أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - يونس متي - التفاوت الاجتماعي وحدود تشكّل الوعي الطبقي في العراق















المزيد.....

التفاوت الاجتماعي وحدود تشكّل الوعي الطبقي في العراق


يونس متي

الحوار المتمدن-العدد: 8729 - 2026 / 6 / 7 - 20:14
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


إن تحليل العلاقة بين السياسات الاقتصادية والاجتماعية وإمكانات تصاعد الاحتجاج الاجتماعي في العراق يثير إشكالية مركزية تتعلق بمدى قابلية التفاوتات الاجتماعية المتزايدة للتحول إلى فعل سياسي منظم ذي طابع طبقي. إذ تشير الاتجاهات العامة في السياسات الاقتصادية إلى أن اتساع الفجوة بين الفئات الاجتماعية المختلفة قد يكون أحد النتائج المحتملة لهذه السياسات، غير أن افتراض أن هذا الاتساع يقود بصورة تلقائية إلى تصعيد في النضال الطبقي أو إلى تشكّل حركة اجتماعية منظمة لا يستند إلى معطيات تاريخية أو اجتماعية كافية.
فالفقر أو البؤس الاجتماعي لا يُنتج الثورة أو الفعل السياسي المنظم بذاته، بل يتحول إلى قوة تغيير فقط عندما يقترن بعناصر وسيطة تتعلق بالوعي والتنظيم والصراع الاجتماعي. وتُظهر التجارب التاريخية لمجتمعات متعددة، ولا سيما في البيئات غير المستقرة أو المجزأة، أن الشروط الاقتصادية وحدها غير كافية لتوليد وعي طبقي متماسك، إذ يتطلب الأمر وجود أشكال من التنظيم الاجتماعي والسياسي القادرة على تحويل التذمر الفردي أو المتفرق إلى فعل جماعي مستدام. ووفق هذا المنظور، فإن الظروف المادية للحياة تحدد إطار الوعي الاجتماعي، لكنها لا تتحول تلقائياً إلى قوة سياسية ما لم تُصاغ ضمن علاقات تنظيمية وصراعية واضحة.
ويتسق هذا التحليل مع تحليل ماركس للعلاقة بين البنية المادية والوعي الاجتماعي، إذ يشير إلى أن الظروف المادية للحياة تحدد شكل الوعي الاجتماعي، غير أن هذا الوعي لا يكتسب طابعاً سياسياً فاعلاً إلا من خلال الصراع والتنظيم داخل المجتمع. كما يميز ماركس بين “الطبقة في ذاتها” بوصفها واقعاً اجتماعياً اقتصادياً، و“الطبقة لذاتها” بوصفها تحول هذه الفئة إلى قوة تاريخية واعية ومنظمة.
في الحالة العراقية، تتعقد هذه المسألة بفعل طبيعة البنية الاجتماعية والسياسية، حيث تتداخل الانقسامات الطائفية والإثنية والمناطقية مع ضعف البنية النقابية والتنظيمية المستقلة، الأمر الذي يؤدي إلى تشكل أنماط احتجاج لا تأخذ غالباً شكلاً طبقياً واضحاً، بل تظهر في صورة مطالب خدمية أو احتجاجات شبابية غير مؤطرة أو تحركات محلية مرتبطة بظروف محددة. ويؤدي هذا الواقع إلى إعادة إنتاج أشكال من التمثيل الاجتماعي والسياسي تقوم على الهويات الفرعية والشبكات المحلية أكثر مما تقوم على انقسام طبقي واضح.
ويزداد هذا التعقيد بفعل الطبيعة الريعية للاقتصاد العراقي، إذ لا تتشكل المصالح الاجتماعية في العراق ضمن سياق إنتاجي صناعي واضح كما هو الحال في المجتمعات الرأسمالية الكلاسيكية، بل في إطار اقتصاد يعتمد بصورة رئيسية على عوائد النفط التي تحتكر الدولة عملية توزيعها. وفي ظل هذا النمط الاقتصادي تصبح الدولة المصدر الأساسي للوظائف والدخول والامتيازات، الأمر الذي يضعف استقلال المجتمع عن السلطة السياسية ويعيد توجيه الصراعات الاجتماعية من صراعات مرتبطة بعلاقات الإنتاج إلى صراعات تتعلق بالحصول على نصيب من الموارد التي تسيطر عليها الدولة. ومن ثم تتراجع فرص تشكل مصالح طبقية مستقلة ومتمايزة، لتحل محلها أنماط من الولاءات الزبائنية والعلاقات القائمة على الوساطة السياسية أو الطائفية أو العشائرية.
ولا يقتصر أثر الدولة الريعية على الجانب الاقتصادي فحسب، بل يمتد إلى المجال الثقافي والسياسي من خلال إعادة إنتاج أنماط من الوعي الاجتماعي لا ترى في التفاوتات القائمة تعبيراً عن بنية اقتصادية واجتماعية محددة، بل تفسرها في الغالب بوصفها نتاجاً لسوء إدارة أو فساد أفراد أو تهميش جماعات بعينها. وهنا تلعب المؤسسات السياسية والدينية والإعلامية دوراً مهماً في تكريس أشكال من الوعي المجزأ، إذ يجري تقديم الانتماءات الطائفية أو القومية أو العشائرية باعتبارها المرجعية الأساسية لفهم المصالح والصراعات الاجتماعية. وبهذا المعنى لا تقتصر الهيمنة على السيطرة السياسية المباشرة، بل تشمل أيضاً التأثير في طريقة فهم الناس للواقع، بحيث تُوجَّه تفسيراتهم نحو أسباب جزئية، مما يعيق إدراك الأسباب البنيوية للمشكلات الاقتصادية والاجتماعية.
ويضاف إلى ذلك أن البنية الطبقية العراقية نفسها تعاني من درجة عالية من التشوه وعدم الاستقرار نتيجة تراكم عقود طويلة من الحروب والعقوبات الاقتصادية والاقتصاد الريعي والتحولات السياسية العنيفة. فقد أدى ضعف القطاعات الإنتاجية وتضخم القطاع العام واتساع الاقتصاد غير الرسمي إلى إضعاف الحدود التقليدية الفاصلة بين الطبقات الاجتماعية. كما أن حجم الطبقة العاملة الصناعية المنظمة بقي محدوداً، في حين تراجعت أهمية البرجوازية المنتجة لصالح فئات ترتبط بصورة مباشرة أو غير مباشرة بالنشاط الريعي أو التجاري أو بالمؤسسات الحكومية. وإلى جانب ذلك، اتسعت شرائح اجتماعية واسعة تعيش أوضاعاً اقتصادية هشة ومتقلبة، تتأرجح بين البطالة والعمل المؤقت والعمل غير الرسمي، الأمر الذي يجعل بناء هوية طبقية مستقرة أكثر صعوبة وتعقيداً.
وقد أظهرت احتجاجات تشرين عام 2019 جانباً مهماً من هذه الإشكالية. فمن جهة، كشفت تلك الاحتجاجات عن وجود حالة استياء اجتماعي واسعة تجاوزت في كثير من مظاهرها الانقسامات الطائفية التقليدية، ورفعت شعارات ركزت على المواطنة والعدالة الاجتماعية ومحاربة الفساد وتحسين الظروف المعيشية. ومن جهة أخرى، أظهرت حدود الانتقال من الاحتجاج إلى الفعل السياسي المنظم، إذ إن غياب الأطر التنظيمية المستقرة وضعف المؤسسات القادرة على توحيد المطالب وتمثيلها بصورة مستدامة حال دون تحول هذا الحراك إلى قوة اجتماعية وسياسية قادرة على إحداث تغيير بنيوي طويل الأمد. وبذلك قدمت تجربة تشرين مثالاً عملياً على الفارق بين اتساع السخط الاجتماعي وبين تشكل قوة تاريخية منظمة قادرة على تحويل هذا السخط إلى مشروع سياسي واجتماعي مستدام. كما كشفت أن وجود الاستياء الاجتماعي الواسع لا يكفي بذاته للانتقال من «الطبقة في ذاتها» إلى «الطبقة لذاتها»، أي من حالة التضرر المشترك إلى حالة الفعل الجماعي الواعي والمنظم. فالتفاوتات الاجتماعية قد تنتج احتجاجاً واسعاً، لكنها لا تنتج بصورة تلقائية تنظيماً قادراً على تحويل هذا الاحتجاج إلى مشروع سياسي واجتماعي مستدام.
وبناءً عليه، فإن الحديث عن تحول التفاوت الاجتماعي إلى وعي طبقي يقتضي التمييز بين الشرط الاقتصادي وشروط التفعيل السياسي والاجتماعي. فالتفاوت في الدخل أو في فرص الوصول إلى الموارد قد يشكل أرضية للاحتجاج، لكنه لا يرقى إلى مستوى الفعل الطبقي ما لم يُحوَّل عبر مسارات تنظيمية وسيطة، تشمل تطوير أشكال من التنظيم النقابي أو شبه النقابي، وبناء شبكات تنسيقية بين القطاعات المختلفة، وربط المطالب المعيشية الجزئية بإطار اجتماعي أوسع يتجاوز حدود الفئات أو المناطق أو الهويات الضيقة.
ولا يقتصر تأثير هذه العوامل على إضعاف التنظيم الاجتماعي فحسب، بل ينعكس أيضاً على الكيفية التي يدرك بها الأفراد مصالحهم ومواقعهم داخل البنية الاجتماعية. ففي ظل التشظي الهوياتي والاعتماد الواسع على الدولة الريعية، تتراجع فرص تشكل إدراك جماعي للمصالح المشتركة بين الفئات المتضررة من التفاوتات الاقتصادية، ويجري التعبير عن المطالب الاجتماعية غالباً من خلال أطر محلية أو فئوية أو هوياتية. ونتيجة لذلك يبقى الانتقال من الخبرة المعيشية الفردية إلى الوعي الاجتماعي الأوسع عملية معقدة تتطلب وجود مؤسسات وتنظيمات قادرة على إعادة ربط المشكلات اليومية بسياقاتها الاقتصادية والاجتماعية العامة.
وعليه، فإن إمكانات تطور الحراك الاجتماعي في العراق نحو مستويات أكثر تنظيماً واستدامة ترتبط بمدى القدرة على تجاوز الانقسامات الاجتماعية القائمة، وبناء أشكال تنظيمية قادرة على استيعاب التناقضات المختلفة داخل المجتمع، وتحويل المطالب المعيشية المتفرقة إلى مطالب اجتماعية جامعة ذات طابع أكثر شمولاً. وفي غياب هذه الشروط، يظل الحراك الاجتماعي مرشحاً لأن يتخذ طابعاً احتجاجياً متقطعاً ومحدود الأثر، دون أن يتحول بالضرورة إلى قوة تغيير منظمة.
في ضوء ذلك، يتضح أن الإشكال الأساسي في تحليل التحولات الاجتماعية في العراق لا يكمن في وجود التفاوتات الاقتصادية بحد ذاتها، بل في طبيعة الشروط التاريخية والمؤسسية التي تسمح بتحويل هذه التفاوتات إلى فعل سياسي منظم. فالبنية الاجتماعية والسياسية القائمة، بما تتسم به من تجزؤات هوياتية وضعف في مؤسسات التنظيم الوسيطة، لا تنتج تلقائياً أشكالاً مستقرة من الفعل الجماعي ذي الطابع الطبقي، بل تعيد إنتاج أنماط احتجاج متفرقة ومحدودة القدرة على الاستمرار والتأثير.
وعليه، فإن أي تحليل واقعي لإمكانات التغيير ينبغي أن يتجاوز التفسير الاقتصادي المباشر نحو فهم أعمق لدور الوسائط الاجتماعية والتنظيمية والثقافية التي تتحكم في انتقال المجتمع من مستوى التذمر إلى مستوى الفعل السياسي المنظم. ولا يُختزل التغيير في شدة الأزمات، بل في الكيفية التي تسهم بها هذه الأزمات في توليد أشكال جديدة من التنظيم والمعنى السياسي. وبهذا المعنى، لا يكمن الفاصل الحاسم في الحالة العراقية بين الفقر والرفاه، بل بين التذمر الاجتماعي بوصفه حالة احتجاجية عابرة، وبين القدرة على تحويله إلى فعل تاريخي منظم يمتلك الاستمرارية والتأثير في البنية الاجتماعية والسياسية.



#يونس_متي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أزمة الحركات اليسارية: من مشروع التغيير إلى إشكالية الإصلاح ...
- إشكالية النقابات المستقلة في العراق وآفاق العمل الجماهيري
- العراق بين الرفض الشعبي وغياب البديل السياسي
- العراق بين الدولة واللادولة
- حصر السلاح بيد الدولة… لكن أي دولة ؟
- أزمة المعايير في اليسار المعاصر
- إقصاء الآخر وإشكالية المواطنة
- عندما تُعامل الدولة ، كغنيمة لا كوطن
- -التحالفات- في تجربة الحزب الشيوعي العراقي
- حين تعجز السلطة عن تحويل العداء للإمبريالية إلى دفاع عن الوط ...
- رواية (ألوان العار) ومرارة التحوّلات الاجتماعية
- شرعية المشاركة والبيئة الانتخابية المختلّة في العراق
- نظام الكوتا بين فرص الإصلاح وحدود التطبيق في التجربة العراقي ...
- مقاومة أم نفوذ ؟ ميليشيات محور إيران وأثرها على السيادة الوط ...


المزيد.....




- فيديو لمستوطنين وجندي إسرائيلي يضربون فلسطينيين حتى فقد أحده ...
- ترامب: لم أعد بضمان عدم اندلاع حروب
- ترامب: المفاوضات مع إيران تركزت على سد -ثغرة- بشأن برنامجها ...
- -لغة القوة-.. قاليباف يعلق بعد قصف إسرائيل الضاحية الجنوبية ...
- إسرائيل تواجه ارتفاعاً غير مسبوق في عدد الإصابات النفسية بين ...
- لماذا تتزايد الانتقادات الأمريكية للسياسات الأوروبية؟
- ديفيد لامي يرد على فانس ويصف تصريحاته بشأن الهجرة بأنها -خطأ ...
- 10 قتلى فلسطينيين في غارات إسرائيلية على غزة بينهم مدنيون وض ...
- قبيل اجتماع لندن.. ضربات روسية قرب تشيرنوبل وموسكو تسقط مئات ...
- خبير عسكري: النبطية فخ إستراتيجي لإسرائيل ومعركة استنزاف مكل ...


المزيد.....

- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - يونس متي - التفاوت الاجتماعي وحدود تشكّل الوعي الطبقي في العراق