أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - يونس متي - الصراع على الوعي أم الصراع على شروط إنتاجه؟ قراءة في دور المؤسسات الثقافية للإسلاميين وأزمة اليسار العراقي














المزيد.....

الصراع على الوعي أم الصراع على شروط إنتاجه؟ قراءة في دور المؤسسات الثقافية للإسلاميين وأزمة اليسار العراقي


يونس متي

الحوار المتمدن-العدد: 8744 - 2026 / 6 / 22 - 02:51
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


الصراع على الوعي أم الصراع على شروط إنتاجه؟
قراءة في دور المؤسسات الثقافية للإسلاميين وأزمة اليسار العراقي
أثار مقال الصديق زكي رضا المعنون "الصراع الطبقي وإنتاج الوعي" (*) قضية مهمة تتعلق بطبيعة الصراع الاجتماعي والسياسي في العراق، ولفت الانتباه إلى دور المؤسسات الثقافية والتعليمية والإعلامية في تشكيل الوعي وإعادة إنتاجه. وهي قضية تستحق النقاش الجاد، خصوصاً في ظل التراجع الكبير الذي تعانيه القوى المدنية واليسارية مقابل اتساع نفوذ القوى الإسلامية داخل المجتمع والدولة. غير أن أهمية الموضوع لا تعفي من ضرورة إخضاع بعض استنتاجاته للنقد والمراجعة، من أجل الوصول إلى فهم أكثر شمولاً لطبيعة الصراع الدائر في العراق.
لا خلاف على أن الصراع الطبقي لا يقتصر على المجال الاقتصادي، وأن السيطرة على وسائل إنتاج الوعي تمثل جانباً مهماً من جوانب الهيمنة الاجتماعية. فقد بيّن المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي أن الطبقات المهيمنة لا تحكم بالقوة المادية وحدها، بل من خلال إنتاج منظومة من الأفكار والقيم والمعايير التي تجعل هيمنتها تبدو طبيعية ومقبولة. ومن هذه الزاوية يصح القول إن المدرسة والجامعة والإعلام والمؤسسات الدينية والثقافية ليست مؤسسات محايدة، بل تلعب دوراً مباشراً في تشكيل الوعي الاجتماعي.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا الاستنتاج الصحيح إلى تفسير شبه كامل للواقع. فالمقال يقترب أحياناً من اعتبار أن نفوذ الإسلاميين في العراق هو نتيجة نجاحهم في السيطرة على وسائل إنتاج الوعي، بينما تبدو العوامل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الأخرى في موقع ثانوي. والحال أن أي تحليل جاد للواقع العراقي يبين أن صعود الإسلام السياسي لم يكن نتاج الإعلام والخطاب الديني فقط، بل كان أيضاً نتاجاً لأزمات عميقة عاشها المجتمع والدولة.
لقد جاء صعود الإسلاميين في سياق انهيار مؤسسات الدولة بعد عام 2003، وتفكك البنى الاجتماعية التقليدية، واتساع الفقر والبطالة، وتراجع الطبقة الوسطى، وانتشار مشاعر الخوف وعدم الاستقرار. وفي ظل هذا الفراغ تمكنت الأحزاب الإسلامية من بناء شبكات واسعة من الرعاية الاجتماعية والخدمات والعلاقات الزبائنية، إضافة إلى استثمارها للانتماءات الطائفية والهويات الفرعية التي تفجرت بقوة بعد سقوط النظام السابق. ولذلك فإن نفوذها لم يكن ثقافياً فقط، بل كان اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً أيضاً.
لذلك فإن تفسير قوة الإسلاميين من خلال مفهوم "الهيمنة الثقافية" وحده يبقى تفسيراً ناقصاً. فالأفكار لا تنتصر بسبب قوتها الذاتية فقط، بل لأنها تجد بيئة اجتماعية تسمح لها بالانتشار والتجذر. والوعي نفسه لا يتشكل داخل المدرسة أو وسائل الإعلام فحسب، بل يتكون أيضاً داخل ظروف الحياة اليومية وعلاقات العمل والبنى الاجتماعية وشبكات المصالح والانتماءات المختلفة.
من جهة آخرى، يركز المقال بصورة كبيرة على قوة الإسلاميين، لكنه لا يمنح القدر نفسه من الاهتمام لأزمة اليسار الذاتية. فمن الصحيح أن اليسار تعرض لحملات قمع طويلة وخسر الكثير من قواعده الاجتماعية، لكن هذا لا يفسر وحده تراجعه الراهن. فقد ساهمت عوامل داخلية عديدة في إضعافه، من بينها الجمود الفكري، وضعف الديمقراطية الداخلية، والانقسامات التنظيمية، والابتعاد التدريجي عن هموم الناس اليومية، إضافة إلى استمرار بعض أشكال الخطاب النخبوي الذي عجز عن بناء جسور حقيقية مع الأجيال الجديدة.
إن أزمة اليسار لا تتمثل فقط في خسارته معركة الوعي، بل في خسارته جزءاً من حضوره داخل المجتمع نفسه. ولهذا فإن استعادة دوره لا يمكن أن تتحقق بمجرد إنشاء مؤسسات ثقافية أو إعلامية بديلة، على أهمية ذلك، بل تحتاج إلى مشروع اجتماعي وسياسي قادر على تمثيل مصالح الفئات المتضررة من النظام القائم، وربط النضال الثقافي بالنضال الاجتماعي والاقتصادي والديمقراطي.
كما أن اختزال المعركة في مواجهة بين اليسار والإسلاميين قد يحجب تعقيدات الواقع العراقي. فالمجتمع لا ينقسم اليوم إلى معسكرين متقابلين فقط، بل يضم طيفاً واسعاً من القوى الاجتماعية والفكرية والمدنية والشبابية التي تبحث عن بدائل جديدة خارج الاستقطابات التقليدية. ولذلك فإن مهمة القوى الديمقراطية لا تقتصر على مواجهة الخطاب الإسلامي، بل تشمل أيضاً تقديم نموذج مختلف للدولة والمواطنة والتنمية والعدالة الاجتماعية.
إن الصراع على الوعي يظل ميداناً أساسياً من ميادين الصراع الاجتماعي، لكن الوعي لا يُنتج بمعزل عن الواقع المادي. ولهذا فإن بناء بديل ديمقراطي حقيقي يتطلب الجمع بين العمل الثقافي والعمل الاجتماعي، وبين إنتاج الأفكار وبناء الحركات الاجتماعية، وبين نقد الهيمنة القائمة وتقديم حلول ملموسة لمشكلات الناس.
إن التغيير في العراق لن يتحقق عبر كسب المعركة الثقافية وحدها، كما لن يتحقق عبر الاحتجاج السياسي وحده. فالرهان الحقيقي يكمن في بناء مشروع وطني ديمقراطي قادر على توحيد القوى المتضررة من نظام المحاصصة، وربط النضال من أجل الحرية والعدالة الاجتماعية بالنضال من أجل بناء وعي نقدي مستقل. عندها فقط يمكن أن تتحول الثقافة من أداة للدعاية إلى قوة فاعلة في التغيير الاجتماعي والسياسي.

(*) مقال الصديق زكي رضا :
https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=921972



#يونس_متي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- التفاوت الاجتماعي وحدود تشكّل الوعي الطبقي في العراق
- أزمة الحركات اليسارية: من مشروع التغيير إلى إشكالية الإصلاح ...
- إشكالية النقابات المستقلة في العراق وآفاق العمل الجماهيري
- العراق بين الرفض الشعبي وغياب البديل السياسي
- العراق بين الدولة واللادولة
- حصر السلاح بيد الدولة… لكن أي دولة ؟
- أزمة المعايير في اليسار المعاصر
- إقصاء الآخر وإشكالية المواطنة
- عندما تُعامل الدولة ، كغنيمة لا كوطن
- -التحالفات- في تجربة الحزب الشيوعي العراقي
- حين تعجز السلطة عن تحويل العداء للإمبريالية إلى دفاع عن الوط ...
- رواية (ألوان العار) ومرارة التحوّلات الاجتماعية
- شرعية المشاركة والبيئة الانتخابية المختلّة في العراق
- نظام الكوتا بين فرص الإصلاح وحدود التطبيق في التجربة العراقي ...
- مقاومة أم نفوذ ؟ ميليشيات محور إيران وأثرها على السيادة الوط ...


المزيد.....




- رضائي: واشنطن تتحمل مسؤولية استفزازات إسرائيل في لبنان وسنحا ...
- قاليباف ينشر صورة من مواجهة إيران وإسبانيا: هكذا نحمي أرضنا ...
- الخارجية الروسية: ألمانيا لن تستطيع التهرب من الاعتراف بإباد ...
- بعد 13 عاما في المعارضة والمهجر.. جهاد مقدسي يعود للدبلوماسي ...
- الدفاعات الجوية تسقط 9 طائرات مسيرة كانت متجهة نحو موسكو
- ترامب يهدد بإضافة اتهامات جديدة لدعواه ضد -نيويورك تايمز- وي ...
- ضبط أكبر شحنة كوكايين في تاريخ أستراليا
- انطلاق محادثات سويسرا بين واشنطن وطهران وسط خلافات بشأن مضيق ...
- ارتباك في محادثات أمريكا وإيران بسويسرا بعد تهديدات ترامب.. ...
- غروشكو: دول الناتو تستعد فعليا لمواجهة عسكرية مع روسيا بحلول ...


المزيد.....

- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - يونس متي - الصراع على الوعي أم الصراع على شروط إنتاجه؟ قراءة في دور المؤسسات الثقافية للإسلاميين وأزمة اليسار العراقي