أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - كاظم الحناوي - الماطور… حين كان الفرات طريق الخضر إلى العالم















المزيد.....

الماطور… حين كان الفرات طريق الخضر إلى العالم


كاظم الحناوي

الحوار المتمدن-العدد: 8797 - 2026 / 8 / 14 - 13:26
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


(الجزء الأول)

كاظم الحناوي

لم يكن الماطور مجرد قارب خشبي أضيف إليه محرك كما قد يتخيل أبناء اليوم بل كان عالما قائما بذاته.

كان الفرات يومها هو الطريق الأكبر لأهل الخضر ولم يكن ذلك الطريق معبدا بالإسفلت… بل بالماء.

*الماطور… عالم فوق الماء

فالرحلة تبدأ قبل أن يدور المحرك. يتبادل الركاب السلام ويضع كل واحد ما حمله من أكياس وسلال في مكان يعرفه أصحاب الماطور جيدا بينما يتأكد السائق من توازن الحمولة قبل الانطلاق.

ثم يدور المحرك… ويهتز جسم الماطور هزة خفيفة يعرف منها الجميع أن ساعة الرحيل قد حانت.

وكان الماطور في كل رحلة يحمل شيئا من حياة الناس: يحمل الفلاح إلى سوق المدينة ثم يعيده إلى بيته ويحمل التاجر ببضاعته ثم يعيده برزقه ويحمل الزائر إلى مقام العبد الصالح الخضر قبل أن يعيده بعد أداء زيارته.

حتى بدا الفرات يومها شارعا طويلا والماطور حافلة لا تتوقف عن الحركة.

ويستذكر الأستاذ علوان فهد الريشاوي أن أحد الخطوط كان ينطلق من الخضر قرب الجسر الخشبي القديم متجها جنوبا نحو الدخينة في أراضي آل بوجاولي حيث يقضي الماطور ليلته هناك قبل أن يعود في صباح اليوم التالي إلى الخضر بينما كان الخط الآخر يتجه شمالا بمحاذاة الفرات حتى يصل إلى البديري ناقلا الركاب والبضائع بين المدينة والقرى المنتشرة على ضفتي النهر.

ولم يكن الماطور ظاهرة محلية خاصة بالخضر فقد سجلت الرحالة البريطانية فريا ستارك، في وصفها لبغداد في ثلاثينيات القرن العشرين وجود الزوارق ذات المحركات على دجلة وذكرت النداء الشعبي (يا أبو الماطور، تعال)، في إشارة إلى استخدامها في نقل الناس بين ضفتي النهر. وتمنحنا هذه الشهادة دليلا على أن الماطور كان قد دخل بالفعل في منظومة النقل النهري في العراق خلال الثلاثينيات على الأقل قبل أن تسجل الذاكرة المحلية انتشاره في الخضر خلال العقود التالية.

وتضيف شهادة السيد كريم كاظم محيسن آل كرنوفة أن أشهر المواطير في الخضر ظهرت منذ خمسينيات القرن الماضي وكان من أشهر أصحابها الحاج كاظم محيسن (آل كرنوفة)، ثم آل الحسن وآل كشكول وآل فاطس وآل العلي وآل عو وآل الجبار الحمود. وكان لكل ماطور اسم يعرف به بين الناس حتى إن ماطور آل كرنوفة كان يحمل اسم (البطاط).

ومع ذلك، فإن الماطور لم يكن أول وسيلة عرفها الفرات فقد سبقه زمن كان السفر فيه أشق بكثير…

*قبل الماطور… السفّان

لكن الماطور لم يولد بهذه الصورة التي عرفناها نحن

قبله كان الفرات يعرف رجالا اشتهروا باسم السفّانين كانوا يقودون السفن الخشبية قبل ظهور المحركات ويواجهون تيار الفرات بقوة أذرعهم وصبرهم.

وكان والدي كثيرا ما يصف لنا مشقة السفر في تلك الأيام فيقول إن السفينة إذا سارت مع اتجاه التيار اكتفت بالشراع أما إذا أرادت الصعود عكس مجرى النهر فإنها كانت تُجر بالحبال من اليابسة.

يضع الرجال الحبل على أكتافهم ويسيرون بمحاذاة الجرف ساعات طويلة وربما أياما حتى تصل السفينة إلى وجهتها.

وكان العامل يحمل معه كيسا صغيرا من تمر الزهدي يعلقه في حزامه يقتات منه طوال الرحلة لأن التوقف كلما شعر بالجوع لم يكن أمرا ممكنا.

لم تكن تلك المهنة تحتاج إلى الخبرة وحدها…

بل إلى أجساد قوية تعرف كيف تتحدى تيار الفرات وإلى رجال اعتادوا المشقة حتى أصبحت جزءا من حياتهم.

ويستذكر الأستاذ علوان فهد الريشاوي أن من أشهر من عملوا في تلك المرحلة رجلا عرف بين الناس باسم خضير السفّان وكان يقود السفينة الشراعية التي تستفيد من الريح عندما يكون اتجاهها مع مجرى النهر أو تُجر بالحبال عندما يكون السير عكس التيار ناقلا الركاب بين الخضر والقرى المنتشرة على ضفتي الفرات.

ولم تكن السفن وحدها وسيلة عبور الناس فقد بقيت القوارب الصغيرة التي يسميها أهل الخضر (الكِعد) تؤدي دورا مهما في نقل الأهالي بين ضفتي الفرات قبل (الطبگة) وانتشار الجسور وهي صفحة أخرى من تاريخ المدينة تستحق أن تُروى مستقلة.

*حين غيّر المحرك وجه الفرات

ثم جاء المحرك… وتغير كل شيء. لكن الفرات بقي هو الفرات.

فالذي تبدل لم يكن النهر بل الطريقة التي تعامل بها الإنسان معه. بعد أن كانت الرحلة تقاس بقوة الرجال وصبرهم أصبحت تقاس بقوة المحرك واختصرت ساعات طويلة من السفر وأصبح الوصول إلى القرى المنتشرة على ضفتي الفرات أكثر انتظاما وأمنا وإن بقي النهر يحتفظ بهيبته التي لا تغيب.

ويشير الأستاذ علوان فهد الريشاوي إلى أن أوائل من امتلكوا المواطير في قضاء الخضر كانوا آل عوض وآل دخان وآل كشكول لتبدأ معهما مرحلة جديدة في النقل النهري بعد أن ظل الفرات زمنا طويلا يعتمد على السفن الشراعية والسفّانين.

ويشير السيد كريم كاظم محيسن آل كرنوفة إلى أن المواطير كانت تصنع في البصرة على أيدي صناع متخصصين يعرفون محليا باسم (المكلّفت) حيث يصنع الهيكل من الخشب ثم يطلى بالقير لحمايته من الماء بينما يجهز بمحرك يعمل بالنفط الأسود مع الدهن وتختلف أحجام المواطير بين الصغير والمتوسط والكبير بحسب الغرض من استخدامها.

ولم يكن تشغيل الماطور عملا سهلا كما قد يتصور البعض اليوم. فوق سطحه يقف السائق ممسكا بالسُّكان يراقب مجرى النهر وانحناءاته بينما يجلس مشغل المحرك داخل القمارة وهي الغرفة الخشبية التي تضم المحرك وتعلوها منصة جلوس السائق.

ويشير كريم كاظم محيسن آل كرنوفة إلى أن طاقم الماطور كان يتكون غالبا من ثلاثة أشخاص: السائق ومشغل المحرك وشخص ثالث يتولى استقبال الركاب، وجمع الأجرة وربط الماطور بالحبال عند التوقف ومساعدة المسافرين أثناء الصعود والنزول.

ولأن صوت المحرك كان يغلب على الأصوات فقد ابتكر العاملون وسيلة بسيطة للتفاهم فيما بينهم.

ويستذكر الأستاذ علوان فهد الريشاوي أن حبلا كان يربط السائق بجرس داخل القمارة فإذا سحب السائق الحبل مرة واحدة فهم مشغل المحرك أن المطلوب تخفيف السرعة أما إذا جاءت الإشارة مرتين فالمقصود زيادة السرعة وأما بقية الإشارات فكانت مفهومة بينهما بحكم الخبرة الطويلة والعمل اليومي المشترك.

لم تكن هناك أجهزة اتصال… لكن لغة النهر كانت تكفي. وكان للمحرك أيضا طقوسه الخاصة.

فعلى جانب القمارة يخرج أنبوب صغير لا يتوقف عن قذف مياه الفرات إلى الخارج أثناء دوران المحرك.

ذلك المشهد الذي بقي عالقا في ذاكرة كثير من أبناء الخضر لم يكن زينة ولا عبثا بل جزءا من عمل المحرك نفسه حتى أصبح اندفاع الماء من ذلك الأنبوب علامة يعرف منها الجميع أن المحرك يعمل كما ينبغيًوأن الماطور يشق طريقه في الفرات. أما الوقود فلم يكن البنزين الذي نعرفه اليوم.

كانت المواطير تعمل بالنفط الأسود ويتذكر كثير من أبناء منطقتي العين والبوريشة أن مضخة كانت قائمة على ضفة الفرات مقابل محطة وقود الخضر بالقرب من محطة القطار يتزود منها أصحاب المواطير قبل انطلاق رحلاتهم اليومية.

وكانت تلك المضخة جزءا من المشهد النهري شأنها شأن القمارة، والجرس والمردي والحبال وأصوات الركاب.

ولم يكن الماطور يربط ضفتي الفرات وحدهما… بل كان يربط الناس بعضهم ببعض. فكل رحلة كانت تحمل معها حكايات جديدة.

ويذكر السيد كريم كاظم محيسن آل كرنوفة أن خط الماطور المتجه شمالا كان يمر بعدد كبير من القرى منها: الصبية وآل محمد والزوية والظاهرة وآل حربي والنويصرات وأبو ملح وآل عبس والحفاي والبو سلطان وكانت تلك القرى تعتمد عليه اعتمادا كبيرا في تنقلها اليومي.

وكانت الرحلات تسير وفق نظام يعرفه الجميع ففي الأيام الاعتيادية ينطلق الماطور ظهرا ويعود صباح اليوم التالي بينما يختلف جدول الرحلات في المواسم والأعياد بحسب حاجة الناس.

أما أصحاب المواطير، فكانوا ينظمون عملهم فيما بينهم بنظام يعرف محليا بـ(السِّرَة) والذي لازال معمولا به بحيث يعرف كل صاحب ماطور يومه وخطه دون حاجة إلى تدخل جهة رسمية.

وكان الماطور يحمل أكثر من مئة راكب في بعض الرحلات: يجلس الرجال فوق وعلى جوانب القمارة بينما تجلس النساء في الحوض أو على الدكة الأمامية وكانت أجرة السفر تتراوح بين خمسة وعشرة فلوس بحسب المسافة وما يحمله الراكب من أمتعة.

ولم يكن الماطور يحمل المسافرين وحدهم. كان يحمل معهم سلال البيض وقِرَب السمن وشلفان الصوف والدجاج واللبن والحنطة والشعير وبراميل الوقود بل وحتى القصب والبردي القادم من الأهوار لتصبح رحلة العودة محملة بالطحين والرز والسكر والشاي والأقمشة وكل ما اشتراه أهل الريف من سوق الخضر.
وهكذا لم يكن الماطور وسيلة نقل فقط… بل كان شريانا متحركا يربط الريف بالمدينة ويعيد الحياة إلى ضفتي الفرات كل صباح ومساء..
………….
(( اعتمد هذا المقال على شهادات الأستاذ علوان فهد الريشاوي والأستاذ كريم كاظم محيسن آل كرنوفة وبمساعدة الصديق وليد خالد، إضافة إلى ذاكرة الكاتب الشخصية في إطار مشروع توثيق التاريخ الاجتماعي لمدينة الخضر.))



#كاظم_الحناوي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- اللغة حين تتحول إلى استجابة: القصيدة الحسينية نموذجا
- السوق المسقف في قضاء الخضر(الجزءالثاني) مشهد من السوق… حين ك ...
- السوق المسقف في الخضر… ذاكرة المدينة تحت سقف واحد (الجزء الأ ...
- شهادة أعتز بها
- گهوة عويز… حين كان المكان يتسع للجميع
- ربية الخضرية فوق جبال كردستان
- الشيخ الهادئ… روح مطمئنة غادرت الحياة وسط عاصفة
- الهگوشية… رحلة نحو الناصرية تبدأ من السوق الأعوج
- الشيخ عزيز ال سْفًر… رجل تكلمت عنه المواقف أكثر من الكلمات
- عبد شمخي العسكري… حين كانت الدولة تأتي على صهوة جواد
- من خمسين اسما لمردوخ إلى خمسين مليونًا للصوت!
- لعنة البقاء… ونعمة الرحيل
- صبحي المصور… خيمته الكبيرة علامة فارقة في العيد
- حميد أبو كلل… حين كان المختار أكبر من ختم على ورقة
- طالب الفزع… غاب الجسد وبقيت المقاسات شاهدة
- رحلة جديدة للقمر
- المرحوم طعمة عبد الرضا ال رجه… الرجل الذي كتب للناس فغيّر مس ...
- عيّارية بغداد بين الماضي والحاضر
- حين يصنع الرمز… ولا يولد
- الشمال… صُنّاع ذاكرة المدينة يرحلون ويبقى إشعاعهم


المزيد.....




- صادق ماجد.. مصمّم لبناني يستلهم ملامح -الكوتور- من شخصية الم ...
- شقيقتان أمريكيتان علقتا لساعات داخل نُزل إنجليزي.. ماذا حدث ...
- ضباط سابقون يكشون مخاطر الضغوط النفسية على متن حاملات الطائر ...
- أنقرة ترفع اسم مساعد وزير الدفاع السوري من قائمة الإرهاب
- -رويترز-: السعودية تسعى لردع إيران عبر تحالفات دفاعية
- موسكو تحيي الذكرى الـ102 لحركة الحافلات بمعرض تاريخي وفعاليا ...
- تهديد بوتين بالاستيلاء على سفن بريطانية استعراض سياسي، لكن ل ...
- ‏السعودية: نطالب إيران بالوقف الفوري للانتهاكات واحترام القا ...
- إطلاق سراح مبشر أمريكي بعد اختطافه في النيجر واحتجازه 9 شهور ...
- ثغرة أمنية صادمة.. جهاز صغير يمكنه اختراق أنظمة طائرات -بوين ...


المزيد.....

- السيرة النبويّة والتشريع في الإسلام / نور الدين البوثوري
- قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964). / عبدالرؤوف بطيخ
- معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د ... / صباح علي السليمان
- ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W ... / صباح علي السليمان
- السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020) / صباح علي السليمان
- أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح / ... / صباح علي السليمان
- الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017) / صباح علي السليمان
- الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ ... / صباح علي السليمان
- جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط ... / صباح علي السليمان
- اللهجات العربية في كتب غريب الحديث حتى نهاية القرن الرابع ال ... / صباح علي السليمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - كاظم الحناوي - الماطور… حين كان الفرات طريق الخضر إلى العالم