أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - يونس متي - بعد أن فُتحت البوابات، الإنسان في مواجهة العالم المتغير














المزيد.....

بعد أن فُتحت البوابات، الإنسان في مواجهة العالم المتغير


يونس متي

الحوار المتمدن-العدد: 8803 - 2026 / 8 / 20 - 00:47
المحور: قضايا ثقافية
    


لم يشهد الإنسان في تاريخه الحديث اتساعاً في الوصول إلى المعرفة والمعلومة كما يشهده اليوم. فما كان بعيداً أصبح قريباً، وما كان يحتاج إلى وقت وجهد صار متاحاً خلال لحظات. انفتحت الأبواب أمام الكتب والصحف والفضائيات والمواقع والمنصات، ثم جاءت الهواتف الذكية لتضع العالم كله تقريباً في متناول اليد.
كان ذلك تحولاً هائلاَ. لكن فتح البوابات، كما رأينا، لم يكن نهاية الحكاية. فقد وجد الإنسان نفسه فجأة أمام فضاء مفتوح لم يكن بالضرورة جاهزاً للتعامل معه.
وهنا يبدأ السؤال الذي يخص الإنسان نفسه، ماذا يفعل حين تصبح أمامه كل هذه الخيارات؟ وكيف يتعلم أن يختار؟
في العراق مثلاً، كان امتلاك جهاز استقبال فضائي (ساتلايت) في زمن النظام السابق ممنوعاً، ثم تغير العالم فجأة، فوجد العراقي نفسه أمام مئات الفضائيات، وبعدها آلاف المواقع والمنصات، ثم أمام هاتف صغير يحمل في داخله عالماً لا ينتهي من الأخبار والصور والأفكار والآراء.
حدث التحول بسرعة، بينما يحتاج الإنسان وقتاً أطول لكي يتعلم كيف يتعامل مع التحولات الكبيرة.
وهنا يصبح الإنسان هو المحور. فحين تتسع أمامه الخيارات، لم يعد السؤال، من يقرر له ماذا يقرأ وماذا يسمع؟ بل، كيف يختار بنفسه؟
فالحرية لا تعني أن نقرأ كل شيء أو نصدق كل شيء، وإنما أن نمتلك القدرة على الاختيار والسؤال والمقارنة. وليس المطلوب أن نتخلى عن قناعاتنا كلما ظهر رأي جديد، بل أن نعرف لماذا نؤمن بما نؤمن به، وأن نكون قادرين على مراجعة فهمنا له.
فالإنسان الواثق من قناعته لا يحتاج إلى منع الآخرين من الكلام لكي يحافظ عليها. أما عندما تصبح القناعة بحاجة إلى إسكات المختلف كي تستمر، فإنها لا تعود قناعة تحميها الحجة، بل تتحول إلى جدار يحمي نفسه.
يمكن للإنسان أن تكون له مبادئ وقيم راسخة، وأن يظل في الوقت نفسه قادراً على مراجعة فهمه لها. فالتغير لا يعني التخلي عن جوهر القناعات، وإنما تطوير طريقة فهمها والتعامل معها مع تغير الحياة وتجدد أسئلتها.
وربما هنا يكمن الفرق بين الإنسان الذي يتعلم والإنسان الذي يعلن أنه وصل. الأول يعرف أن الحياة أكبر من معرفته، وأن السؤال قد يكشف له ما لم يكن يراه. أما الثاني فقد يجد في معرفته سبباً للتوقف، وفي قناعته مبرراً لعدم الإصغاء.
وعندما يتوقف الإنسان عن السؤال، قد يعود الحارس من جديد، ولكن بصورة مختلفة، جماعة ينتمي إليها، أو فكرة يخشى مراجعتها، أو قناعة يخشى أن يهتز جزء منها إذا اقترب منها بسؤال جديد.
وهكذا يمكن أن تفتح التكنولوجيا أبواب العالم أمامنا، ثم نبني نحن داخله أبواباً أخرى. نقرأ من يشبهنا، ونسمع من يؤكد ما نعتقده، ونتجنب ما يزعج يقيننا. نعيش في فضاء مفتوح، لكننا نختار لأنفسنا فضاء مغلقاً داخله.
وهنا يظهر سؤال آخر، هل نستطيع أن نعيش معاً ونحن مختلفون؟
ليس المطلوب أن نصل جميعاً إلى الرأي نفسه. العيش معاً يعني أن نستطيع أن نختلف وأن نبقى، رغم اختلافنا، في فضاء واحد، وألا يتحول الاختلاف إلى رغبة في إلغاء بعضنا بعضاً.
وبذلك تصبح القيم جزء من معنى الحرية، قيم تجعل الاختلاف ممكن، والنقد مقبول، وتجعل الإنسان قادراً على أن يقول (لا أوافق) من دون أن يعني ذلك (أريد أن أمنعك).
لكن يبقى سؤال آخر، من يتحكم بالجودة؟
إذا كان الجميع قادرين على النشر، فمن يميز بين الجيد والرديء، وبين المعرفة والضجيج، وبين الرأي والتحليل، وبين المعلومة الدقيقة والمضللة؟
لا أعتقد أن الجواب هو العودة إلى حارس واحد يقرر نيابة عن الجميع. ربما يكون البديل في بناء الوعي نفسه.
فالجودة لا يفرضها حارس واحد بقدر ما يصنعها وعي يتشكل بالتراكم؛ بالقراءة والتجربة والمقارنة والنقد ومراجعة ما كنا نظنه صحيحاً.
القارئ لا يولد بمعيار جاهز للجودة. إنه يبني المعيار مع الوقت. يكتشف أن العنوان الجذاب لا يعني بالضرورة مادة جيدة، وأن كثرة المعلومات لا تعني كثرة المعرفة، وأن شهرة الكاتب لا تضمن جودة ما يكتب.
وهكذا يصبح التمييز نفسه جزء من التعلم.
فالكاتب مسؤول عما يكتب، والمحرر عما يمرره، والمؤسسة عن معاييرها، والقارئ عن اختياراته وثقته. والجودة في النهاية ليست أمر يفرض من أعلى فقط، بل نتيجة وعي يتراكم داخل المجتمع.
ولهذا فإن التعلم ليس مرحلة نصل إليها ثم ننتهي منها.
التعلم ثم التعلم.
ما دمنا نعيش، فإن الحياة تطرح جديداً، والجديد يطرح سؤالاً، والسؤال يفتح احتمالاً جديداً للفهم. وقد تكون التكنولوجيا قد سبقت قدرتنا على التعامل معها، لكن الحل ليس إغلاق الأبواب من جديد. علينا أن نتعلم كيف نعيش في العالم الذي أصبح أمامنا.
وربما يحتاج ذلك قبل كل شيء إلى قدر من التواضع: أن نعرف أننا نعرف، وأن نعرف أيضاً أن ما لا نعرفه أكبر مما نعرفه.
فالإنسان الذي يقول (وصلت) ويعتقد أن ما لديه من معرفة يكفيه يغلق الباب على نفسه. أما الإنسان الذي يقول (ما زلت أتعلم)، فإنه يبقي الباب مفتوحاً أمام الجديد.
وهذا لا يعني أن يعيش بلا قناعة، ولا أن يغير مبادئه مع كل فكرة جديدة، بل أن يظل قادراً على السؤال والمراجعة، وألا يصبح سجيناً لما يعرفه.
فالإنسان الذي يستطيع أن يعيش مع عالم متغير ليس الذي يتخلى عن قناعاته، ولا الذي يتشبث بها مهما تغيرت الحياة، بل الذي يطور فهمه لها ويظل قادراً على التعلم والتكيف من دون أن يفقد جوهره.
لقد فُتحت البوابات.
والتحدي الآن ليس بإيجاد حارس جديد، بل أن نتعلم كيف نعيش من دون حارس.
التعلم ثم التعلم، وبشيء من التواضع، ما دامت الحياة نفسها تتغير.
أن نحرس وعينا، لا وعي الآخرين.



#يونس_متي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من حارس البوابة إلى حارس الوعي
- حين يصبح النشر أسهل من المسؤولية
- لا يبدأ فهم العراق من واشنطن أو بكين !!
- الدولة أم السوق ... أم أن المشكلة في مكان آخر؟
- التهميش واغتراب الوجود في عالم (بشر نسيهم الله) للروائي ألبي ...
- هل يستطيع النظام السياسي العراقي إصلاح نفسه؟
- الصراع على الوعي أم الصراع على شروط إنتاجه؟ قراءة في دور الم ...
- التفاوت الاجتماعي وحدود تشكّل الوعي الطبقي في العراق
- أزمة الحركات اليسارية: من مشروع التغيير إلى إشكالية الإصلاح ...
- إشكالية النقابات المستقلة في العراق وآفاق العمل الجماهيري
- العراق بين الرفض الشعبي وغياب البديل السياسي
- العراق بين الدولة واللادولة
- حصر السلاح بيد الدولة… لكن أي دولة ؟
- أزمة المعايير في اليسار المعاصر
- إقصاء الآخر وإشكالية المواطنة
- عندما تُعامل الدولة ، كغنيمة لا كوطن
- -التحالفات- في تجربة الحزب الشيوعي العراقي
- حين تعجز السلطة عن تحويل العداء للإمبريالية إلى دفاع عن الوط ...
- رواية (ألوان العار) ومرارة التحوّلات الاجتماعية
- شرعية المشاركة والبيئة الانتخابية المختلّة في العراق


المزيد.....




- خلف نوافذ القاهرة وشوارعها.. مصوّر مصري يوثّق مدينة تتغيّر م ...
- حجز بأكثر من 4 آلاف دولار.. مُراجع فنادق يُمنع من دخول منتجع ...
- هيئة ملاحية: اختطاف ناقلة في خليج عدن.. 6 مسلحين يقتادونها ب ...
- صفارات إنذار وملاجئ ومناورات مخففة: كوريا الجنوبية تتدرب على ...
- متظاهرون تبتيون في نيودلهي يحتجون على الصين بحلق رؤوسهم وصلو ...
- متهم بجرائم ضد الإنسانية.. لبنان يسلّم سوريا ضابطاً سابقاً خ ...
- بعد وصف ترامب مضيق هرمز بـ-أرض أمريكية جديدة-.. إيران تردّ ب ...
- الحلقة الـ56
- -الاحتراق في الجحيم براحة أكبر-.. نائب أوكراني يهاجم أداء ال ...
- بيسكوف: نظام كييف غير متجانس والكثيرون يحاولون الاصطياد في ا ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - يونس متي - بعد أن فُتحت البوابات، الإنسان في مواجهة العالم المتغير