عبد الكريم حسن سلومي
الحوار المتمدن-العدد: 8808 - 2026 / 8 / 25 - 00:14
المحور:
الطبيعة, التلوث , وحماية البيئة ونشاط حركات الخضر
(قراءة في الماضي والحاضر ومستقبل الشريان المائي للبصرة )
مدخل
لم يكن شط العرب في ذاكرة البصرة والعراقيين عموما مجرد مجرى مائي يشق أرضهم متجها نحو الخليج العربي ولم تكن قيمته تقاس بأمتار مكعبة من المياه أو بأرقام التصاريف والمناسيب وحدها وطول. لقد كان عبر أجيال طويلة هو نهر الحياة الذي نشأت على ضفتيه المدن والقرى والبساتين وارتبط به الإنسان والزراعة والملاحة والصيد والتجارة وتشكلت حوله هوية اقتصادية واجتماعية وبيئة خاصة بجنوب العراق.
لقد صنعت المياه العذبة التي كانت تصل إليه وما وفرته من توازن مع حركة المد والجزر القادمة من الخليج بيئة نهرية فريدة. وعلى ضفافه امتدت بساتين النخيل، وازدهرت الزراعة وعاشت تجمعات سكانية ارتبط رزقها بالنهر فيما احتضنت مياهه منظومة متنوعة من الأسماك والكائنات المائية، وأصبح ممرا ملاحيا واقتصاديا مهما للعراق.
لكن صورة شط العرب التي عرفتها الأجيال السابقة لم تعد هي الصورة التي نراها اليوم ،فالنهر الذي كان رمزا للخصب والوفرة أصبح يواجه مجموعة متشابكة من الضغوط الهيدرولوجية والهيدروليكية والبيئية والبشرية بحيث أنه لم يعد ممكن التعامل مع مشكلاته باعتبار كل واحدة منها أزمة منفصلة فلقد أصبحنا أمام أزمة نهر متكاملة.
أولا :-شط العرب نهر ذو خصوصية
تبدأ خصوصية شط العرب من طبيعة تكوينه وموقعه الجغرافي وعلاقته بمنظومة دجلة والفرات وروافده التاريخية وتنتهي عند اتصاله بالخليج العربي. وهذه الخصوصية جعلته خاضعا في الوقت نفسه لقوتين متعاكستين: المياه العذبة القادمة من أعالي الحوض والمياه البحرية المالحة المتقدمة من الخليج بفعل المد والجزر.
وعندما كانت كميات المياه العذبة الواصلة إلى النهر كافية كان التوازن الهيدروليكي قادر بدرجات متفاوتة على مقاومة تقدم المياه المالحة والحفاظ على خصائص أجزاء واسعة من المجرى.
لكن هذا التوازن لم يعد ثابتا إلى الأبد ، فتراجع الواردات المائية وتغير مساهمات بعض الروافد وتزايد الطلب على المياه والتحولات التي طرأت على إدارة الموارد المائية في الحوض جعلت القوة التي تدفع بالمياه العذبة جنوبا أضعف في مواجهة التأثير البحري القادم شمالا. وهنا بدأت إحدى أخطر التحولات في تاريخ شط العرب الحديث.
ثانيا:-عندما بدأ البحر يتقدم داخل النهر
إن الحديث عن اللسان الملحي في شط العرب ليس حديث عن زيادة بسيطة في تركيز الأملاح بل عن تغير في العلاقة بين النهر والبحر. فكلما تراجعت قوة التصريف العذب ازدادت قدرة المد البحري على التقدم نحو أعالي المجرى. وأظهرت الدراسات الميدانية وجود تدرج مكاني واضح في الأملاح مع ارتفاع كبير في تراكيز المواد الصلبة الذائبة باتجاه الفاو ورأس البيشة مقارنة بالمحطات الواقعة شمالا وكوني مختص بموارد المياه أرى إن القضية أكثر تعقيدا من القول بأننا نحتاج إلى مياه أكثر فقط.
فإحدى النتائج المهمة التي تكشفها الدراسات أن زيادة الإطلاقات لا تضمن بالضرورة انخفاض الملوحة إذا كانت نوعية المياه المطلقة نفسها متدهورة أو مرتفعة الأملاح. وهذا يعني أن إدارة شط العرب يجب أن تتعامل مع كمية المياه ونوعيتها في آن واحد. وهذه في تقديري نقطة مركزية لفهم الأزمة.
ثالثا :-ليست الملوحة وحدها المشكلة
ولو كانت مشكلة شط العرب مقتصرة على الملوحة لكانت المعالجة ممكنة رغم صعوبتها و أبسط بكثير ،لكن النهر يتعرض في الوقت نفسه لضغوط متعددة منها ( مياه الصرف الصحي، والمخلفات الصناعية، والنشاط النفطي، والتصريف الزراعي، وتغير نوعية المياه، وتراكم بعض الملوثات، فضلا عن التغيرات الهيدرولوجية والمورفولوجية.
وهكذا أصبحت نوعية المياه نتيجة لتفاعل ما يأتي إلى النهر من أعلاه وما يدخل إليه من الخليج وما يطرح فيه محليا.
ومن هنا لا يمكن معالجة التلوث بمعزل عن التصريف ولا الملوحة بمعزل عن المد والجزر ولا الزراعة بمعزل عن نوعية المياه ولا النظام البيئي بمعزل عن كل هذه العناصر لآنها منظومة واحدة وأي محاولة لتجزئة المشكلة ستنتج بالضرورة حلولا مجزأة
رابعا:-من بساتين النخيل إلى الأرض التي تقاوم الملح
ربما تكون الزراعة من أكثر القطاعات التي تروي بصمت قصة التحول الذي أصاب شط العرب. فالبصرة التي ارتبط اسمها تاريخيا بالنخيل والبساتين لم تكن تلك الصورة فيها منفصلة عن مياه شط العرب. وكانت الفاو والسيبة ومناطق أخرى من المحافظة تضم نشاط زراعي مرتبط مباشرة بالنهر.
لكن ارتفاع ملوحة المياه وتدهور نوعيتها انعكسا على التربة والمحاصيل والإنتاج الزراعي.
وتشير إحدى الدراسات التي اطلعت عليها إلى انخفاض المساحات الزراعية المروية التي تناولتها الدراسة من نحو 43,299 هكتار خلال 1979–1988 إلى نحو 20,528 هكتار خلال 2016–2017.
وهنا تصبح الملوحة أكثر من رقم في تحليل مختبر بل هي تعني أرض بدأت تفقد قدرتها على الإنتاج وفلاح زادت عليه كلفة الزراعة وبستان يتراجع، ومحصول ينخفض، وفي النهاية جزء من الأمن الغذائي والاجتماعي للبصرة والعراق يتعرض للضغط.
خامسا:-الأسماك والأحياء المائية تدفع الثمن أيضا
إن شط العرب نظام بيئي انتقالي بالغ الحساسية و تتداخل فيه خصائص المياه العذبة والمياه البحرية والمياه المستملحة ولذلك يرتبط توزيع الأحياء فيه بالتدرج الملحي على امتداد المجرى ،وعندما يتحرك هذا التدرج بعيدا عن نطاقاته المعتادة تتغير معه البيئة المناسبة للكائنات الحية.
وقد بينت الدراسات أن ارتفاع الملوحة يمكن أن يؤدي إلى هجرة بعض الأسماك النهرية نحو أعالي المجرى أو تراجعها وأن تغير الظروف المائية يعيد تشكيل تركيب التجمعات السمكية وتوزيعها.
وبذلك فإن تقدم المياه البحرية لا يغير ماء النهر فقط بل يستطيع أن يغير تدريجيا هوية النظام البيئي للنهر.
سادسا:-الأزمة تصل إلى الإنسان
في نهاية المطاف لا توجد أزمة مياه منفصلة عن الإنسان، فعندما تتدهور نوعية مياه شط العرب تتأثر مياه الشرب والزراعة والثروة الحيوانية والصناعة والاقتصاد المحلي وترتفع كلفة المعالجة ويصبح المجتمع هو من يدفع الثمن النهائي.
وقد أظهرت الدراسات أن ارتفاع الملوحة لا يقتصر أثره على الاستعمال المنزلي والزراعي بل يمكن أن يمتد إلى الاستخدامات الصناعية ومحطات الطاقة و من خلال زيادة متطلبات المعالجة والتحلية والصيانة والتأثير في كفاءة المنشأت التي تعتمد على المياه.
وهنا تتحول قضية شط العرب من قضية تخص وزارة أو قطاع واحد إلى قضية ترتبط بـالأمن المائي والغذائي والبيئي والاقتصادي وأمن الطاقة.
سابعا:- شكل النهر ليس بعيد عن التغيير
ثمة جانب أخر لا يحظى دائما بالاهتمام الذي يستحقه وهو أن التحولات في شط العرب ليست كيميائية أو بيولوجية فقط بل هيدروديناميكية وجيومرفولوجية أيضا فتغير العلاقة بين الجريان النهري والمد والتيارات البحرية وحركة الرواسب يمكن أن يؤثر في النحت والترسيب واستقرار الضفاف وتطور منطقة المصب والدلتا. وقد أشارت الدراسات إلى أن زيادة التأثير البحري وضعف قدرة النهر على حمل الرواسب يمكن أن يؤثر في عمليات بناء الدلتا ويزيد دور النحت البحري وإعادة توزيع الرواسب وتأكل بعض أجزاء الساحل والضفاف. وهذا يعني أننا حين نسأل عن مستقبل شط العرب فإننا لا نسأل فقط: عن ما نوعية مياهه مستقبلا بل ينبغي أن نسأل أيضا (كيف سيكون شكل النهر نفسه مستقبلا )
ثامنا :-هل يمكن إنقاذ شط العرب
نعم و لكن ليس بحل واح فقط ،إن أخطر ما يمكن أن نفعله هو البحث عن مشروع منفرد نقدمه باعتباره الحل النهائي لأزمة تكونت عبر عقود ومن مجموعة كبيرة من الأسباب ،فزيادة الإطلاقات المائية ضرورية و لكنها لا تكفي إذا كانت نوعية المياه نفسها متدهورة ،ومعالجة مياه الصرف ضرورية، لكنها لن توقف اللسان الملحي إذا بقي التصريف العذب غير قادر على مقاومة التأثير البحري.
والمنشأت الهندسية قد تكون جزء من الحل و لكن أي تدخل في مجرى بهذه الحساسية يجب أن يسبقه تحليل دقيق لآثاره في المناسيب والسرعات والمد والجزر والملاحة والرواسب والبيئة.
أما مراقبة الملوحة دون امتلاك آلية فهي تخبرنا بأن الأزمة تتقدم لكنها لا تتوقف.
لذلك فإن ما يحتاج إليه شط العرب هو منظومة إدارة متكاملة.
وقد انتهت إحدى الدراسات إلى مجموعة من التدابير تشمل ضمان تدفق المياه العذبة وتطوير الرصد الهيدرولوجي على طول النهر والاستفادة من الخزن المائي الموسمي ومعالجة مياه الصرف ودراسة التدخلات الهندسية الممكنة للحد من تقدم المياه البحرية.
تاسعا:-من إدارة الأزمة إلى إدارة النهر
نعتقد أن الموضوع الذي ينبغي أن يحكم المرحلة القادمة ليس هو كيف نعالج أزمة الملوحة هذا العام وإنما هو كيف ندير شط العرب بحيث لا تتكرر الأزمة كل عام
والفرق بين السؤالين كبير فالأول ينتظر الأزمة ثم يبحث عن الاستجابة وأما الثاني فيتطلب تحديد تصريف بيئي مناسب وشبكة رصد وإنذار مبكر وإدارة متكاملة للكمية والنوعية وضبط مصادر التلوث وربط تشغيل المنظومة المائية بحركة المد والجزر وإدارة الزراعة وفق صلاحية المياه والتربة مع متابعة النظام البيئي ووضع سيناريوهات للشحة والتغير المناخي وارتفاع مستوى البحر.
لذلك فإننا بحاجة إلى الانتقال من إدارة رد الفعل إلى الإدارة الاستباقية لشط العرب.
عاشرا:-لماذا نكتب عن شط العرب الآن
منذ سنوات وانا اقرأ عن مأساة البصرة وشط العرب من ناحية المياه هنا جاءت فكرة نشر بعض المقالات عن شط العرب
إن ما سننشره عن شط العرب لن يكون مقال ينتهي بانتهاء قراءته وإنما محاولة لبناء ملف معرفي متكامل يبدأ بمجموعة من المقالات والدراسات التي تناقش جوانب الأزمة المختلفة وقد ينتهي بكتاب موسع يتناول شط العرب من تاريخه وطبيعته وهيدرولوجية وهيد وديناميكيته إلى بيئته وزراعته ونوعية مياهه واللسان الملحي والتلوث والتحديات المستقبلية والحلول الممكنة.
وقد كان أحد أهداف ما اسعى له هو أن نعطي للدراسات العراقية مكانها الذي تستحقه لأن الباحثين العراقيين وجامعات العراق ولا سيما جامعة البصرة ومراكزها العلمية قد جمعوا وحفظوا معرفة ميدانية مهمة عن هذا النهر ولا يجوز أن يبقى جزء كبير منها متفرق بين رسائل جامعية وبحوث وتقارير يصعب على القارئ وصانع القرار جمعها في صورة واحدة.
وسيكون هدف المقالات القادمة ليس تكرار ما كتب وإنما تفكيك الأزمة سؤالا بعد آخر منها واهمها
*ماذا حدث لمياه شط العرب
*لماذا يتقدم اللسان الملحي
*ما هو الدور الحقيقي للمد والجزر
*ماذا حدث لروافد النهر
*كيف ولماذا تغيرت نوعية المياه
*ماذا خسر النخيل والزراعة والأسماك
*ما علاقة شط العرب بالأهوار والخليج
*وما الحلول التي يمكن تنفيذها فعلا وليس الحلول التي تبدو جميلة على الورق فقط
احد عشر :- شط العرب قضية مستقبل
لقد عاش شط العرب زمنا كان فيه الماء أساس ازدهار البصرة. واليوم أصبح مستقبل هذا الماء نفسه موضع سؤال .
لكننا نرى إن النهر لم يصل بعد إلى نقطة تجعل استعادته مستحيلة فلدينا معرفة علمية تراكمت لدى المختصين والأكاديميين وخبرات عراقية واسعة ودراسات ميدانية كثيرة وأدوات هندسية ومعدات وتقنية أصبحت أكثر تطور من أي وقت مضى.
ما ينقصنا هو أن تتحول هذه العناصر المتفرقة إلى رؤية واحدة وإدارة واحدة وقرار طويل الأمد.
وشط العرب لا يحتاج إلى أن نتذكر صورته الجميلة في الماضي فحسب بل إلى أن نفهم لماذا فقد جزء من تلك الصورة ثم نعمل علميا وهندسيا وكمؤسسات لاستعادة ما يمكن استعادته وحماية ما بقي منه.
فهذا النهر ليس إرث من الماضي فقط وانما هو حق للأجيال القادمة.
ومن هنا تبدأ رحلتنا مع شط العرب بقادم الأيام عن تاريخه، مياهه، أزماته، ومستقبله.
المهندس الاستشاري
24-8-2026
#عبد_الكريم_حسن_سلومي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟