أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القومية , المسالة القومية , حقوق الاقليات و حق تقرير المصير - ناظم ختاري - الطفلة التي ماتت عطشاً على كتف والدها














المزيد.....

الطفلة التي ماتت عطشاً على كتف والدها


ناظم ختاري

الحوار المتمدن-العدد: 8803 - 2026 / 8 / 20 - 20:48
المحور: القومية , المسالة القومية , حقوق الاقليات و حق تقرير المصير
    


كلما أتأمل هذه الصورة، أشعر بأن الهواء يضيق في صدري، كأن العالم كله يُطفئ أنفاسه احتراماً لطفلةٍ رحلت قبل أن تعرف معنى الحياة. طفلةٌ سنجارية ماتت عطشاً على كتف والدها، في الثالث من آب 2014، يوم انكسرت سنجار وانكسرت معها آخر أوهام الأمان.
لم تمت على كتف رجلٍ هاربٍ من جحيم داعش فقط، بل ماتت على كتف الله نفسه، في لحظةٍ بدا فيها أن السماء أغلقت أبوابها، وتركت هذا الأب وحيداً يحمل ابنته نحو معجزةٍ لم تحدث.
كان الرجل قد فقد كل شيء: زوجةً، إخوةً، بناتاً، أبناءً… لم يبقَ له سوى هذه الصغيرة، آخر ما تبقّى من معنى العائلة. حملها على كتفه، ومشى بها في آب سنجار وجبلها، يهرب من جنود “دولة الخلافة الإسلامية” الذين نشروا الموت في كل بيت، وكل طريق، وكل صرخة.
لكن الجسد الصغير لم يحتمل العطش. نامت الطفلة على كتف والدها، لا لتستريح، بل لتودّع. وحين أدرك الأب أن ابنته فارقت الحياة، لم يصرخ. لم ينهَر. لم يطلب معجزة. بل واصل السير، كأن حمل الجثة الصغيرة هو آخر واجبٍ أبويّ يستطيع أن يقدّمه في هذا العالم المنهار.
هذه الصورة ليست صورة هروبٍ من حرب. إنها صورة وطنٍ ترك أبناءه يموتون عطشاً. وهي صورة تاريخٍ أعاد نفسه بطريقةٍ أكثر وحشية، بعدما سلّم العراق إلى قوى لا تعرف معنى الدولة ولا معنى الإنسان، قوى صنعت بيئةً سمحت لداعش أن يولد، ويكبر، ويقتل، ويخطف، ويبيع النساء في أسواق السبي، ويطبخ طفلاً ويقدّم لحمه لأمه التي قاومت الاغتصاب.
في الرابع عشر من آب 2014، سجّل التاريخ فصلاً أسود لا يشبه أي فصلٍ قبله: أطفال يموتون عطشاً وجوعاً، أطفال يُنتزعون من عقيدتهم، أطفال يُدرَّبون على قتل أبناء جلدتهم، أطفال يُفخَّخون ليُفجَّروا في أحضان عائلاتهم.
والعالم صامت. والدولة صامتة. والسماء صامتة.
لكن هذه الصورة لا تصمت. هذه الصورة تصرخ. تصيح في وجه الزمن، أن طفلةً ماتت عطشاً على كتف والدها، وأن موتها ليس حادثاً فردياً، بل جرحاً مفتوحاً في ذاكرة شعبٍ عاش قروناً من الاضطهاد، ثم قُتل بالجملة في زمنٍ كان يُفترض أن يكون زمن الدولة والقانون.
هذه الطفلة لا اسم لها. ولا قبر لها. ولا تاريخ مكتوب لها. لكن صورتها هي تاريخٌ كامل، ومرثيةٌ كاملة، واتهامٌ كامل.
اتهامٌ للعالم. اتهامٌ للسياسة. اتهامٌ للذين تركوا الأيزيديين وحدهم في مواجهة الموت.
هذه الطفلة ليست منسية. هذه الطفلة هي الذاكرة نفسها.
.



#ناظم_ختاري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حصر السلاح بيد من؟ وجرف الصخر… عقدة الدولة العراقية
- من نحن… ولماذا يُعاد طرح السؤال كل يوم؟
- الفساد والكرامة
- يوفا… الطفلة التي سقطت من العالم
- هل ستسلّم الميليشيات -العراقية- سلاحها للدولة؟
- المؤتمر الوطني الثاني عشر أم مؤتمر استثنائي..؟
- في الذكرى الثانية عشرة للإبادة الأيزيدية
- ثانيًا – التعامل مع نتائج الحرب والمشاركة في العملية السياسي ...
- نحو مراجعة نقدية شاملة لتقويم أدائنا وتجديد آليات عملنا التن ...
- العمل المشترك للقوى المدنية والديمقراطية واليسارية: مسؤولية ...
- شهور من الكذب الثقيل والنفاق و4 سنوات من السرقات والفساد
- في سنجار .. حملات الملاحقة والتعذيب والقتل في ظل الجبهة الوط ...
- سيناريوهات زوال النظام العراقي الحالي
- الصغير وعبد اللطيف في نظريتي النستلة والحنفية
- استبعاد مرشحين نزيهين من العملية الانتخابية تزوير مبكر
- معركة لاله زار في السليمانية
- جندي يؤدي تحية عسكرية للأنصار في سيطرة ألقوش
- فشل في بناء الدولة أم إصرار على تدميرها
- هل المقاطعون للانتخابات اخطأوا أم أصابوا ..؟
- مرة اخرى ... أنصاريات


المزيد.....




- مسعى أمريكي لتوسيع حظر السلاح الأممي على السودان وروسيا تحذر ...
- الشعب الألماني ولعنة النازية
- التحالف الإقليمي الجديد (التركي – السعودي – الباكستاني): أوه ...
- اتفاق سعودي فرنسي بـ6 مليارات يورو لإنشاء 3 متنزهات قرب باري ...
- كندا تعلن فرضها رسوما جمركية جوابية ضد الولايات المتحدة
- وزير العدل السوري: إزالة سوريا من قوائم الدول الراعية للإرها ...
- رئيس الوزراء البريطاني سيزور نيويورك لحث ترامب على منح أوكرا ...
- أمريكا تستعد لإلغاء 200 ألف تأشيرة.. من المستهدف وهل يعني ذل ...
- من الاحتجاز إلى التعذيب.. ممارسات إدارة الهجرة الأميركية تحت ...
- منظومة قيس سعيّد الشعبوية بين حاضرها المأزوم ومستقبلها المجه ...


المزيد.....

- اشتراكيون ديموقراطيون ام ماركسيون / سعيد العليمى
- الرغبة القومية ومطلب الأوليكارشية / نجم الدين فارس
- ايزيدية شنكال-سنجار / ممتاز حسين سليمان خلو
- في المسألة القومية: قراءة جديدة ورؤى نقدية / عبد الحسين شعبان
- موقف حزب العمال الشيوعى المصرى من قضية القومية العربية / سعيد العليمى
- كراس كوارث ومآسي أتباع الديانات والمذاهب الأخرى في العراق / كاظم حبيب
- التطبيع يسري في دمك / د. عادل سمارة
- كتاب كيف نفذ النظام الإسلاموي فصل جنوب السودان؟ / تاج السر عثمان
- كتاب الجذور التاريخية للتهميش في السودان / تاج السر عثمان
- تأثيل في تنمية الماركسية-اللينينية لمسائل القومية والوطنية و ... / المنصور جعفر


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القومية , المسالة القومية , حقوق الاقليات و حق تقرير المصير - ناظم ختاري - الطفلة التي ماتت عطشاً على كتف والدها