يونس متي
الحوار المتمدن-العدد: 8714 - 2026 / 5 / 23 - 18:58
المحور:
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
المقال الذي طرحه الكاتب والناشط اليساري المعروف رزكار عقراوي حول إشكالية النقابات والمنظمات الجماهيرية في العراق والجنوب العالمي يلامس واحدة من أكثر القضايا تعقيدا وحساسية في تجربة اليسار المعاصر، لما يتضمنه من محاولة جادة لإعادة التفكير في العلاقة بين العمل الحزبي والعمل النقابي والجماهيري في ظل التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية العميقة التي شهدها العراق والمنطقة خلال العقود الأخيرة. وتكمن أهمية هذا الطرح في أنه لا يكتفي بوصف حالة التشتت والضعف التي تعانيها الحركة النقابية والجماهيرية، بل يسعى إلى فتح نقاش فكري وعملي حول أسبابها البنيوية وآفاق تجاوزها، مستفيدا من خبرات وتجارب عالمية متنوعة.. كما يُحسب للكاتب أنه تناول الموضوع بروح نقدية هادئة بعيدة عن التخوين أو السجال الحزبي المباشر، محاولا إثارة أسئلة حقيقية تتعلق بالاستقلال النقابي، والعلاقة مع الأحزاب، وأزمة التنظيم الجماهيري في ظل الدولة الريعية وهيمنة البنى السياسية التقليدية. ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى الملاحظات والأفكار التالية بوصفها محاولة للمساهمة في تطوير هذا النقاش والإجابة عن بعض الأسئلة العملية التي يثيرها الواقع العراقي تحديدا.
في الحالة العراقية بصورة خاصة، لا يمكن التعامل مع مسألة بناء نقابات ومنظمات جماهيرية مستقلة عبر استنساخ نماذج جاهزة أو وصفات مستوردة من تجارب أخرى، لأن الواقع العراقي تحكمه تعقيدات بنيوية عميقة تتمثل في الطبيعة الريعية للدولة، وضعف القطاع الخاص، وهيمنة الأحزاب السياسية على المجال العام، واختراق معظم النقابات القائمة، اضافة الى اعتماد قطاعات واسعة من العاملات والعمال والموظفين على الدولة بوصفها مصدر الرزق الأساسي. ولهذا فإن أي حديث عن الاستقلال النقابي لا يمكن أن يقوم على تصورات مثالية أو قفزات تنظيمية مفاجئة، بل ينبغي أن ينطلق من فهم واقعي وتدريجي لطبيعة المجتمع والدولة وشروط العمل الجماهيري الفعلية.
ومن هنا تبرز حقيقة أساسية كثيرا ما جرى تجاهلها في التجارب السابقة، وهي أن النقابة المستقلة لا تُبنى بقرار سياسي أو بإعلان تنظيمي فوقي، وإنما تتكون تدريجيا من داخل المصالح اليومية المباشرة للناس. فإحدى المشكلات الجوهرية التي واجهت العمل النقابي في العراق أن كثيرا من النقابات والمنظمات الجماهيرية نشأت بقرارات حزبية، أو عبر انشقاقات سياسية، أو بوصفها امتدادات تنظيمية لقوى سياسية بعينها، أكثر مما نشأت استجابةً لحاجات مطلبية حقيقية داخل مواقع العمل والحياة اليومية. وليس الحديث عن بناء نقابات مستقلة أمرا غريبا عن تاريخ الحركة العمالية العراقية نفسها. فمنذ ثلاثينيات القرن الماضي شهد العراق بدايات تشكل الحركة النقابية الحديثة، وكان للعمال الشيوعيين واليساريين دور بارز في تأسيس العديد من النقابات وتنظيم الإضرابات العمالية وقيادة النضالات المطلبية في قطاعات مختلفة. وقد اكتسب هؤلاء نفوذهم وتأثيرهم ليس لأن النقابات كانت مجرد واجهات حزبية مغلقة، بل لأنهم كانوا منغرسين فعليا في حياة العمال اليومية ومدافعين حقيقيين عن مصالحهم وحقوقهم في ظروف بالغة القسوة. ولذلك استطاعت الحركة النقابية العراقية في مراحل معينة أن تتحول إلى قوة اجتماعية ووطنية مؤثرة تتجاوز الإطار الحزبي الضيق. غير أن التحولات السياسية اللاحقة، وتصاعد القمع، وهيمنة الدولة الشمولية، ثم التشتت الحزبي بعد عام 2003، كلها أسهمت تدريجيا في إضعاف هذا الإرث النقابي الجماهيري وتحويل جزء مهم من العمل النقابي إلى ساحة للتنافس الحزبي أكثر من كونه فضاء للدفاع المستقل عن مصالح العاملات والعمال. ولهذا بقيت قطاعات واسعة من العاملات والعمال والموظفين تنظر إلى كثير من هذه التنظيمات بوصفها واجهات سياسية أكثر منها أدوات للدفاع عن مصالحها المباشرة.
إن بناء نقابات مستقلة وفاعلة يقتضي الانطلاق أولا من القضايا المعيشية اليومية لا من الشعارات الكبرى المجردة. فالعامل أو الموظف في العراق لا يدخل التنظيم النقابي مدفوعا بالنظريات السياسية بقدر ما تدفعه هموم الرواتب والعقود المؤقتة والتثبيت الوظيفي والضمان الاجتماعي وتأخر صرف الأجور وساعات العمل وغياب السلامة المهنية وحقوق النساء العاملات والتقاعد. ومن دون الارتكاز إلى هذه المصالح الملموسة يصعب بناء قاعدة اجتماعية حقيقية لأي عمل نقابي مستقل. فالقوة الجماهيرية لا تنتجها الشعارات وحدها، وإنما يتولد أساسها من قدرة التنظيم على الاندماج الفعلي في الحياة اليومية للناس والدفاع عن احتياجاتهم المباشرة.
ولهذا لا يمكن بناء نقابة حقيقية من المكاتب المغلقة أو من الحضور الإعلامي وحده أو من النشاط الافتراضي على وسائل التواصل الاجتماعي، بل من داخل مواقع العمل ذاتها، من المستشفيات والمعامل والجامعات والموانئ والحقول النفطية والمدارس وشركات العقود. فالنقابة الحية تبدأ من اللجان القاعدية الصغيرة التي تنشأ وسط العاملات والعمال أنفسهم، وتتطور تدريجيا عبر التراكم والثقة والممارسة المشتركة، لا من قيادة مركزية تعلن تمثيلها للجميع من دون قاعدة فعلية راسخة.
كما أن التجربة العراقية تشير إلى أن التنظيم القطاعي المهني أكثر واقعية وفاعلية من محاولات بناء أطر جماهيرية فضفاضة ذات طابع أيديولوجي عام. فمن الأسهل والأكثر جدوى بناء نقابة قوية للمعلمين أو للعاملين في قطاع النفط أو للصحة أو للنقل أو للكهرباء، لأن هذه القطاعات ترتبط بمصالح ملموسة ومشتركة يمكن أن توحد العاملين فيها رغم اختلاف انتماءاتهم الفكرية والسياسية. وهنا بالذات تتجلى أهمية التمييز بين استقلال النقابة وبين معاداة الأحزاب السياسية. فاستقلال النقابة لا يعني إقصاء الحزبيين أو الادعاء بإمكانية الحياد السياسي المطلق، وإنما يعني ألا تخضع النقابة تنظيميا أو ماليا أو سياسيا لهيمنة حزب واحد أو تيار بعينه. فمن حق الشيوعي واليساري والمستقل بل وحتى المنتمي إلى تيارات إسلامية أو قومية، أن يكون جزءا من النقابة إذا التزم ببرنامجها المطلبي والديمقراطي وبالدفاع عن مصالح أعضائها.
غير أن الاستقلال الحقيقي لا يقاس بالشعارات المعلنة بقدر ما يتجسد في البنية الداخلية للنقابة ذاتها. فالنقابة الديمقراطية هي التي تقوم على انتخابات دورية فعلية، وتداول للقيادة، وشفافية مالية، وحق النقد والمساءلة، ونشر القرارات والمحاضر، ومنع تحول المواقع القيادية إلى زعامات أبدية مغلقة. فالكثير من النقابات تعلن استقلاليتها شكليا، لكنها عمليا تُدار بعقلية احتكارية لا تختلف كثيراً عن بنى الهيمنة الحزبية التي تدّعي معارضتها.
وتبرز هنا مسألة الاستقلال المالي بوصفها واحدة من أخطر القضايا وأكثرها حساسية، لأن الجهة التي تمول النقابة تملك في الغالب القدرة على التأثير في قرارها واتجاهاتها. وفي العراق تتجسد المخاطر الأساسية في التمويل الحكومي، أو التمويل الحزبي، أو التمويل الخارجي المشروط سياسيا. ولهذا فإن حماية الاستقلال النقابي تقتضي قبل كل شيء الاعتماد على اشتراكات الأعضاء حتى وإن كانت محدودة، لأن مساهمة الأعضاء في تمويل منظمتهم تخلق شعورا بالملكية الجماعية وتقلل من الارتهان للخارج. كما أن الشفافية المطلقة في نشر الميزانيات والإيرادات والمصروفات والمنح والمشاريع تشكل شرطا أساسيا لمنع الفساد وتحويل النقابة إلى فضاء مغلق تتحكم به قلة محدودة.
وفي السياق ذاته، يصبح من الضروري منع التمويل الحزبي المباشر، لأن هذا النوع من التمويل يحول النقابة تدريجيا إلى ذراع سياسية حتى وإن بدأ تحت عنوان الدعم والتضامن. أما التمويل الدولي فلا يمكن التعامل معه بمنطق القبول المطلق أو الرفض المطلق، بل بمنطق الحذر والاستقلالية، بحيث يبقى أي دعم معلنا وشفافا وغير مشروط سياسيا ولا متحكما بأولويات العمل النقابي. فالتمويل ينبغي أن يخدم برنامج النقابة، لا أن يصنع لها برنامجا بديلا مفروضا من الخارج. كما تبرز أهمية بناء صناديق تضامن حقيقية لدعم المفصولين والمضربين والملاحقين، لأن العامل أو الموظف لا يستطيع خوض أي مواجهة جدية إذا شعر بأنه سيُترك وحيدا في مواجهة السلطة أو صاحب العمل.
أما العلاقة بين النقابات والأحزاب السياسية فتبقى من أكثر القضايا تعقيدا، لأن الأحزاب تسعى بطبيعتها إلى النفوذ والاستقطاب واستخدام النقابات بوصفها رصيدا سياسيا واجتماعيا. لكن الحل لا يكمن في الفصل الكامل بين العمل النقابي والسياسي، لأن ذلك غير ممكن واقعيا، بل في تنظيم العلاقة بينهما ومنع التبعية. فالنقابي ينبغي أن يعمل داخل النقابة بصفته ممثلا للقطاع الذي انتخبه لا بوصفه مندوبا لحزبه، كما ينبغي منع احتكار تيار واحد للقيادة أو القرار، وضمان أن تتخذ قرارات الإضراب أو التفاوض أو الاحتجاج انطلاقا من مصالح الأعضاء أنفسهم لا من الحسابات الحزبية الضيقة. ويمكن للنقابات أن تتحالف أو تنسق أو تضغط سياسيا، لكن من دون أن تتحول إلى أجهزة تابعة لقوى سياسية بعينها.
ومع ذلك فإن التحدي الحقيقي في العراق لا يبقى قانونيا أو تنظيميا فقط، بل هو أيضا تحدٍ ثقافي وتاريخي عميق. فالثقافة السياسية السائدة ما زالت تنظر إلى كل منظمة بوصفها امتدادا لحزب، وإلى كل استقلالية باعتبارها ضعفا أو غطاء خفيا، وإلى كل اختلاف باعتباره انشقاقا. ولهذا فإن بناء نقابات مستقلة يحتاج إلى وقت طويل وثقافة ديمقراطية جديدة وتراكم تدريجي للثقة عبر نجاحات ملموسة وصغيرة على الأرض.
وربما لهذا السبب أيضا لن يبدأ التغيير الحقيقي من بناء اتحاد مركزي ضخم يعلن تمثيل الجميع دفعة واحدة، بل من نجاحات قطاعية صغيرة ومستقلة تستطيع أن تثبت جدواها عمليا، كنقابة معلمين قوية في محافظة معينة، أو تنسيقية حقيقية لعمال العقود، أو اتحاد مهني ديمقراطي يمتلك حضورا فعليا داخل قطاعه. فمثل هذه النماذج، إذا نجحت في الدفاع عن مصالح أعضائها وتحقيق مكاسب ملموسة، ستنتج الثقة أولا، ثم تفتح الطريق نحو التوسع وبناء ثقافة نقابية جديدة أكثر استقلالية وديمقراطية.
وفي المحصلة، فإن استقلال النقابة لا يتحقق عبر إعلان سياسي أو تسمية تنظيمية، وإنما عبر بناء قاعدة اجتماعية حقيقية، وتمويل مستقل، وديمقراطية داخلية، وعلاقة متوازنة وغير خاضعة للأحزاب، وتجذر يومي في مصالح الناس الملموسة. وهذا تحديدا يشكل أحد أبرز التحديات التاريخية أمام اليسار العراقي اليوم: الانتقال من منطق امتلاك المنظمات إلى منطق بناء قوة اجتماعية حقيقية قادرة على التأثير والتغيير.
وفي جميع الأحوال، تبقى أهمية المقال الذي طرحه العزيز رزكار عقراوي في أنه أعاد فتح نقاش ضروري طال تأجيله داخل أوساط اليسار والحركة النقابية العراقية، وأثار أسئلة حقيقية تتعلق بأزمة العمل الجماهيري وآفاق تجديده في ظل التحولات العميقة التي يعيشها العراق والمنطقة. وربما تكمن أهمية هذا النوع من النقاشات بالذات في أنها تفتح المجال أمام حوار يساري ونقابي أكثر هدوءا وواقعية حول الأسئلة المؤجلة المتعلقة ببناء القوة الاجتماعية والتنظيم الجماهيري في العراق، وهي أسئلة ستظل مطروحة ما دامت الحاجة قائمة إلى بناء حركة جماهيرية قادرة على الدفاع عن مصالح الناس والتعبير عن تطلعاتهم الفعلية.
- رابط المقال في الحوار المتمدن : https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=918448
#يونس_متي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟