أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - يونس متي - العراق بين الدولة واللادولة














المزيد.....

العراق بين الدولة واللادولة


يونس متي

الحوار المتمدن-العدد: 8703 - 2026 / 5 / 12 - 04:48
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


منذ عام 2003 ، لم يستطع العراق بناء دولة تمتلك القرار السيادي الموحد ، بل تشكل نظام سياسي قائم على توازنات معقدة بين قوى داخلية وخارجية ، حتى أصبحت الدولة نفسها تعاني من ازدواجية السلطة والسلاح. فإلى جانب المؤسسات الرسمية ، ظهرت قوى مسلحة تمتلك النفوذ العسكري والسياسي الواسع ، وتحولت بمرور الزمن إلى جزء أساسي من معادلة الحكم ، الأمر الذي جعل مفهوم (حصر السلاح بيد الدولة) يبدو أقرب إلى الشعار منه إلى الواقع.
وخلال فترات التوتر بين الولايات المتحدة وإيران ، برز هذا التناقض بوضوح . فقد انخرطت فصائل عراقية مسلحة في الصراع الإقليمي بشكل مباشر عبر استهداف قواعد ومواقع داخل العراق وخارجه ، وإطلاق صواريخ وطائرات مسيرة باتجاه أهداف مرتبطة بالمصالح الأمريكية أو بدول الخليج . كل ذلك جرى خارج إطار القرار الرسمي العراقي ، وكأن قرار الحرب والسلم لم يعد حكرا بيد الدولة ومؤسساتها الدستورية.
المفارقة الأكثر تعقيدا أن هذه الفصائل ليست مجرد جماعات مسلحة تعمل في الظل ، بل هي تمتلك تمثيل سياسي واسع داخل البرلمان والحكومة ، وتشارك في رسم السياسات العامة ، وفي الوقت نفسه تحتفظ بقوتها العسكرية المستقلة . وهنا تظهر أزمة الدولة العراقية بأوضح صورها ، فالسلاح المنفلت ليس خارج الدولة فقط ، بل أصبح جزءاً من بنيتها السياسية نفسها.
هذا الواقع جعل العراق ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية والدولية. فكلما تصاعد التوتر بين إيران وإسرائيل أو بين طهران وواشنطن ، انعكس ذلك مباشرة على الداخل العراقي ، سواء عبر الضربات الجوية ، أو العمليات الأمنية ، أو نشاط الجماعات المسلحة . وقد كشفت الحوادث الأخيرة في الصحراء العراقية ، وما رافقها من حديث عن وجود قوة أجنبية وتحرك عسكري غير منسق مع بغداد ، حجم الهشاشة الأمنية التي يعانيها البلد ، ومدى ضعف السيطرة الفعلية للدولة على كامل أراضيها.
ورغم تضارب الروايات بشأن طبيعة تلك الحوادث ، فإن مجرد وقوع اشتباكات بين قوة عراقية وجهة أجنبية داخل العمق العراقي يكشف حجم الأزمة السيادية التي يعيشها العراق . فالدولة التي لا تمتلك السيطرة الكاملة على قرارها الأمني ، ولا تستطيع منع القوى الداخلية أو الخارجية من استخدام أراضيها في الصراعات ، تبقى دولة منقوصة السيادة مهما امتلكت من مؤسسات شكلية.
لكن المفارقة الأكثر إثارة أن القوى والفصائل التي ترفع شعارات (السيادة) و(المقاومة) ورفض التدخل الخارجي ، تبدو في الوقت نفسه منخرطة في صراعات حادة على تقاسم الوزارات والمؤسسات والمناصب داخل الدولة. ففي الوقت الذي تعجز فيه الدولة عن احتكار قرار الحرب والسلم ، تنشغل القوى السياسية والفصائلية بمعارك النفوذ حول وزارات الداخلية والدفاع والنفط وغيرها من المؤسسات السيادية.
فوزارة الداخلية لم تعد ينظر إليها كمؤسسة أمنية وطنية فحسب ، بل باعتبارها مركز قوة يتيح النفوذ على الأجهزة الأمنية والإدارية. وكذلك الحال بالنسبة لوزارة الدفاع أو النفط ، حيث تتحول هذه المؤسسات إلى ساحات صراع بين الكتل والفصائل ضمن منطق المحاصصة وتقاسم النفوذ والثروة ، لا ضمن مشروع وطني لبناء دولة قوية ومؤسسات مستقلة.
ولم يتوقف الأمر عند حدود تقاسم الوزارات ، بل امتد إلى اختلاق مناصب وهيئات ودرجات خاصة لا حاجة فعلية لها ، تُستحدث أحياناً كجزء من صفقات الترضية السياسية وتقاسم المكاسب بين القوى المتنفذة . فتحولت أجزاء واسعة من الدولة إلى بنية مترهلة تُدار بعقلية الغنيمة ، حيث تُوزع المواقع والمناصب وفق ميزان الولاءات والمحاصصة ، لا وفق الكفاءة أو الحاجة الإدارية الحقيقية.
وهكذا تتضخم البيروقراطية ، وتتوسع شبكات الفساد والامتيازات، فيما تتراجع قدرة الدولة على أداء وظائفها الأساسية في الأمن والخدمات والتنمية. والمفارقة المؤلمة أن القوى التي تتحدث عن (حماية الوطن) و(الدفاع عن السيادة) تنخرط في الوقت نفسه في ممارسات تستنزف الدولة من الداخل ، وتُضعف مؤسساتها ، وتُكرس اقتصاد الريع والفساد السياسي.
إن هذا التناقض يكشف أن الصراع القائم في العراق لم يعد صراعاً لبناء دولة قوية ، بل أصبح في كثير من جوانبه صراع على إدارة النفوذ داخل دولة ضعيفة ومجزأة الإرادة. ولذلك تبقى مؤسسات الدولة هشة ، ويبقى القرار الوطني موزع بين مراكز قوى متعددة ، فيما يتحمل المجتمع العراقي نتائج الانقسام والتبعية والفساد وانعدام الاستقرار.
وفي ظل هذا الواقع ، تبدو الحاجة ملحة إلى إعادة تعريف مفهوم السيادة والدولة في العراق ، على أساس احتكار المؤسسات الرسمية وحدها للسلاح والقرار الأمني ، وإبعاد البلاد عن سياسة المحاور والصراعات الإقليمية. فبدون دولة تمتلك قرارها المستقل ، سيظل العراق ساحة مفتوحة للتدخلات الخارجية ولصراع الإرادات الداخلية ، وسيبقى الاستقرار السياسي والأمني هشا وعرضة للاهتزاز في أي لحظة.



#يونس_متي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حصر السلاح بيد الدولة… لكن أي دولة ؟
- أزمة المعايير في اليسار المعاصر
- إقصاء الآخر وإشكالية المواطنة
- عندما تُعامل الدولة ، كغنيمة لا كوطن
- -التحالفات- في تجربة الحزب الشيوعي العراقي
- حين تعجز السلطة عن تحويل العداء للإمبريالية إلى دفاع عن الوط ...
- رواية (ألوان العار) ومرارة التحوّلات الاجتماعية
- شرعية المشاركة والبيئة الانتخابية المختلّة في العراق
- نظام الكوتا بين فرص الإصلاح وحدود التطبيق في التجربة العراقي ...
- مقاومة أم نفوذ ؟ ميليشيات محور إيران وأثرها على السيادة الوط ...


المزيد.....




- الإمارات: إدراج أفراد وكيانات -مرتبطة بحزب الله- في قائمة ال ...
- -الأقوى في العالم-.. بوتين يشيد بتجربة إطلاق روسيا لصاروخ با ...
- جدل بشأن -قاعدة إسرائيلية سرية- في العراق.. وبغداد تطلق عملي ...
- السودان والشرق الأوسط ومالي... أبرز الملفات التي تناولها ماك ...
- لا نصر ولا مخرج.. ترمب عالق في الفخ الإيراني
- أكثر من مجرد مسابقة.. ما أسباب اهتمام إسرائيل الشديد بمسابقة ...
- بدون الضغط على رابط أو رسالة.. كيف تراقبنا إسرائيل عبر شركات ...
- أسلحة تُستنزَف وأسئلة عن الشفافية.. كلفة حرب إيران تقفز إلى ...
- كازاخستان تطلق نظام قطار خفيف ذاتي القيادة بعد 10 سنوات من ا ...
- وزير الخارجية السوري ليورونيوز: نعم لاتفاق أمني مع إسرائيل و ...


المزيد.....

- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - يونس متي - العراق بين الدولة واللادولة