أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - حقوق الانسان - أيمن زهري - حادث الدواويس ... مَن الذي يعيش في عالمٍ موازي؟















المزيد.....

حادث الدواويس ... مَن الذي يعيش في عالمٍ موازي؟


أيمن زهري
كاتب وأكاديمي مصري، خبير السكان ودراسات الهجرة


الحوار المتمدن-العدد: 8796 - 2026 / 8 / 13 - 17:30
المحور: حقوق الانسان
    


حادث الدواويس في الإسماعيلية موجع بكل المقاييس، عشرات الضحايا والمصابين من عمال اليومية الذين كانوا يستقلون سيارتين ربع نقل، لكن وسط هذه المأساة برزت مأساة أخرى ربما كانت أكثر قسوة: عم محمد الذي فقد ستة من أبنائه في الحادث، ستة أشقاء خرجوا للعمل ولم يعودوا إلى بيتهم مرة أخرى.

الغريب أن جانبًا من النقاش على مواقع التواصل الاجتماعي لم يتوقف طويلًا أمام مأساة الرجل، وإنما انتقل سريعًا إلى سؤال آخر: لماذا أنجب ستة أبناء من الأصل؟ ووصلت القسوة بالبعض إلى استخدام تعبيرات من نوع "نطع بيبهدل عياله ويشحططهم ويمرمطهم".

لا أحب هذا النقد العنيف، ليس فقط لأن الرجل مكلوم وفقد ستة من أبنائه دفعة واحدة، وإنما لأن الشتيمة تغلق باب الفهم. مع ذلك، فالسؤال نفسه، بعد نزع القسوة والإهانة منه، سؤال مشروع: لماذا ينجب رجل محدود الدخل هذا العدد من الأبناء؟ وكيف يحدث ذلك بعد عقود من برامج تنظيم الأسرة ومئات الحملات والمشروعات والرسائل الإعلامية التي تتحدث عن الأسرة الصغيرة؟

السؤال يزداد إلحاحًا ونحن نتحدث الآن عن انخفاض معدل الإنجاب في مصر إلى مستويات أقل من طفلين ونصف للمرأة. فكيف يكون المتوسط قريبًا من 2.4 طفل، بينما هناك عم محمد الذي أنجب ستة؟

الإجابة الأولى والبسيطة أن المتوسط مجرد متوسط، ليس معنى أن معدل الإنجاب 2.4 طفل لكل امرأة أن كل امرأة مصرية تنجب طفلين ونصف (أو أن كل عشر نساء ينجبن 24 طفل)، فهناك من تنجب طفلًا واحداً، ومن تنجب اثنين، ومن لا تنجب، وهناك أيضًا من تنجب خمسة أو ستة أو أكثر. وراء المتوسط الوطني مجتمعات مختلفة ومستويات مختلفة من التعليم والدخل والعمل والحماية الاجتماعية، لذلك فإن انخفاض المتوسط لا يعني أن السلوك الإنجابي أصبح واحدًا في كل أنحاء مصر.

لكن حادث الدواويس يطرح سؤالًا آخر أكثر إزعاجًا: مَن الذي يعيش في عالمٍ موازي؟ هل هو عم محمد الذي ما زال ينجب ستة أبناء في مصر الحديثة، أم نحن الذين فوجئنا بأن هناك في مصر من ينجب ستة أبناء، وأن أبناءه يخرجون للعمل بهذه الطريقة؟ ربما يعيش الطرفان بالفعل في عالمين متوازيين.

كتبت من قبل عن العلاقة بين الإنجاب والحماية الاجتماعية، وهي علاقة أعتقد أننا لا نعطيها ما تستحقه من اهتمام. في المجتمعات الفقيرة أو التي لا يشعر فيها الناس بالأمان تجاه المستقبل، لا يكون الطفل مجرد طفل، وإنما يمكن أن يكون أيضًا شكلًا من أشكال الضمان الاجتماعي غير المكتوب، الأبناء يعملون ويساعدون الأسرة، ويقفون بجوار الوالدين عند المرض، وينفقون عليهما عند الشيخوخة، ويشكلون شبكة حماية عندما لا تكون هناك شبكة أخرى كافية.

هذا لا يعني أن الفقير يجلس بالقلم والورقة ويقرر أن ينجب ستة أبناء باعتبارهم وثيقة تأمين، البشر لا يتخذون قرارات الإنجاب بهذه الطريقة الميكانيكية، لكن الثقافة والسلوك يتشكلان عبر أجيال طويلة داخل بيئة اجتماعية واقتصادية معينة. عندما يكون الابن هو الذي سيحمل والده إلى الطبيب، والبنت هي التي سترعى أمها عندما تكبر، والأبناء هم الذين سيساهمون في دخل الأسرة، يصبح العدد الكبير من الأبناء مفهومًا بطريقة تختلف تمامًا عن نظرة أسرة لديها دخل ثابت وتأمين صحي ومدخرات ومعاش تقاعد كافي ومضمون.

من هنا يصبح السؤال عن نجاح برامج تنظيم الأسرة أكثر تعقيدًا، لقد نجحت هذه البرامج بالفعل في جوانب كثيرة، وانخفضت معدلات الإنجاب في مصر، لكن هل وصلت إلى عم محمد؟ وإذا وصلت إليه الرسالة، فهل تغير العالم المحيط به بالقدر الذي يجعل الرسالة مقنعة بالنسبة له؟ يمكن لبرنامج تنظيم الأسرة أن يوفر وسيلة منع الحمل وأن يقدم المشورة وأن يقول للأسرة إن طفلين أفضل من ستة، لكن البرنامج لا يستطيع وحده أن يضمن للأب علاجًا جيدًا عندما يمرض ولا معاشًا كافيًا عندما يكبر ولا تعليمًا جيدًا لطفليه ولا عملًا لائقًا لهما عندما يصبحان شابين، لذلك لا يجب النظر لتنظيم الأسرة كبديل عن التنمية والحماية الاجتماعية.

هذا ما حدث تاريخيًا، وبدرجات مختلفة، في المجتمعات الأوروبية، إذ أن انخفاض الإنجاب لم يكن نتيجة إتاحة وسائل تنظيم الأسرة فقط، وإنما جاء ضمن تحول اجتماعي واقتصادي طويل: انخفاض وفيات الأطفال وانتشار التعليم وتحسن الصحة واتساع أنظمة المعاشات والحماية الاجتماعية والتحضر وارتفاع مشاركة المرأة في التعليم والعمل وتغير شكل الأسرة نفسها. عندما أصبح الإنسان أكثر اطمئنانًا إلى أن بقاءه في الشيخوخة لا يعتمد أساسًا على عدد أبنائه، تغير السلوك الإنجابي.

لم يحدث ذلك في يوم وليلة، الثقة تحتاج إلى وقت، وربما إلى جيل كامل ولا يكفي أن تقول للناس إن التأمين الصحي موجود، وإنما يجب أن يستخدموه ويجدوه موجودًا بالفعل عندما يحتاجون إليه. لا يكفي أن تقول إن هناك معاشًا، وإنما يجب أن يروا آباءهم وأمهاتهم يعيشون به حياة كريمة، عندها فقط تبدأ الحسابات القديمة للأسرة في التغير.

المشكلة أيضًا أننا ننظر أحيانًا إلى برنامج تنظيم الأسرة كما لو أنه يعمل داخل بيئة مغلقة، بينما المجتمع المصري خلال العقود الماضية تعرض لتحولات هائلة؛ عشنا حروبًا كبرى وعانينا آثارها وتعرضنا لتحولات ثقافية عميقة وتغيرت مكانة المرأة وأدوارها وحدثت ثورات واضطرابات سياسية وعشنا أزمات اقتصادية متعاقبة ثم دخل العالم كله في أزمات وحروب وارتفاعات أسعار وأوبئة عالمية لم يكن أحد يتخيل حدوثها. وسط كل ذلك كنا نطلب من الأسرة أن تخطط للمستقبل، بينما المستقبل نفسه لم يكن دائمًا قابلًا للتوقع.

هذا كله لا يعفي عم محمد من المسؤولية، لا أريد تبرير الإنجاب المرتفع لمجرد أن الأسرة فقيرة، ولا شك إنجاب ستة أطفال مسؤولية ضخمة، والطفل له حق في التعليم والصحة والغذاء والسكن والحياة الكريمة، وليس مجرد حق الوالدين في الإنجاب، وإذا أنجب الإنسان عددًا من الأطفال يفوق قدرته على رعايتهم، فهناك بالتأكيد مسؤولية فردية يجب الحديث عنها، لكن المسؤولية الفردية ليست كل الحكاية.

حادث الدواويس نفسه يكشف جانبًا آخر من الصورة، فهؤلاء عمال يومية خرجوا بحثًا عن الرزق وكانوا يُنقلون في الصندوق الخلفي لسيارات ربع نقل، كما أن بعض ضحايا ومصابي الحادث كانوا في أعمار صغيرة، بحسب ما أعلنته النيابة، وإذا كان البعض قد رأى أن عم محمد قد "مرمط" أبناءه بإنجابه هذا العدد، فإن تفاصيل الحادث تدعونا على الأقل إلى النظر إلى الصورة الأوسع: ظروف العمل، ووسائل انتقال عمال اليومية ومستويات الدخل والحماية الاجتماعية والظروف التي تعيش فيها مثل هذه الأسر.

ربما كان من حقنا أن نسأل لماذا أنجب عم محمد ستة أبناء، لكن الإجابة لا ينبغي أن تتوقف عند حدود القرار الفردي وحده، إذ أنه من المفيد أيضًا أن نفهم لماذا يظل الأبناء في بعض الأسر جزءًا مهمًا من اقتصاد الأسرة وشبكة الأمان التي تعتمد عليها ولماذا تظل الأسرة الكبيرة منطقية في نظر بعض الناس، حتى لو بدت غير منطقية تمامًا في نظر الآخرين.

هنا نعود إلى العالمين المتوازيين، في عالم، الطفل تكلفة كبيرة منذ لحظة ولادته وحتى تخرجه من الجامعة، والأسرة تحسب تكلفة المدرسة والنادي والدروس والجامعة وربما السيارة والسكن في المستقبل، لذلك يبدو إنجاب ستة أطفال قرارًا يصعب حتى تخيله. في عالم آخر، تظل تكلفة تربية الطفل مختلفة، حيث يبدأ الأبناء العمل مبكرًا ويساهمون في دخل الأسرة، ثم يصبحون مع مرور السنوات سندًا للوالدين وإخوتهم الأصغر. لا أقول إن العالم الثاني أفضل، بل على العكس، أتمنى أن نخرج منه، لكن علينا أولًا أن نعترف بوجوده وأن نفهم منطقه.

إذا أردنا بالفعل أن ينجب عم محمد (أو من في عالمه) طفلين بدلًا من ستة، فلا يكفي أن نقول له إن طفلين أفضل من ستة، المطلوب أن تصبح الأسرة الصغيرة منطقية في عالمه هو أيضًا، وأن يطمئن إلى تعليم أبنائه وصحتهم ومستقبلهم، وأن يطمئن كذلك إلى مستقبله هو عندما يكبر. عندها يصبح تنظيم الأسرة اختيارًا يتوافق مع الواقع الذي يعيشه الإنسان، وليس مجرد رسالة يسمعها ثم يعود إلى حياة تقول له شيئًا آخر. هذا التحول لن يحدث فورًا، فالناس تحتاج إلى وقت لكي تصدق أن العالم تغير فعلًا، وربما نحتاج إلى جيل كامل حتى تتحول الثقة في التعليم والصحة والعمل والحماية الاجتماعية إلى جزء من الحسابات التي تصنع قرارات الأسرة.

حادث الدواويس مأساة إنسانية قبل أي شيء آخر، ولا ينبغي أن يتحول موت ستة أبناء إلى مناسبة لمحاكمة أبيهم على مواقع التواصل الاجتماعي، لكنه في الوقت نفسه يفتح نافذة على جانب من المجتمع ربما لا يراه كثيرون إلا من بعيد. أما أن ننظر إلى عم محمد من عالمنا ونسأله في دهشة واستنكار: "إنت خلفت ستة ليه؟"، فمن حقنا أن نسأل، لكن ربما ينبغي أن نحاول أولًا أن نفهم العالم الذي اتخذ فيه عم محمد قراره. عندها قد نكتشف أننا نحن أنفسنا نعيش في عالمٍ موازي.



#أيمن_زهري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الذكاء الاصطناعي: هل يلغي الوظائف؟
- مصر وإيجيبت: اللغة والفرز الاجتماعي!
- طفرة التحويلات إلى مصر: أموال جديدة أم عودة إلى القنوات الرس ...
- الصلاة خارج المسجد… هل تغيرت علاقتنا بالمكان؟
- فلاحات كفر عمرو دياب
- في اليوم العالمي لمكافحة الاتجار بالبشر: حين تتحول هشاشة الإ ...
- الفلحوسرسج: حين تسبق اللغة الشعبية العلوم الاجتماعية
- المعلوم من الثقافة المصرية بالضرورة
- هل أخطأنا بالفعل في ترجمة السوشيال ميديا؟
- ثورة 23 يوليو وذاكرة السمك
- أسياد الساحل الشمالي
- الهجرة والاغتراب في السينما المصرية
- أسماء المواليد مرآة للمجتمع: ماذا يخبرنا اسم “محمد” في إنجلت ...
- خمس رسائل في اليوم العالمي للسكان
- اليوم العالمي للسكان ... في عالم ما بعد القنبلة السكانية
- الدوائر السبعة للهوية المصرية: محاولة لإعادة التفكير في سؤال ...
- لماذا لا يحب المصريون السيارات الكهربائية؟
- اليوم العالمي للاجئين: كيف نمنع إنتاج اللاجئين؟
- مأزق الندرة السكانية في الخليج: هل حان وقت توسيع الجماعة الو ...
- من أسواق الرقيق إلى فيلم أسد: صفحة منسية من التاريخ الاجتماع ...


المزيد.....




- لندن تدعم بغداد في مكافحة الفساد وحصر السلاح
- سوريا.. ترحيب شعبي بأحكام الإعدام على رموز النظام المخلوع
- حرية الصحافة تحت المجهر في غابون بعد توقيف موقع إنفو 241
- إغلاق 200 مرفق صحي يفاقم معاناة النازحين في مقديشو
- محكمة روسية تصدر حكما غيابيا باعتقال حفيد شقيقة جون كينيدي
- الأمن الروسي.. مقتل عسكري بتفجير استهدفه في القرم واعتقال من ...
- تعذيب فلسطيني وربطه بسرير.. كيف حاسب الجيش الإسرائيلي جنوده؟ ...
- تصعيد خطير في الضفة: مستوطنون يحاصرون منازل بـ -قصرة- وحملة ...
- مستوطنون يقتحمون الأقصى واعتقال 33 فلسطينيا وإغلاق قُصرة بال ...
- الأونروا هي المدرسة وإثبات الوجود الوحيد للاجئ الفلسطيني


المزيد.....

- اتفاقية جوانب حقوق الملكية الفكرية المتصلة بالتجارة وانعكاسا ... / محسن العربي
- مبدأ حق تقرير المصير والقانون الدولي / عبد الحسين شعبان
- حضور الإعلان العالمي لحقوق الانسان في الدساتير.. انحياز للقي ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- فلسفة حقوق الانسان بين الأصول التاريخية والأهمية المعاصرة / زهير الخويلدي
- المراة في الدساتير .. ثقافات مختلفة وضعيات متنوعة لحالة انسا ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- نجل الراحل يسار يروي قصة والده الدكتور محمد سلمان حسن في صرا ... / يسار محمد سلمان حسن
- الإستعراض الدوري الشامل بين مطرقة السياسة وسندان الحقوق .. ع ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- نطاق الشامل لحقوق الانسان / أشرف المجدول
- تضمين مفاهيم حقوق الإنسان في المناهج الدراسية / نزيهة التركى
- الكمائن الرمادية / مركز اريج لحقوق الانسان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - حقوق الانسان - أيمن زهري - حادث الدواويس ... مَن الذي يعيش في عالمٍ موازي؟