاري - مم وزين في ختارة – صوت داي كولى وذاكرة القرية