يونس متي
الحوار المتمدن-العدد: 8672 - 2026 / 4 / 9 - 13:54
المحور:
اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي
إنّ واحدة من أعمق الأزمات التي واجهت اليسار في العقود الأخيرة لا تكمن فقط في تراجعه التنظيمي أو انحسار قاعدته الاجتماعية ، بل في اضطراب معاييره النظرية والأخلاقية ، خصوصا في ما يتعلق بموقفه من الصراعات الدولية والأنظمة السياسية. فقد أدى اختزال التحليل في ثنائية تبسيطية تقوم على (الإمبريالية) مقابل (مناهضيها) إلى انحرافات خطيرة ، جعلت قطاعات من اليسار تتخلى عن جوهر مشروعها التاريخي القائم على الدفاع عن الإنسان وحقوقه ، لصالح اصطفافات سياسية تفتقر إلى الالتزام الواضح بالمبادئ. وهكذا ، لم يعد معيار التقييم هو موقع القوى من شعوبها ، ولا طبيعة بنيتها الطبقية أو ممارساتها السياسية ، بل موقعها وموقفها من الولايات المتحدة أو الغرب ، الأمر الذي فتح الباب واسعاً أمام تبرير أنظمة استبدادية وقوى رجعية ، بل وحتى قوى إجرامية ، فقط لأنها ترفع شعار العداء لأمريكا.
هذا التحول لم يكن مجرد خطأ تكتيكي عابر، بل أصبح في كثير من الأحيان نمطاً فكرياً راسخاً ، يقوم على منطق (عدو عدوي صديقي) ، وهو منطق يتناقض جذرياً مع أي فهم نقدي أو جدلي للواقع. فاليسار، بوصفه مشروعاً تحررياً ، لا يمكن أن يقيس مواقفه من خلال الصراعات الدولية او على اساس ما يسمى بـ (الخصومات الجيوسياسية) بل من خلال ما تحققه من عدالة وحرية وكرامة للناس ودفاعاً عن حقوقهم . غير أن ما جرى هو العكس في كثير من الحالات ، حيث تم التغاضي عن القمع والفساد والاستبداد ، بل وتبريرها ، بحجة مواجهة الإمبريالية أو التصدي للمشاريع الغربية. وهكذا ، جرى إفراغ مفهوم (المقاومة) من مضمونه التحرري ، ليصبح غطاءً لممارسات لا تقل قمعاً أو رجعية عن تلك التي يُفترض مواجهتها.
في الحالة المصرية ، يمكن ملاحظة هذا الارتباك بوضوح في مواقف بعض التيارات اليسارية من التحولات التي أعقبت عام 2011 ، كما يمكن رد جذوره إلى مراحل أقدم حين جرى التكيف مع أنماط من السلطة تحت ذرائع مختلفة. ففي تجربة (جمال عبد الناصر) ، يظهر بوضوح كيف يمكن للسياسة الدولية أن تعيد صياغة التقييمات الأيديولوجية. فقد بدأ نظامه في سياق وطني – عسكري ، ولم يكن يحمل في بداياته برنامجاً اشتراكياً متبلوراً ، بل إن السوفييت نظروا إليه في البداية بشك واعتبروه أقرب إلى المعسكر الغربي. غير أن تعثر علاقته مع الغرب ، خصوصاً بعد أزمة تمويل السد العالي ، دفعه نحو الاتحاد السوفييتي ، الذي أعاد بدوره تقييمه واحتضنه ، لا استناداً إلى تحوله الديمقراطي أو الطبقي ، بل إلى موقعه في الصراع الدولي.
لقد تعمّق هذا الخلل في المعايير داخل جزء مهم من اليسار العربي تحت تأثير العلاقة العضوية مع الاتحاد السوفييتي ، الذي شكّل في مرحلة الحرب الباردة ، المرجعية السياسية والفكرية الأساسية لكثير من الأحزاب الشيوعية. فقد أدى هذا الارتباط إلى أن تتأثر مواقف هذه الأحزاب ، في حالات متعددة، بالتحولات في السياسة السوفييتية ذاتها ، لا بالتحليل المستقل للواقع المحلي. وهكذا ، جرى أحياناً إعادة تعريف أنظمة سياسية في المنطقة بوصفها (تقدمية) أو (ثورية) ، ليس انطلاقاً من طبيعة بنيتها الداخلية أو مستوى الحريات فيها ، بل بناءً على موقعها في الصراع الدولي مع الغرب ، كما حدث في حالات ارتبطت بـ (جمال عبد الناصر) وغيره من الأنظمة ، حيث دفعت الاعتبارات الجيوسياسية نحو تليين الموقف منها أو حتى دعمها سياسياً .
وفي بعض الحالات ، تجاوز الأمر حدود التقييم السياسي إلى إعادة تشكيل البنية التنظيمية نفسها، حيث وُجّهت بعض الأحزاب الشيوعية إلى الدخول في تحالفات تحت سقف أنظمة سلطوية، أو العمل ضمن أطر سياسية رسمية ضيقة ، بل وصل الأمر في سياقات معينة إلى الدعوة لحل التنظيمات المستقلة والانخراط في هياكل مثل (الاتحاد الاشتراكي). هذا النمط عكس انتقالاً من التحالف التكتيكي إلى شكل من التبعية السياسية، حيث أصبح معيار الموقف مرتبطاً بخط العلاقات الدولية للاتحاد السوفييتي أكثر من ارتباطه بمعايير العدالة الاجتماعية والحرية داخل المجتمعات نفسها.
أما في سوريا، ومع ترسيخ حكم (حافظ الأسد) ، فقد دخلت قوى شيوعية ضمن (الجبهة الوطنية التقدمية) في تحالف غير متكافئ مع حزب البعث ، حيث احتكر النظام المجال السياسي وفرض حدوداً صارمة على العمل الحزبي. لم يكن مسموحاً لهذه القوى حتى بإصدار صحيفة علنية ولو بصفحة واحدة، وهو ما يكشف طبيعة العلاقة التي لم تتجاوز كونها إدماجاً مُقيداً داخل بنية سلطوية. وفي المقابل، استمرت بعض هذه القوى في إصدار منشورات سرية مثل (نضال الشعب) ، ولكن ضمن حدود لا تتجاوز سقوف النظام ، ما يعكس حالة من التكيف مع واقع يفرض الصمت أو الانضباط القسري.
وفي العراق ، وكذلك في ليبيا في عهد (معمر القذافي) ، تكررت أنماط مشابهة ، حيث جرى تقديم أنظمة سلطوية بوصفها (تقدمية) أو (ثورية)، فقط لأنها تبنت خطاباً معادياً للغرب. وقد أدى ذلك إلى اصطفافات سياسية أضعفت استقلالية اليسار، ودفعت به إلى تبرير سياسات لا تنسجم مع أي مشروع تحرري حقيقي. وفي كثير من الأحيان ، لم تقتصر المسألة على التحالف ، بل وصلت إلى حدود التبعية أو الذوبان في السلطة ، ما أفقد هذه القوى قدرتها على تمثيل مصالح الطبقات الشعبية.
إن هذا المسار التاريخي يعكس خللاً عميقاً في فهم العلاقة بين التكتيك والاستراتيجية. فالتحالفات ، من حيث المبدأ ، ليست مرفوضة ، لكنها تفقد معناها عندما تؤدي إلى فقدان الاستقلال السياسي والتنظيمي. وما جرى في هذه التجارب لم يكن مجرد تكتيك مرحلي ، بل تحول إلى خيار استراتيجي ألغى الحدود بين السلطة والمعارضة، وبين النقد والتبرير. وكانت النتيجة إضعاف هذه القوى ، وفقدانها لثقة الجماهير ، التي لم تعد ترى فيها بديلاً حقيقياً ، بل جزءاً من منظومة قائمة.
إن تبرير الاستبداد تحت شعار (مناهضة الإمبريالية) يمثل أحد أخطر الانحرافات التي أصابت اليسار، لأنه يقوّض الأساس الأخلاقي للمشروع التحرري. فالإمبريالية لا يمكن مواجهتها بأنظمة تعيد إنتاج القمع داخلياً، بل بحركات تحررية حقيقية تضع الإنسان في مركزها. وحين يُختزل الصراع في بعده الخارجي ، ويتم تجاهل القمع الداخلي ، يتحول اليسار إلى أداة في صراعات لا تخدم بالضرورة الشعوب.
إن القاسم المشترك بين كل هذه التجارب، القديمة والمعاصرة ، هو غياب المعيار المستقل ، واستبداله بمعايير ظرفية أو حسابات سياسية آنية. وبدلاً من أن يكون اليسار قوة نقدية تقف على مسافة من جميع أشكال الهيمنة، أصبح في بعض الأحيان أسيراً لاستقطابات لا تعكس مصالح الجماهير. وهذا ما يفسر أزمته الراهنة ، التي هي في جوهرها أزمة وعي ومعايير ، قبل أن تكون أزمة تنظيم أو نفوذ.
إن استعادة الدور التاريخي لليسار تقتضي إعادة بناء هذه المعايير على أسس واضحة ، تنطلق من أولوية الإنسان وحقوقه ، ومن رفض جميع أشكال الاستبداد ، سواء كانت خارجية أو داخلية ، ومن التمسك بالالتزام الواضح بالمبادئ بوصفه شرطًاً لا غنى عنه. كما تتطلب نقداً صريحاً للتجارب السابقة ، ليس بهدف الإدانة ، بل بهدف التعلم واستخلاص الدروس.
فأي مشروع تحرري لا يمكن أن يقوم على تبرير الاستبداد ، مهما كانت الذرائع ، كما أن العداء لقوة كبرى لا يجعل بالضرورة من الطرف الآخر قوة تقدمية. وبين هذين الحدين ، يتحدد التحدي الحقيقي أمام اليسار اليوم بأن يستعيد بوصلته ، وأن ينحاز بوضوح إلى الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية ، دون انتقائية أو ازدواجية ، وأن يرفض أن يكون مجرد صدى لصراعات الآخرين ، بل فاعلاً مستقلاً يسعى إلى تغيير الواقع لصالح الشعوب ، وليس الأنظمة.
#يونس_متي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟