أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الصحافة والاعلام - يونس متي - حين يصبح النشر أسهل من المسؤولية














المزيد.....

حين يصبح النشر أسهل من المسؤولية


يونس متي

الحوار المتمدن-العدد: 8787 - 2026 / 8 / 4 - 22:47
المحور: الصحافة والاعلام
    


لم يشهد تاريخ الكتابة فرصة أكبر من تلك التي يمنحها العصر الرقمي للوصول إلى القارئ. فقد أصبح النشر متاحا أمام شرائح واسعة من الناس، وأصبح بإمكان أي فكرة أو رأي أو معلومة أن تجد طريقها إلى الجمهور خلال لحظات. وهذه بلا شك إحدى إيجابيات التحول التكنولوجي، إذ فتحت المجال أمام أصوات كثيرة لم تكن تجد طريقها بسهولة إلى وسائل الإعلام التقليدية.
لكن سهولة النشر كشفت في الوقت نفسه عن إشكالية أكثر عمقاً، فوفرة النصوص لم يصاحبها ارتفاع مماثل في جودتها المعرفية والمهنية.
من مظاهر هذا التحول اختلاط الحدود بين الأجناس الصحفية. فالخبر، والتصريح، والترجمة، والرأي، والتحليل، والمقال، أصبحت أحياناً تقدم للقارئ تحت العنوان نفسه، رغم اختلاف طبيعة ووظيفة كل منها. وهنا ليس المقصود الاعتراض على نشر الأخبار أو التصريحات، فهي جزء أساسي من العمل الإعلامي، وإنما المشكلة في تقديم مادة لا تتجاوز نقل موقف أو معلومة على أنها مقال يحمل رؤية أو تحليل.
فالمقال ليس مجرد نص منشور، وليس كل ما يجد طريقه إلى موقع الكتروني أو صحيفة يملك بالضرورة قيمة معرفية. المقال الحقيقي هو الذي يضيف شيئاً إلى القارئ، فكرة جديدة، أو قراءة أعمق، أو تفسير يساعد على فهم قضية تتجاوز الخبر العابر.
لقد كانت الصحافة التقليدية تقوم على منظومة من الحلقات المهنية التي تمنح النشر قيمته. كان الكاتب يكتب، ثم يأتي المحرر ليراجع ويناقش ويقترح التعديل، وربما يرفض النشر إذا لم يجد في المادة ما يستحق الوصول إلى القارئ.
ولم يكن المحرر مجرد مصحح لغوي أو وسيط تقني بين الكاتب والقارئ، بل كان يمثل نوعاً من الضمير المهني للمؤسسة الصحفية. كان يسأل: هل المعلومة صحيحة؟ هل الفكرة واضحة؟ هل الحجة متماسكة؟ هل العنوان يعكس المضمون؟ وهل يحترم النص عقل القارئ ووقته؟ بمعنى اخر كان التحرير، عملية فكرية لا مجرد إجراء شكلي.
المحرر لا يحارب الكاتب، ولا يضع قيود على حرية التعبير، بل يساعد ليكون النص أكثر وضوحاً وقوة ودقة. ليصبح بالتالي شريك في صناعة المادة الصحفية، وليس مجرد بوابة عبور لها.
ومن هنا يمكن فهم أهمية التفاصيل الصغيرة. فقد يبدو الخطأ الإملائي أو اللغوي أمراً ثانوياً، لكنه يكشف أحياناً عن غياب القراءة التحريرية. فالكاتب قد يخطئ، وهذا أمر طبيعي، لكن النص الذي يصل إلى القارئ بعد مروره عبر مؤسسة صحفية يفترض أن يكون قد خضع للمراجعة. فالمسؤولية هنا لا تقع على الكاتب وحده، لأن المؤسسة هي التي قررت أن تضع هذا النص أمام القارئ.
ولهذا فإن المؤسسة الصحفية لا تُقاس فقط بما تنشره، بل بما تختار ألا تنشره أيضاً. فوجود المعايير يظهر في القرارات التي تُتخذ قبل النشر، عندما يتم رفض نص لا يضيف، أو عند تصحيح معلومة غير دقيقة، أو إعادة مادة إلى صاحبها لاستكمالها.
وبنفس الوقت فأن تراجع دور المحرر والمؤسسة لا يعفي الكاتب من مسؤوليته. فالكاتب ليس مجرد منتج للنصوص، بل شريك في تشكيل وعي المجتمع. وكل كلمة ينشرها تدخل في الفضاء العام، وقد تسهم في بناء المعرفة أو في زيادة الضجيج.
المشكلة تبدأ عندما يتحول النشر من وسيلة لإيصال فكرة إلى غاية بحد ذاته، وعندما يصبح ظهور اسم الكاتب أهم من قيمة النص. فالكاتب الذي يحترم القارئ لا يسأل : هل أستطيع أن أنشر؟ بل يسأل قبل ذلك: هل لدي ما يستحق أن يُنشر؟
إن الكتابة ليست سباقاً في عدد المقالات أو سرعة الحضور، بل هي مسؤولية تجاه عقل القارئ. فالقارئ يمنح النص جزءاً من وقته، وهذا الوقت ليس أمراً بسيطًاً يجوز إهداره بمادة لم تضف شيئاً.
وتكمن إحدى مشكلات عصرنا في أن المعرفة نفسها بدأت تتأثر بمنطق الاستهلاك. ففي مراحل سابقة كانت قطاعات واسعة من إنتاج المعرفة تُبنى على فكرة التراكم والامتداد، حيث كان الكتاب والباحثون ينظرون إلى ما يقدمونه باعتباره جزء من بناء معرفي يتجاوز اللحظة الراهنة.
لقد انتقلنا تدريجياً من بناء المعرفة على مهل إلى إنتاج محتوى سريع ومتواصل. ففي الماضي كان الكاتب يسأل: ماذا سأترك بعدي؟ أما اليوم فقد أصبح السؤال أحياناً: ماذا سأقدم اليوم؟ وهذا التحول لا يخص طريقة إنتاج النصوص فقط، بل يمتد إلى طريقة انتقال الخبرة والمعرفة بين البشر. وهي ليست مشكلة الصحافة وحدها، بل ظاهرة ثقافية أوسع ، تمتد إلى التعليم ، وإلى نقل الخبرة بين الأجيال ، وإلى علاقتنا بالتاريخ والذاكرة. فالمجتمعات لا تحافظ على هويتها وذاكرتها بمجرد امتلاك المعلومات، بل بقدرتها على تحويل هذه المعلومات إلى معرفة، والمعرفة إلى خبرة تنتقل من جيل إلى آخر.
لقد جعلت التكنولوجيا والعولمة العالم أكثر اتصالاً، لكنها في الوقت نفسه سرعت إيقاع التغيير إلى درجة جعلت الفجوة بين الأجيال أكثر وضوحا. فكل جيل يعيش داخل بيئة معرفية مختلفة، ويستخدم أدوات مختلفة، ويستقي معلوماته من مصادر مختلفة.
لكن القضية ليست في التكنولوجيا ذاتها، ولا في الانفتاح على العالم. فالتكنولوجيا يمكن أن تكون أداة هائلة لنشر المعرفة، والعولمة يمكن أن تفتح آفاق واسعة للتبادل الثقافي. التحدي الحقيقي هو قدرة المجتمعات على إنتاج معرفتها الخاصة، والحفاظ على قدرتها على التفكير والاختيار، لا الاكتفاء باستهلاك ما ينتجه الآخرون.
وفي قلب هذا التحول كله تبقى المسؤولية موزعة بين الكاتب والمحرر والمؤسسة والقارئ.
فالكاتب مسؤول عما يكتب، والمحرر مسؤول عما يمرره، والمؤسسة مسؤولة عن المعايير التي تمثلها، والقارئ مسؤول عن اختياراته وثقته.
إن حرية النشر مكسب مهم، لكنها لا تكتمل إلا بالمسؤولية. فليس الخطر في أن يصبح الجميع قادرين على الكتابة، بل في أن يفقد الكاتب الشعور بأن الكلمة المنشورة تترك أثراً.
فالكلمات لا تملأ الصفحات فقط، بل تسهم في تشكيل الوعي، وبناء الذاكرة، وتحديد نوع المعرفة التي نتركها للأجيال القادمة.
ولهذا يبقى السؤال الأهم أمام كل من يكتب أو ينشر:هل ما أريد نشره يستحق وقت القارئ؟



#يونس_متي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لا يبدأ فهم العراق من واشنطن أو بكين !!
- الدولة أم السوق ... أم أن المشكلة في مكان آخر؟
- التهميش واغتراب الوجود في عالم (بشر نسيهم الله) للروائي ألبي ...
- هل يستطيع النظام السياسي العراقي إصلاح نفسه؟
- الصراع على الوعي أم الصراع على شروط إنتاجه؟ قراءة في دور الم ...
- التفاوت الاجتماعي وحدود تشكّل الوعي الطبقي في العراق
- أزمة الحركات اليسارية: من مشروع التغيير إلى إشكالية الإصلاح ...
- إشكالية النقابات المستقلة في العراق وآفاق العمل الجماهيري
- العراق بين الرفض الشعبي وغياب البديل السياسي
- العراق بين الدولة واللادولة
- حصر السلاح بيد الدولة… لكن أي دولة ؟
- أزمة المعايير في اليسار المعاصر
- إقصاء الآخر وإشكالية المواطنة
- عندما تُعامل الدولة ، كغنيمة لا كوطن
- -التحالفات- في تجربة الحزب الشيوعي العراقي
- حين تعجز السلطة عن تحويل العداء للإمبريالية إلى دفاع عن الوط ...
- رواية (ألوان العار) ومرارة التحوّلات الاجتماعية
- شرعية المشاركة والبيئة الانتخابية المختلّة في العراق
- نظام الكوتا بين فرص الإصلاح وحدود التطبيق في التجربة العراقي ...
- مقاومة أم نفوذ ؟ ميليشيات محور إيران وأثرها على السيادة الوط ...


المزيد.....




- جنود إسبان يرافقون طفلًا مغربيًا باكيًا إلى الحدود في سبتة
- شاهد خيولًا تفر من ألسنة اللهب مع انتشار حرائق غابات قرب أثي ...
- تحليل: ترامب يعاني -صداعًا سياسيًا- بسبب أرباح شركات النفط و ...
- القضاء المصري يحيل أوراق سارة خليفة للمفتي
- ثغرة خطيرة تقلق الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان
- من المسؤول عن أزمة سبتة؟ خبراء يحذرون من التفسيرات -المبسطة- ...
- ألمانيا ـ كشف النقاب عن خطة سرية لسيناريوهات انقطاع الكهرباء ...
- بعد تهديدات إيران.. إسرائيل تستنفر بحرا
- رد مصري حاسم على إثيوبيا بشأن خطط بناء سدود جديدة
- الجيش اللبناني يوقف 18 سوريا بعد دخولهم البلاد بطريقة غير شر ...


المزيد.....

- مكونات الاتصال والتحول الرقمي / الدكتور سلطان عدوان
- السوق المريضة: الصحافة في العصر الرقمي / كرم نعمة
- سلاح غير مرخص: دونالد ترامب قوة إعلامية بلا مسؤولية / كرم نعمة
- مجلة سماء الأمير / أسماء محمد مصطفى
- إنتخابات الكنيست 25 / محمد السهلي
- المسؤولية الاجتماعية لوسائل الإعلام التقليدية في المجتمع. / غادة محمود عبد الحميد
- داخل الكليبتوقراطية العراقية / يونس الخشاب
- تقنيات وطرق حديثة في سرد القصص الصحفية / حسني رفعت حسني
- فنّ السخريّة السياسيّة في الوطن العربي: الوظيفة التصحيحيّة ل ... / عصام بن الشيخ
- ‏ / زياد بوزيان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الصحافة والاعلام - يونس متي - حين يصبح النشر أسهل من المسؤولية