حامد الضبياني
الحوار المتمدن-العدد: 8800 - 2026 / 8 / 17 - 20:13
المحور:
قضايا ثقافية
أخي العراقي الذي يضع إيران فوق العراق، دعنا نختصر الطريق ولا نُرهق اللغة بمجاملة لا تنفع، ولا نُحمّل الوطنية أكثر مما تحتمل: إذا كان حبك لإيران يجعلك ترى العراق مجرد محطة عبور إلى طهران، وإذا كان قلبك السياسي هناك وولاؤك هناك وقرارك هناك، فلماذا كل هذا الإصرار على البقاء هنا؟ اذهب إليها، فهي دولة جارة لها أرض وحدود ومطارات ومراقد ومدن وأسواق، وهناك تستطيع أن تحبها كما تشاء، وأن ترفع صورها وشعاراتها، وأن تدافع عن سياساتها من فوق ترابها، أما أن تأكل من خبز العراق، وتشرب من مائه، وتستفيد من خيراته، ثم تعتبر عاصمة أخرى مرجعاً أعلى من بغداد، فهذه ليست بطولة وطنية؛ هذه كوميديا سوداء بطلها مواطن عراقي يؤدي دور الأجنبي في وطنه.يا للعجب! يريد بعضهم عراقاً آمناً، بشرط أن يكون الأمن على مقاس الدولة التي يحبها، ويريد سيادة عراقية، بشرط ألا تمس السيادة مصالح طهران، ويريد حكومة عراقية، بشرط أن يعرف أولاً ماذا تريد العواصم الأخرى منها. يريدون دولة مستقلة، لكنهم يغضبون عندما تتصرف باستقلال؛ يريدون جيشاً عراقياً، لكنهم يتذكرون السلاح خارج الدولة عندما يخدم جماعتهم؛ يريدون ديمقراطية، بشرط أن تكون نتائجها متوافقة مع رغباتهم. إنها فلسفة عجيبة: وطن عراقي بجواز سفر عراقي، لكن مفتاحه في جيب غير عراقي!..وأنا هنا لا أطلب من أحد أن يكره إيران، ولا أريد أن أحوّل الشعب الإيراني إلى خصم، فالشعوب ليست حكوماتها، والثقافات ليست سياساتها، والجغرافيا لا تصنع العداوة. أحب الأدب الإيراني، احترم التاريخ الإيراني، زر إيران، اشترِ تذكرة سفر، اصنع جوازاً، ادخل من المطار، وقم بزيارة ما تريد من المدن والمراقد، ثم عد إلى العراق مواطناً عراقياً؛ عندها يصبح الأمر حباً مشروعاً وثقافةً مفتوحة. أما أن تجعل من الحب جسراً لعبور النفوذ إلى مؤسسات بلدك، فهنا يتغير اسم الحكاية.والسؤال الأكثر سخرية: لماذا لا يذهب العاشق إلى معشوقته؟ إذا كانت إيران تاجاً على رأسك، فلماذا تضع التاج فوق رأسك وتبقي جسدك في بغداد؟ إذا كانت أرضها أحب إليك من أرضك، فماذا تفعل في أرض لا تؤمن بها؟ وإذا كان قرارك السياسي يُصنع خارج الحدود، فلماذا تتعب نفسك في الحديث عن العراق؟ اذهب إلى طهران، وكن هناك مواطناً صريحاً في حبك، بدل أن تبقى هنا مواطناً عراقياً في الأوراق وإيرانياً في الولاء.لقد تعب العراقي من هذه المسرحية القديمة: كلما قال أحدهم "العراق أولاً"، خرج له شخص يرفع إصبعه ويبدأ بتوزيع تهم العمالة والخيانة والعمالة للصهيونية والناصرية والوهابية والكفر وكل قاموس الشتائم الذي أُعدّ خصيصاً لإسكات العراقي عندما يسأل سؤالاً بسيطاً: من يحكم هذا البلد فعلاً؟ وهنا تبلغ الكوميديا ذروتها؛ يصبح السؤال عن السيادة جريمة، بينما يصبح التدخل الخارجي وجهة نظر!..منذ 2003 دخل العراق مرحلة سياسية جديدة، وانفتحت أبوابه أمام النفوذ الأمريكي والإيراني والتركي والخليجي وغيرها من التأثيرات، وتحول البلد تدريجياً إلى ساحة تتقاطع فيها المشاريع. ثم جاء تنظيم داعش سنة 2014 ليحوّل مدناً عراقية إلى ميادين حرب، فكان العراقي هو الذي يموت، والمدينة العراقية هي التي تُهدم، بينما تتصارع القوى على تعريف النصر. وفي كل مرة كان العراقي يخرج من تحت الأنقاض ليجد نفسه أمام سؤال أكثر مرارة: لماذا ندفع نحن ثمن معارك لا نقرر بدايتها؟الموصل تعرف الجواب، والأنبار تعرفه، وديالى تعرفه، وبغداد تحفظه في جدرانها، والبصرة تعرف أن النفوذ لا يحتاج دائماً إلى دبابة؛ أحياناً يدخل السوق في هيئة سلعة، ويدخل السياسة في هيئة حزب، ويدخل الاقتصاد في هيئة عقد، ويدخل الإعلام في هيئة خطاب، ثم يستقر في عقل المواطن حتى يصبح الدفاع عن مصلحة الخارج جزءاً من تعريفه لنفسه.وهنا المفارقة الفلسفية الكبرى: كيف يمكن لإنسان أن يطالب بحقوقه كاملة في بلد لا يريد لبلده أن يمتلك قراره؟ كيف يريد وظيفة من دولة، وسيادة من دولة، وأماناً من دولة، ثم يغضب عندما تقول الدولة: قراري لي؟ إنها معادلة تشبه شخصاً يسكن في بيت، يأكل من مطبخه، وينام في غرفته، ثم يسلّم مفتاح الباب لجاره ويقول لأهل البيت: أنا صاحب القرار!العراق لا يحتاج إلى عراقي يكره إيران، كما لا يحتاج إلى عراقي يكره أمريكا؛ يحتاج إلى عراقي لا يبيع صوته لأي منهما. وهذه هي النقطة التي يخاف منها أصحاب الولاءات العابرة للحدود: المواطن المستقل أخطر من المعارض، لأنه لا يمكن شراؤه بشعار، ولا تخويفه بتهمة، ولا جذبه إلى خندق طائفي. المواطن المستقل يقول لإيران: مصالحك عند حدودك، ويقول لأمريكا: مصالحك عند حدودك، ويقول لتركيا: مصالحك عند حدودك، ثم يلتفت إلى بغداد ويقول: الآن جاء دور العراق.لا تجعلوا المقدسات جواز مرور للسياسة، ولا تجعلوا المذهب سفارة لدولة أخرى، ولا تجعلوا الدين بطاقة عضوية في مشروع إقليمي. المقدسات يحترمها المؤمن، أما الدول فتُحاسب على أفعالها. تستطيع أن تقدس الإمام الذي تؤمن به، وأن تزور المرقد الذي تحبه، وأن تحترم علماءك، دون أن تمنح حكومة أجنبية حقاً في أن تكون شريكاً في قرار وطنك. الدين أوسع من السياسة، والمقدس أكبر من الحزب، والوطن لا يجوز أن يصبح ملحقاً بمشروع أحد.وإذا كان الرد جاهزاً دائماً: "إيران تاج رأسنا"، فأقول ساخراً: جميل جداً، لكن حاول فقط ألا يكون التاج على رأسك والمواطن العراقي تحت قدميك! وإذا قيل: "إيران وقفت مع العراق"، فالجواب: نشكر كل من وقف مع العراق في محنته، لكن المساعدة لا تشتري وطناً، والدم لا يتحول إلى سند ملكية، والتاريخ لا يمنح أحداً حق إدارة بلد كامل إلى الأبد.أما من يرد على كل سؤال عن النفوذ الإيراني بعبارة "أنت صهيوني"، فهذه ليست إجابة؛ إنها إفلاس في الحجة. ومن يصفك بالناصبي أو الوهابي أو الكافر لأنك قلت "العراق أولاً"، فقد اكتشفنا معه قانوناً سياسياً جديداً: كلما عجز المرء عن الدفاع عن موقفه، بحث عن تهمة جاهزة ليقتل بها السؤال.وهكذا يصبح الوطني مشبوهاً، والتابع مخلصاً، والصامت حكيماً، والمتملق عاقلاً، ومن يرفع صوته بالعراق متآمراً!أيها العراقي، لا أطلب منك أن تتخلى عن عقيدتك ولا عن مقدساتك ولا عن ثقافتك، أطلب منك شيئاً أكثر صعوبة: أن تضع العراق في المكان الأول. أن تقول إن بغداد ليست فرعاً سياسياً لأي عاصمة، وإن كربلاء ليست منصة حزبية، وإن النجف ليست مكتباً تابعاً لدولة، وإن البصرة ليست خزينة مفتوحة، وإن الموصل ليست ساحة تجارب، وإن ديالى ليست جبهة دائمة، وإن العراق كله ليس ورقة تفاوض في يد الآخرين.فمن يحب إيران إلى درجة أن يضعها فوق العراق، فليذهب إليها؛ هناك يستطيع أن يحبها بلا تناقض، وأن يدافع عنها بلا خجل، وأن يعيش تحت قوانينها، وأن يرى إن كانت الصورة التي رسمها لها من العراق تشبه حقيقتها من الداخل. أما العراق، فاتركوه لمن يحب ترابه، حتى لو كان حبه فقيراً، متعباً، غاضباً، ومليئاً بالعتب. فالوطن لا يشترط أن تكون سعيداً به كي تكون وفياً له؛ يكفي أن ترفض أن تبيعه.أنا عراقي، ولذلك أستطيع أن أنتقد العراق. وأستطيع أن أعارض حكومته. وأستطيع أن ألعن فساد سياسييه. وأستطيع أن أرفض أمريكا وإيران وتركيا وكل قوة تتجاوز حدودها. لأن الذي يحب وطنه لا يحتاج إلى إذن من الخارج كي يدافع عنه.العراق ليس شركة مساهمة بين طهران وواشنطن وأنقرة، وليس فندقاً سياسياً لمن يدفع أكثر، وليس ساحة لتجريب الصواريخ والشعارات والعقائد. العراق بلد عمره آلاف السنين، ومن العار أن يكون أحفاد من اخترعوا الكتابة عاجزين عن كتابة جملة واحدة واضحة: قرار العراق للعراقيين.فيا من تحب إيران أكثر من العراق، لا تغضب من السؤال، بل أجب عنه بشجاعة: لماذا لا تذهب إليها؟أما أنا فسأبقى هنا، في هذا البلد المتعب، أختلف معه وأحبه، أغضب منه وأدافع عنه، ألعن فاسديه وأحلم بنهضته، لأنني لا أحتاج إلى عاصمة أخرى كي تمنحني تعريفاً للعراق. يكفيني أن أضع قدمي على ترابه فأعرف من أكون.
أنا عراقي، وهذه ليست تهمة تحتاج إلى محامٍ.
#حامد_الضبياني (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟