نبهان خريشه
الحوار المتمدن-العدد: 8804 - 2026 / 8 / 21 - 00:14
المحور:
المجتمع المدني
ليس التخلف مجرد تأخر اقتصادي يمكن قياسه بحجم الناتج المحلي، ولا نقصًا في التكنولوجيا يمكن تعويضه باستيراد أحدث الهواتف والطائرات والسيارات، ولا حتى فجوة في التعليم يمكن ردمها ببناء مزيد من الجامعات. للتخلف بنية فوقية وهياكل ذهنية راسخة، تعيد إنتاج نفسها جيلاً بعد جيل، حتى في المجتمعات التي تملأ شوارعها مظاهر الحداثة وتزدحم بيوتها بأحدث منتجاتها. قد نعيش في مدن حديثة، ونستخدم وسائل الاتصال الأكثر تطورًا، ونسافر بطائرات صنعتها مجتمعات أخرى، لكن السؤال الحقيقي يبقى: هل انتقل الإنسان نفسه إلى العصر الحديث، أم أننا اكتفينا باستيراد أدوات الحداثة بينما بقيت عقولنا محكومة بأنماط اجتماعية وسياسية وفقهية تنتمي إلى أزمنة سابقة؟
هنا تكمن المشكلة التي أخفقنا، حتى الآن، في مواجهتها. لم ننجز النقلة النوعية التي تجعل النهوض بالإنسان غايةً للتقدم، كما حدث، بدرجات وتجارب مختلفة، في الغرب واليابان وسنغافورة. فالتحول الحقيقي لا يبدأ من المباني والطرق والمطارات، بل من الإنسان الذي يستخدمها، ومن الطريقة التي ينظر بها إلى نفسه وإلى السلطة والمجتمع والمعرفة. وما دمنا عاجزين عن تحرير الإنسان من البنى التي تجعله تابعًا، فإن ما نسميه تحديثًا لن يكون أكثر من قشرة عصرية تغطي بنية تقليدية شديدة الصلابة.
ما زالت مجتمعات كثيرة عندنا مجتمعات ريعية تتحكم فيها العصبيات، وإن ارتدى بعضها ثيابًا مدنية حديثة. ولبنان مثال صارخ على ذلك. ففي بلد يمتلك حياة ثقافية وتعليمية وإعلامية واسعة، ويبدو للوهلة الأولى واحدًا من أكثر المجتمعات العربية مدنية وانفتاحًا، ما زالت السياسة في جانب كبير منها أسيرة زعماء العصبيات. قد يتحدث الزعيم بلغة الدولة والدستور والديمقراطية، وقد يرتدي أحدث الأزياء ويستخدم مفردات القرن الحادي والعشرين، لكن علاقته بأتباعه يمكن أن تبقى أقرب إلى علاقة شيخ العصبية بجماعته منها إلى علاقة ممثل سياسي بمواطنين أحرار.
المشكلة، إذن، ليست في المظهر، وإنما في العقل الذي يدير العلاقة بين الفرد والجماعة والسلطة.
إنساننا، في هذه البنية، لم يتحول بعد إلى مرجع ذاتي؛ أي إلى فرد يمتلك القدرة على التفكير والاختيار والمساءلة وتحديد موقفه انطلاقًا من عقله ومصالحه وقناعاته. فهو محاصر بثلاثية متداخلة: العصبية، والفقه الأصولي، والاستبداد. وهذه القوى الثلاث، رغم اختلاف مصادرها، تتقاطع في وظيفة واحدة: إضعاف استقلال الفرد وتحويله من مواطن قادر على السؤال والاعتراض إلى تابع يتلقى الإجابات والقرارات من الآخرين.
العصبية تقول له: جماعتك قبل عقلك.
والفقه الأصولي يقول له: لا تسأل خارج الحدود التي رسمناها لك.
والاستبداد يقول له: لا تعترض على السلطة.
وحين تجتمع هذه الثلاثية يصبح الإنسان محاصرًا منذ طفولته وحتى دخوله المجال العام. يبدأ الأمر داخل البيت، قبل أن ي٨صل إلى المسجد أو المدرسة أو مقر الحزب أو مكتب الحاكم. فالتربية المنزلية والشعبية عندنا كثيرًا ما تقوم على التقريع والتأثيم أكثر مما تقوم على الحوار والإقناع. يتعلم الطفل باكرًا أن الطاعة فضيلة في ذاتها، وأن السؤال قد يكون وقاحة، وأن الاختلاف مع الكبير سوء أدب، وأن الخروج عن رأي الجماعة مصدر للعار.
وبمرور الوقت تتراكم داخله منظومة كاملة من الشعور بالذنب والقصور والدونية. لا يتعلم كيف يقول: أنا أعتقد، بل كيف يسأل: ماذا يريد الآخرون مني أن أعتقد؟ ولا يتعلم كيف يختبر الفكرة، وإنما كيف يبحث عن صاحب السلطة الذي يخبره بصحتها. وهكذا تزرع العصبية البذرة الأولى للتابع قبل أن تتولى المؤسسات الأخرى رعايتها.
ثم يأتي الفقه الأصولي، بصيغته القائمة على التوسع في التحريم، ليضيف طبقة جديدة إلى منظومة الخوف. يصبح العالم محاطًا بسياج كثيف من الحلال والحرام، والثواب والعقاب، والجنة والنار، وتتحول الأسئلة الإنسانية الطبيعية إلى مناطق اشتباه. بدل أن يكون العقل وسيلة لفهم العالم يصبح مطلوبًا منه، في كثير من الأحيان، أن يبحث عن الفتوى التي تعفيه من مسؤولية التفكير والاختيار.
المشكلة هنا ليست في الدين باعتباره إيمانًا وقيمًا روحية وأخلاقية، وإنما في نمط فقهي أصولي يحوّل الدين إلى منظومة واسعة للتحريم والرقابة على الفرد. وحين يصبح التحريم هو الأصل، فإن الخوف يتقدم على الحرية، والطاعة على الاجتهاد، والنقل على النقد. وبذلك يستكمل الفقه الأصولي ما بدأته العصبية: إنتاج إنسان يبحث باستمرار عن مرجعية خارج ذاته تخبره بما يفعل وما لا يفعل.
ثم تأتي السلطة السياسية لتغلق الدائرة.
فالاستبداد لا يحتاج إلى مواطن مستقل، بل إلى فرد قابل للضبط. لذلك يعتمد التجريم قاعدة للعلاقة بين الحاكم والمحكوم، فيصبح المواطن موضع شبهة إلى أن يثبت ولاءه، وتصبح البراءة السياسية والاجتماعية مرتبطة بدرجة القرب من السلطان. لا يعود السؤال: ماذا يحق للمواطن أن يطلب من الدولة؟ بل: كيف يثبت المواطن أنه ليس خطرًا عليها؟
وهنا نكتشف أن العصبية والفقه الأصولي والاستبداد ليست عوالم منفصلة كما تبدو. إنها ثلاث آليات تتعاون، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في صناعة الإنسان المطيع. الأولى تطلب منه الولاء للجماعة، والثانية الخضوع للمرجعية، والثالثة الطاعة للسلطان.
ولهذا لم ننجز بعد النقلة من عقلية السلاطين إلى عقلية الدولة الحديثة. فالحداثة السياسية ليست انتخابات وصناديق اقتراع فقط، وإنما علاقة مختلفة جذريًا بين المجتمع ومن يتولى السلطة باسمه. في الدولة الحديثة يوجد نائب، أما في البنية التقليدية فيوجد زعيم. والفارق بين الاثنين ليس لغويًا، بل هو جوهر المسألة كلها.
النائب موظف سياسي مؤقت اختاره الناس ليمثل مصالحهم، ويمكنهم محاسبته واستبداله. أما الزعيم فهو مركز ولاء. النائب يستمد شرعيته من التفويض المحدود، بينما يستمد الزعيم سلطته من التبعية. النائب يحتاج إلى برنامج، أما الزعيم فيحتاج إلى أتباع.
لهذا تتحول الانتخابات عندنا، في حالات كثيرة، من ممارسة سياسية إلى ما يشبه المبايعة. لا يذهب الناس إلى صناديق الاقتراع دائمًا للمفاضلة بين سياسات اقتصادية واجتماعية مختلفة، بل لتجديد ولاءات سابقة. يصبح السؤال: مع من أنت؟ وليس: ما البرنامج الذي يخدم مصالحك؟
والأكثر إثارة للمفارقة أن المجتمع نفسه قد يدفع النائب إلى التحول إلى زعيم. فما إن يفوز شخص في الانتخابات حتى يتقاطر الناس إلى منزله، وترتفع الهتافات باسمه، ويبدأ التعامل معه باعتباره صاحب فضل ونفوذ لا ممثلاً مكلفًا بأداء وظيفة محددة. ويجد السياسي نفسه داخل ثقافة تطالبه بأن يكون راعيًا للأتباع لا ممثلاً للمواطنين.
هكذا تعيد البنية الاجتماعية إنتاج الزعامة حتى داخل المؤسسات التي يفترض أنها ديمقراطية.
وفي المجتمعات التي قطعت شوطًا أبعد في بناء الديمقراطية، لا تختفي الشخصيات السياسية بالطبع، ولا تنعدم الكاريزما أو الزعامة، لكن الأصل أن تكون المنافسة مرتبطة ببرامج وسياسات واتجاهات اقتصادية واجتماعية. أما عندنا، فكثيرًا ما تصبح البرامج مجرد قشور لغوية تحيط بالشخص، فيما يكون الشخص هو المشروع الحقيقي.
والنتيجة أن المواطن قد يصوت ضد مصالحه.
يعاني البطالة أو ارتفاع الأسعار أو انهيار الخدمات، ويشتكي طوال السنوات من الفساد والمحسوبية وسوء الإدارة، ثم يأتي الاستحقاق الانتخابي فينسى، أو يُدفع إلى نسيان، كل ذلك. تستيقظ العصبية، ويعود الولاء الموروث، ويصبح الدفاع عن الزعيم أكثر أهمية من الدفاع عن المصلحة الشخصية والعامة.
وهنا ينجح الزعيم في أعظم عمليات الخداع السياسي: يقنع الجماهير بأن بقاءه هو بقاء الوطن.
تختلط الدولة بالشخص، والمؤسسة بالزعيم، والوطن بالحزب أو الطائفة أو الجماعة. ومن يعارض الزعيم يبدو كأنه يعارض الجماعة، ومن ينتقده قد يُتهم بأنه يضعف الوطن. ومع الزمن تتحول الدولة من فضاء عام يملكه المواطنون إلى مجموعة كيانات شخصية يتقاسمها أصحاب النفوذ.
يقول الزعماء إنهم يبنون وطنًا، بينما قد يكون ما يُبنى في الحقيقة شبكات ولاء ومصالح ونفوذ مرتبطة بأسمائهم. وحين تصبح الدولة امتدادًا للأشخاص، تضعف المؤسسات، لأن المؤسسة بطبيعتها لا تقدس أحدًا. المؤسسة تعمل بالقانون، أما الزعامة فتعمل بالولاء. المؤسسة تقوم على تداول المسؤولية، أما الزعامة فتبحث عن الاستمرار. المؤسسة تحتاج إلى مواطنين، بينما تحتاج الزعامة إلى أتباع.
لهذا فإن أزمة التخلف عندنا أعمق من أزمة حكومات وسياسات. إنها أزمة في العلاقة مع النقد نفسه.
كل ما صنع العالم الحديث تقريبًا انطلق من القدرة على الشك في الوسائل والمفاهيم القائمة وتجاوزها. لم يظهر الطيران النفاث لأن البشر قدسوا وسائل النقل السابقة، ولم تظهر وسائل الاتصال الحديثة لأن العلماء تعاملوا مع أدوات الماضي باعتبارها نهاية المعرفة. التقدم سلسلة طويلة من عمليات النقد والتجاوز: فكرة تُراجع، ونظرية تُصحح، وأداة تُستبدل، ومفهوم يُعاد التفكير فيه.
أما حين يتحول الموروث إلى منطقة محرمة، والزعيم إلى رمز لا يجوز نقده، والسلطة إلى حقيقة لا يجوز مساءلتها، فإن المجتمع يغلق على نفسه باب التطور.
لا يمكن لمجتمع يخشى السؤال أن ينتج معرفة حقيقية، ولا لمواطن يخشى السلطة أن يصنع ديمقراطية، ولا لفرد أسير العصبية أن يبني دولة مواطنة. ومن هنا فإن معركتنا الأساسية ليست مع التكنولوجيا ولا مع نقص الموارد وحدهما، بل مع الإنسان الذي جرى تشكيله عبر قرون ليكون تابعًا أكثر منه مواطنًا.
النقلة النوعية التي نحتاجها تبدأ حين يصبح الإنسان مرجعًا ذاتيًا قادرًا على التفكير والاختيار وتحمل مسؤولية اختياره؛ حين تتراجع العصبية أمام المواطنة، ويتراجع فقه التحريم أمام مساحة العقل والاجتهاد، ويتراجع الاستبداد أمام القانون والمساءلة. وتبدأ عندما ندرك أن النائب ليس زعيمًا، وأن الانتخابات ليست مبايعة، وأن الدولة ليست ملكًا لمن يحكمها، وأن المواطن لا يحتاج إلى إثبات ولائه للسلطان كي يحصل على حقوقه.
التقدم الحقيقي ليس أن نستخدم منتجات العصر، بل أن نمتلك عقله النقدي. وليس أن نبني ناطحات السحاب بينما نحافظ في داخلها على علاقات شيخ القبيلة وأتباعه. وليس أن نضع صناديق الاقتراع ثم نذهب إليها بعقلية المبايعة.
نحن لا نحتاج إلى تحديث الأشياء فقط، بل إلى تحديث علاقتنا بالإنسان والسلطة والمعرفة. فما دام الإنسان تابعًا للعصبية، وخائفًا من التحريم، ومهددًا بالاستبداد، ستظل الحداثة عندنا واجهة جميلة لبناء قديم.
وحين يتحرر الإنسان من هذه الثلاثية، يصبح ممكنًا أن تبدأ النقلة التي تأخرت طويلًا: من الرعية إلى المواطن، ومن الزعيم إلى النائب، ومن المبايعة إلى الانتخاب، ومن الخوف إلى النقد، ومن استهلاك الحداثة إلى صناعتها.
#نبهان_خريشه (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟