أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - يونس متي - العراق بين الرفض الشعبي وغياب البديل السياسي














المزيد.....

العراق بين الرفض الشعبي وغياب البديل السياسي


يونس متي

الحوار المتمدن-العدد: 8705 - 2026 / 5 / 14 - 20:26
المحور: اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق
    




لا يعاني العراق من نقص في الغضب ، بل من غياب من يحول هذا الغضب إلى فعل سياسي. فالمشهد العام يعج بحالة رفض شعبي متجددة للنظام السياسي ، تتكثف مع كل أزمة خدمات أو انهيار اقتصادي أو تراجع إضافي في الثقة بالدولة. غير أن هذا الغضب ، رغم اتساعه وتكراره ، لم ينجح حتى الآن في إنتاج بديل سياسي منظم قادر على منافسة بنية السلطة أو التأثير الجدي فيها.
هذه ليست خصوصية عراقية خالصة ، لكنها في الحالة العراقية تتخذ طابعا أكثر حدة وانكشافا. فحتى في تجارب شهدت أنظمة سياسية مستقرة وقوية ، لم يكن التغيير نتيجة الغضب وحده ، بل نتاج قدرة قوى سياسية على تحويل هذا الغضب إلى مشروع منظم يمتلك امتدادا اجتماعيا واسعا ، ويتجاوز النخب والمراكز الحضرية نحو المجتمع الأوسع. وتكمن الإشكالية الأساسية هنا في أن الاحتجاج، مهما بلغ من الاتساع ، لا يتحول إلى تغيير سياسي ما لم يُترجم إلى تنظيم واضح ، وخطاب متماسك ، وبنية قادرة على الاستمرار.
في العراق ، تتكرر موجات الاحتجاج منذ سنوات، من ساحات الحراك الشعبي إلى الانتفاضات الشبابية الواسعة ، حيث تتجدد التعبيرات الرافضة للفساد وتدهور الخدمات وانسداد الأفق السياسي. غير أن هذه اللحظات ، رغم كثافتها ، بقيت أقرب إلى انفجارات اجتماعية متقطعة ، لا إلى مسار سياسي متراكم. بمعنى آخر، ينتج العراق احتجاجا دائما ، لكنه لا ينتج السياسة القادرة على تحويل هذا الاحتجاج إلى قوة تاريخية منظمة.
ويقدم حراك الفلاحين الأخير مثالا دالا على هذه الإشكالية. فقد خرج الفلاحون قرب المنطقة الخضراء في بغداد احتجاجا على تدهور أوضاعهم المعيشية وتنصل الحكومة من التزاماتها ، مطالبين بإعادة تسعيرة محصول الحنطة ، ودعم الإنتاج المحلي ، وحماية القطاع الزراعي ، ومعالجة أزمة المياه وارتفاع كلف الإنتاج. وهي مطالب لا تعكس أزمة قطاع محدد بقدر ما تكشف هشاشة البنية الاقتصادية والاجتماعية على نطاق أوسع. لكن هذا الحراك ، رغم اتساعه ، ووجه بالعنف ومحاولات التفريق ، بدلا من التعامل معه كإشارة على خلل بنيوي في السياسات العامة.
ويكشف هذا التعامل طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع في العراق ، إذ لا يُنظر إلى الاحتجاج بوصفه تعبيرا عن أزمة قابلة للحل السياسي ، بل كتهديد أمني ينبغي احتواءه أو تفكيكه. وبذلك يغدو القمع جزءا من آلية إدارة التوتر الاجتماعي ، لا مجرد رد فعل استثنائي.
ورغم أن أهمية حراك الفلاحين لا تكمن في واقعة القمع ذاتها ، فإنه يكشف اتساع قاعدة الغضب الاجتماعي وانتقاله إلى قطاعات متعددة ، من الفلاحين والعمال إلى الشباب والعاطلين عن العمل. إلا أن هذا الغضب يبقى مفتتا ومجزأ ، غير قادر على التحول إلى قوة سياسية موحدة ، بفعل غياب إطار تنظيمي جامع يعيد ربط هذه الاحتجاجات ضمن مشروع وطني متماسك.
ولا تكمن الإشكالية الأساسية في غياب الوعي ، بل في الفجوة بين الوعي والتنظيم. فالمجتمع العراقي يدرك عمق الأزمة السياسية والاقتصادية ، لكن هذا الإدراك لا يجد ترجمته داخل بنى سياسية قادرة على تحويله إلى فعل مستمر. وبهذا المعنى ، يبقى الغضب قائما ، لكن بلا قيادة مستقرة ، ولا برنامج سياسي ، ولا أدوات تنظيمية قادرة على تحويله إلى قوة داخل النظام السياسي.
في المقابل ، لا يمكن تفسير استمرار النظام السياسي فقط عبر قوته ، بل أيضا عبر ضعف بديله وتشتته. فالنظام لا يواجه كتلة سياسية موحدة ، بل فسيفساء اجتماعية مجزأة ، ويجيد توظيف هذا التفكك عبر إدارة الانقسامات الطائفية والقومية والمناطقية وحتى الفئوية ، بما يمنع تشكل جبهة اجتماعية واسعة قادرة على إعادة إنتاج المعادلة السياسية.
وتكشف التجربة العراقية أن الاحتجاج ، بوصفه فعلا اجتماعيا ، لا يكفي لإنتاج التغيير. فالتاريخ لا يتحرك بالغضب وحده ، بل بالغضب حين يجد شكله السياسي. وفي الحالة العراقية ، تتجلى مفارقة واضحة هي وجود طاقة اجتماعية كبيرة بلا وعاء سياسي ، وصوت احتجاجي مرتفع بلا بنية تنظيمية قادرة على تحويله إلى مسار تغيير مستدام.
وتزداد هذه الإشكالية تعقيدا بفعل استمرار الانقسامات الاجتماعية العميقة ، التي تعيد توجيه الاحتجاج نحو مسارات فرعية ومحدودة ، بدلا من أن يتبلور في إطار جامع. فبدلا من أن تتقاطع المطالب الاقتصادية والاجتماعية ، يجري تفكيكها إلى احتجاجات متفرقة يسهل احتواءها أو عزلها. وبهذا تصبح السيطرة على المجال السياسي أسهل من مواجهة مجتمع موحد ومتماسك.
ومن هذا المنظور، لا يمثل حراك الفلاحين حدثا منفصلا ، بل جزءا من نمط متكرر: احتجاجات قوية لكنها معزولة ، لا تتحول إلى قضية وطنية جامعة.
وفي النهاية ، لا تكمن أزمة العراق في غياب الاحتجاج أو الرفض ، بل في غياب الإطار الذي يحول هذا الرفض إلى قوة سياسية منظمة. فالمجتمع يدرك أزمته بوضوح ، ويعبر عنها باستمرار ، لكنه لا يمتلك حتى الآن الأدوات التي تنقل هذا الإدراك إلى بديل سياسي قادر على التشكّل والاستمرار. وبين هذا الوعي الواسع وهذا العجز التنظيمي ، تتحدد معادلة الواقع العراقي اليوم ، ومفادها ان العراق يعرف أزمته جيدا ، لكنه لا يملك طريقا الخروج منها.



#يونس_متي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العراق بين الدولة واللادولة
- حصر السلاح بيد الدولة… لكن أي دولة ؟
- أزمة المعايير في اليسار المعاصر
- إقصاء الآخر وإشكالية المواطنة
- عندما تُعامل الدولة ، كغنيمة لا كوطن
- -التحالفات- في تجربة الحزب الشيوعي العراقي
- حين تعجز السلطة عن تحويل العداء للإمبريالية إلى دفاع عن الوط ...
- رواية (ألوان العار) ومرارة التحوّلات الاجتماعية
- شرعية المشاركة والبيئة الانتخابية المختلّة في العراق
- نظام الكوتا بين فرص الإصلاح وحدود التطبيق في التجربة العراقي ...
- مقاومة أم نفوذ ؟ ميليشيات محور إيران وأثرها على السيادة الوط ...


المزيد.....




- يواجه تهمة التهديد الإرهابي.. رجل يتجاوز الحواجز ويقتحم مركز ...
- السعودية.. المحكمة العليا تحدد موعد تحري هلال شهر ذي الحجة و ...
- فنزويلا ترحل أليكس صعب حليف مادورو المقرب إلى الولايات المتح ...
- صور لاستقبال أكبر حاملة طائرات في العالم بأميركا
- قتلى في هجوم بطائرات مسيّرة أوكرانية على ضواحي موسكو
- نظام صاروخي بريطاني مضاد للمسيرات في الشرق الأوسط.. هذه مواص ...
- -بن غوريون مدفون في وطني وأنا بالمنفى-.. مؤرخ فلسطيني يروي ق ...
- منظمة الصحة تصنف تفشي -إيبولا- بالكونغو وأوغندا حالة طوارئ ص ...
- شاهد: بلغاريا تفوز بمسابقة يوروفيجن ودارا تحتفل بانتصار تاري ...
- وزير العدل الفرنسي يزور الجزائر لفتح -فصل جديد- ومناقشة -قضا ...


المزيد.....

- المناضل الصغير / محمد حسين النجفي
- شموع لا تُطفئها الرياح / محمد حسين النجفي
- رؤية ليسارٍ معاصر: في سُبل استنهاض اليسار العراقي / رشيد غويلب
- كتاب: الناصرية وكوخ القصب / احمد عبد الستار
- الحزب الشيوعي العراقي.. رسائل وملاحظات / صباح كنجي
- التقرير السياسي الصادر عن اجتماع اللجنة المركزية الاعتيادي ل ... / الحزب الشيوعي العراقي
- التقرير السياسي الصادر عن اجتماع اللجنة المركزية للحزب الشيو ... / الحزب الشيوعي العراقي
- المجتمع العراقي والدولة المركزية : الخيار الصعب والضرورة الت ... / ثامر عباس
- لمحات من عراق القرن العشرين - الكتاب 11 - 11 العهد الجمهوري ... / كاظم حبيب
- لمحات من عراق القرن العشرين - الكتاب 10 - 11- العهد الجمهوري ... / كاظم حبيب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - يونس متي - العراق بين الرفض الشعبي وغياب البديل السياسي