أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - يونس متي - إقصاء الآخر وإشكالية المواطنة














المزيد.....

إقصاء الآخر وإشكالية المواطنة


يونس متي

الحوار المتمدن-العدد: 8628 - 2026 / 2 / 24 - 09:11
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    




إقصاء الآخر من الظواهر الشائعة في تاريخ المجتمعات، ولا سيما تلك التي تعاني من ضعف في نظامها السياسي أو من تفكك اجتماعي واضح. والمقصود بإقصاء الآخر هو تهميش أو إبعاد فرد أو جماعة بسبب اختلافهم في الدين أو المذهب أو القومية أو الطبقة الاجتماعية أو الأفكار السياسية، بحيث تبقى السلطة والنفوذ بيد جماعة مهيمنة، قد تكون فئة طبقية أو طائفة دينية أو حزبا سياسيا أو تحالفا نخبويا، تحتكر السلطة والثروة وترى نفسها الأحق بالحكم والتمثيل.
ولا يقتصر الإقصاء على القمع المباشر أو المنع الصريح، بل قد يكون خفيا وغير معلن. فقد يتمثل في حرمان المختلف من الاعتراف به، أو في التشكيك في وطنيته، أو في التقليل من قيمته ورمزيته، فيصبح وجوده ضعيفا أو مشروطا أو شبه غير مرئي. ومع الوقت يتحول الإقصاء إلى أداة للسيطرة، تفرض من خلالها رؤية واحدة للحياة والسياسة، وينظر إلى التنوع على أنه خطر ينبغي احتواؤه أو التخلص منه.
وقد بيّن الفكر الاجتماعي والسياسي الحديث أن السيطرة لا تمارس بالقوة المادية وحدها، بل أيضا عبر وسائل رمزية غير مباشرة. فاللغة والتعليم والثقافة ووسائل الإعلام يمكن أن تتحول إلى أدوات لترسيخ الهيمنة، بحيث يبدو الإقصاء أمرا طبيعيا أو مبررا في نظر كثيرين ، بل حتى في نظر من يتعرضون له. كما أن السلطة لا تكتفي بإدارة الشأن العام ، بل تحدد من خلال خطابها ما هو مقبول وما هو مرفوض، ومن هو المنتمي ومن هو الخارج عن الجماعة. وبذلك يعاد تعريف المختلف بوصفه شاذا عن (الطبيعي) أو تهديدا للانسجام الاجتماعي. وفي المقابل، يؤكد هذا الفكر أن الاعتراف المتبادل بين الأفراد ليس مسألة أخلاقية فحسب، بل شرط أساسي لتحقيق العدالة والاستقرار، إذ إن إنكار الاعتراف يولّد الإهانة والاغتراب ويضعف الروابط التي يقوم عليها تماسك المجتمع.
ويتخذ الإقصاء أشكال متعددة. ففي المجال السياسي، يظهر عندما تحتكر فئة معينة السلطة وتمنع غيرها من المشاركة الحقيقية، أو حين تُفرغ الديمقراطية من مضمونها وتتحول إلى انتخابات شكلية لا تغير من موازين القوة. وقد تستخدم القوانين لتقييد الحريات أو لإضعاف المعارضة. وفي المجال الاجتماعي، يتجلى الإقصاء في تهميش الفقراء والمحرومين وحرمانهم من التعليم الجيد أو الرعاية الصحية أو فرص العمل، مما يكرس الفوارق الطبقية ويجعلها تبدو وكأنها قدر طبيعي. أما في المجال الثقافي، فيظهر في تخوين المختلف أو تكفيره أو تشويه صورته، بحيث يبرر استبعاده أخلاقيا ورمزيا. كما يتخذ الإقصاء بعدا جندريا حين يحد من دور المرأة في الحياة العامة، سواء بالقوانين أو بالأعراف أو بخطابات تحصرها في أدوار ضيقة.
وتترك هذه الأشكال من الإقصاء آثارا عميقة على المجتمع. فعندما يمنع جزء من الناس من المشاركة الكاملة، تتعمق الانقسامات الدينية أو الطائفية أو القومية أو الطبقية أو السياسية. ويتحول التنوع، الذي يمكن أن يكون مصدر قوة وغنى، إلى سبب دائم للتوتر والصراع. كما أن الشعور المستمر بالظلم يدفع بعض الفئات إلى البحث عن وسائل احتجاج ، قد تصل أحيانا إلى العنف. ومن ناحية أخرى، يعرقل الإقصاء أي تحول ديمقراطي حقيقي، لأن الديمقراطية ليست مجرد انتخابات، بل هي ثقافة اعتراف متبادل وحوار وقبول بالاختلاف. وعندما يصور المختلف على أنه عدو أو خطر، يبرر الاستبداد باسم حماية الهوية أو الأمن، فتدخل المجتمعات في دائرة مغلقة من الإقصاء والعنف.
ويعد العراق مثالا واضحا على تحولات هذه الظاهرة في مراحله الحديثة. ففي العهد الملكي، كانت المشاركة السياسية محدودة، وتعرضت قوى سياسية واجتماعية إلى التضييق والملاحقة، مما أعاق نشوء تقاليد ديمقراطية راسخة. وبعد قيام الجمهوريات، استمر الإقصاء لكن بأشكال مختلفة، حيث جرى تهميش قوى أو فئات على أساس الانتماء الأيديولوجي أو القومي أو الديني. وفي زمن حكم البعث، بلغ الإقصاء ذروته، إذ تحول إلى نهج أيديولوجي مركزي يفرض رؤية واحدة شاملة، ويقصي كل من لا ينسجم معها عبر القمع الشديد والتصفيات والسجون، فتحولت الدولة إلى أداة لفرض تصور أحادي للحقيقة والهوية.
غير أن سقوط النظام الشمولي بعد عام 2003 لم ينهي منطق الإقصاء، بل غيّر شكله. فإذا كان الإقصاء في بعض المراحل أيديولوجيا مركزيا، يقوم على احتكار خطاب واحد من الأعلى، فانه في مرحلة ما بعد 2003 أخذ طابعا هوياتيا ، حيث برزت الانقسامات الطائفية والقومية كإطار لتقاسم السلطة والنفوذ. وبدلا من رؤية فكرية واحدة مهيمنة، ظهرت هويات متنافسة تتنازع الدولة من الداخل، وأصبح الانتماء الفرعي معيار غير معلن للتمثيل والتأثير. وهكذا لم تختفي آلية الإقصاء، بل أعادت إنتاج نفسها بصيغة مختلفة، قامت بتجزئة المجتمع بدلا عن توحيده.
إن معالجة ظاهرة إقصاء الآخر لا تتحقق بمجرد الدعوة إلى التسامح، بل تتطلب إعادة بناء العلاقة بين الفرد والدولة على أساس المواطنة المتساوية، بحيث تكون الحقوق والواجبات قائمة على الانتماء الوطني لا على الدين أو الطائفة أو القومية. كما يتطلب الأمر تعزيز ثقافة الاعتراف المتبادل بين مكونات المجتمع، وترسيخ قيم الحوار وقبول التعددية في التعليم والإعلام والحياة العامة. وإلى جانب ذلك، فإن تحقيق قدر من العدالة الاجتماعية يظل شرطا ضروريا، لأن الفقر والتهميش الاقتصادي يغذيان مشاعر الغضب ويجعلان خطاب الإقصاء أكثر قابلية للانتشار.
وبوجه عام، فإن إقصاء الآخر ليس سلوكا فرديا عابرا، بل هو نمط عميق يتكرر كلما ضعفت قيم المواطنة والعدالة والاعتراف المتبادل. ومواجهته تتطلب إرادة سياسية حقيقية وثقافة مجتمعية تؤمن بأن التنوع ليس خطرا ينبغي التخلص منه، بل واقع إنساني يمكن تنظيمه ضمن إطار ديمقراطي عادل، يضمن لكل فرد مكانا معترفا به في المجتمع.



#يونس_متي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عندما تُعامل الدولة ، كغنيمة لا كوطن
- -التحالفات- في تجربة الحزب الشيوعي العراقي
- حين تعجز السلطة عن تحويل العداء للإمبريالية إلى دفاع عن الوط ...
- رواية (ألوان العار) ومرارة التحوّلات الاجتماعية
- شرعية المشاركة والبيئة الانتخابية المختلّة في العراق
- نظام الكوتا بين فرص الإصلاح وحدود التطبيق في التجربة العراقي ...
- مقاومة أم نفوذ ؟ ميليشيات محور إيران وأثرها على السيادة الوط ...


المزيد.....




- مسؤول أمريكي: موظفون في سفارتنا ببغداد تعرضوا لـ -هجمات بمسي ...
- تقرير أمريكي: إيران تحتفظ بآلاف الصواريخ رغم الضربات المكثفة ...
- مجلس السلام برئاسة ترمب ينفي وجود عوائق تمويل أمام خططه
- كيف تفاعل المغردون مع كشف تفاصيل الهجمات على قطر في -ما خفي ...
- فايننشال تايمز: البلد الذي لا يستطيع أن يقول -لا- لترمب
- لبنان يُجري أول اتصال مباشر مع إسرائيل برعاية أمريكية
- شاهد.. حطام مقاتلتين إيرانيتين أسقطهما سلاح الجو القطري
- ألغام -تائهة- تعرقل الحركة في مضيق هرمز.. وإيران -عاجزة-
- الحشد الشعبي يعلن عدد قتلاه في حرب إيران
- فيديو.. هبوط رواد -أرتيميس 2- في مياه المحيط الهادئ


المزيد.....

- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله
- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - يونس متي - إقصاء الآخر وإشكالية المواطنة