أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قراءات في عالم الكتب و المطبوعات - سعد محمد عبدالله - قراءة في كتاب «مستقبل بلد بين جيشين»... حين تتحول إزدواجية القوة إلى أزمة دولة















المزيد.....

قراءة في كتاب «مستقبل بلد بين جيشين»... حين تتحول إزدواجية القوة إلى أزمة دولة


سعد محمد عبدالله
- شاعر وكاتب سياسي


الحوار المتمدن-العدد: 8794 - 2026 / 8 / 11 - 13:49
المحور: قراءات في عالم الكتب و المطبوعات
    


يمثل كتاب «مستقبل بلد بين جيشين: القصة الخفية للثنائية العسكرية في السودان» للكاتب والباحث علي فوزي، الذي أهداني نسخة منه، محاولة جادة لفهم واحدة من أعقد أزمات الدولة السودانية الحديثة، وهي أزمة وجود أكثر من مركز عسكري داخل الدولة الواحدة، ولهذا الوضع جذوره وتاريخه وآثاره الكارثية على السودان وشعبه؛ فالكتاب لا يقرأ مسألة الحرب السودانية الراهنة باعتبارها مواجهة عسكرية منفصلة، وإنما يضعها في سياق تاريخي وسياسي طويل إرتبط بتطور علاقة المؤسسة العسكرية بالسلطة، وتراجع مشروع بناء الدولة الوطنية القائمة على المؤسسات، والوحدة على أساس التنوع والمواطنة المتساوية في ظل سيادة حكم القانون، وقد إعتمد المؤلف على البحث والتوثيق والتحليل والإستنتاج الموضوعي، متناولًا جذور نشأة القوات الموازية وتطورها عبر الحقب الماضية، وإنعكاسات ذلك على طبيعة الدولة السودانية ومستقبلها، وتكمن أهمية هذا العمل في أنه يطرح سؤالًا محوريًا يتجاوز تفاصيل الحرب اليومية، وهو: كيف يمكن بناء دولة مستقرة في ظل وجود مراكز متعددة للقرار والقوة؟ فالكتاب يضع يده على جوهر الأزمة، مؤكدًا أن الصراع ليس مجرد خلاف بين قيادات عسكرية، بل هو تعبير عن خلل بنيوي أصاب مفهوم الدولة نفسها، وأضعف قدرتها على إدارة التنوع السياسي والإجتماعي ضمن إطار وطني جامع.

إن القراءة المتأنية للكتاب تكشف أن ظاهرة الثنائية العسكرية في السودان لم تظهر فجأة، بل جاءت نتيجة تراكمات طويلة من السياسات الخاطئة التي سمحت بتكوين قوى مسلحة خارج الإطار التقليدي للمؤسسة العسكرية، ويشير الكتاب إلى أن بناء القوات الموازية كان في بدايته مرتبطًا بحسابات سياسية وأمنية مؤقتة، لكنه تحول مع مرور الزمن إلى واقع معقد يمتلك الفاعلون فيه أدوات نفوذ خاصة، الأمر الذي خلق حالة من التنافس داخل بنية الدولة، وهذه القضية تمثل درسًا مهمًا في تاريخ بناء المؤسسات وإدارة شؤون الدول، إذ إنها تقودنا إلى حقيقة أن أي دولة تسمح بتعدد مراكز القوة المسلحة تكون معرضة لفقدان السيطرة على أدواتها السيادية، وتضع وحدتها وسلامة شعبها أمام إمتحان معقد يصعب إيجاد حل لمعادلاته الشائكة؛ كما يوضح الكتاب أن الأزمة السودانية لا يمكن معالجتها فقط عبر التسويات السياسية المؤقتة، لأن جذورها ترتبط بالإصلاح المؤسسي وإعادة تعريف دور المؤسسة العسكرية في قائمة الدولة، وهنا يجب التوجه بوضوح نحو دعم وحدة القوات المسلحة، وليس تفكيكها كما يتحدث البعض، وأعتقد أن هذه قراءة تحليلية دقيقة للواقع ومآلاته في المستقبل؛ فالدولة الحديثة تحتاج إلى جيش وطني مهني متطور يعبر عن إرادة الشعب ويحمي الوطن والدستور، لا إلى مليشيات مسلحة متنافسة تتصارع حول النفوذ والموارد، ومن هنا، فإن معالجة الأزمة تتطلب رؤية شاملة تجمع بين الإصلاح الأمني والمدني، والعدالة الإنتقالية، وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.

يتميز كتاب علي فوزي بسرد جاذب للقراء، من خلال محاولته وضع التجربة السودانية ضمن سياق أوسع، عبر مقارنتها بحالات إقليمية شهدت تعدد مراكز القوة المسلحة، وكان مآلها الإنهيار والدمار، كما هو الحال في السودان اليوم، ويوضح أن غياب المؤسسة الوطنية الموحدة يؤدي غالبًا إلى إضعاف الدولة وفتح الطريق أمام الصراعات الداخلية؛ غير أنني أرى أن وجود المؤسسة العسكرية دون أن تؤدي الدور المنوط بها كما ينبغي، بمعنى إنصرافها إلى قضايا بعيدة عن أهداف إنشائها، يجعلها في مواجهة المجتمع؛ كما أن فكرة تفكيك القوات المسلحة فكرة معطوبة لا تصلح لبناء دولة في المستقبل، ولكن الأصح والأصلح أن نضع كل شيء في مكانه الصحيح حتى لا تختلط الأشياء ببعضها؛ غير أن أهمية هذا الكتاب لا تكمن فقط في تفسير أسباب الأزمة، بل في دفع القارئ إلى التفكير في مستقبل السودان بعد الحرب، وكيفية الإنتقال من دولة تحكمها موازين القوة إلى دولة تحكمها مؤسسات وطنية ويحرسها القانون؛ فالتجربة السودانية تؤكد أن بناء السلام الحقيقي لا يتحقق بمجرد وقف إطلاق النار، وإنما يحتاج إلى حوار وطني عميق يقودنا نحو معالجة جذور الإنقسام، وإختلال التنمية بين الريف والمدينة، وقضايا الحقوق والحريات السياسية والمدنية، وإقامة مؤتمر قومي دستوري بغية صياغة عقد سياسي وإجتماعي جديد يضمن مشاركة جميع السودانيين في صناعة قرار الدولة وصياغة مستقبلها على أساس المواطنة دون فرز؛ بيد أن إصلاح القطاع الأمني يجب ألا يُنظر إليه باعتباره ملفًا فنيًا محدودًا، ولا مادة للإستهلاك السياسي والإعلامي، بل باعتباره قضية وطنية مرتبطة بمستقبل الدولة ووحدتها؛ إذ لا يمكن بناء الدولة مع وجود المليشيات المسلحة، وعلى رأسها الدعم السريع، وفي هذا السياق، ينجح الكتاب في تقديم مادة تحليلية مهمة تساعد الباحثين والمهتمين بالشأن السوداني على فهم العلاقة المعقدة بين السياسة والسلاح ومشروع بناء الدولة.

في المحصلة، فإن كتاب «مستقبل بلد بين جيشين» يعكس إهتمام الكاتب بقضايا جنوب الوادي، باعتباره صاحب قلم صادق من شمال الوادي، ويظل ما يجمع بين شمال وجنوب الوادي نيلًا وسلامًا ومحبة، ويمثل كتابه إضافة مهمة إلى مسرح النقاش حول مستقبل السودان، لأنه يطرح أسئلة عميقة حول طبيعة الدولة ومؤسساتها ومستقبل مشروعها الوطني؛ فالخروج من الأزمة السودانية لن يكون ممكنًا إلا عبر إعادة تأسيس مفهوم الدولة على قاعدة سيادة القانون، ووحدة المؤسسات، وإحتكار الدولة للقوة المشروعة، وتأكيد الهوية السودانوية كما عرفها د. جون قرنق، الذي طرح رؤية التخلص من رواسب التاريخ وبناء السودان الجديد الآمن والناهض والمزدهر، ولذلك، فإن إستمرار الإنقسام العسكري يعني إستمرار هشاشة الدولة، بينما يمثل بناء مؤسسة عسكرية وطنية واحدة خطوة أساسية نحو الإستقرار والتنمية والتحول الديمقراطي، وهذا ما نصت عليه إتفاقية جوبا لسلام السودان، التي تعثرت مراحل تطبيقها بسبب التحولات الجارية في الساحة السودانية منذ التوقيع عليها، ومن هذه الزاوية، فإن الكتاب لا يقدم فقط قراءة للماضي ومتطلبات الحاضر، بل يوجه رسالة جوهرية للمستقبل، مفادها أن السودان يحتاج إلى مشروع وطني توافقي يتجاوز الصراعات الضيقة، ويعيد الإعتبار للمواطن الصامد والجسور باعتباره محور الدولة وغايتها، لذلك، فإن أهمية هذا العمل تتجاوز كونه دراسة سياسية، ليصبح مساهمة في مسارات الحوار النوراني حول كيفية تحرير الدولة السودانية وإعادة بنائها على أسس أكثر عدلًا وإستقرارًا.



#سعد_محمد_عبدالله (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تصريح صحفي: إتصال هاتفي مع نائب رئيس مجلس السيادة حول مستقبل ...
- وداعًا الأستاذة حليمة محمد عبدالله
- الدبلوماسية السودانية في مسار العودة إلى الهيئات الإقليمية
- ذكرى رحيل القائد د. جون قرنق
- ومضات من خطاب القائد مالك عقار في المنتدى السوداني العربي
- تأكيد موقف السودان تجاه القرارات الأمريكية
- موقف الحكومة السودانية تجاه العقوبات الأمريكية
- قصيدة - دُرَّةُ الوجود
- وحدة الساحل الإفريقي على منضدة قمة إيكواس
- تعقيب على مقال عمار نجم الدين بعنوان «أبيي بين السيادة ووظيف ...
- أبيي بين الشرعية القانونية وفرص التكامل المستقبلي
- عندما تتطابق القراءة مع موقف الدولة
- السودان بين المفاوضات السياسية والمغالطات الإعلامية
- قراءة حول موقف السودان تجاه قرار مجلس حقوق الإنسان
- لقاءات القائد مالك عقار: قراءة في الدبلوماسية السودانية وتحو ...
- جرائم الحرب في السودان لا تسقط بالتقادم، والعدالة آتية لكل ذ ...
- النَّهْرُ
- قراءة المشهد السياسي والأمني السوداني في ظل المتغيرات الإقلي ...
- مجلس الأمن الدولي: تضاد المواقف والأزمة مستمرة
- السودان في قلب الصراع الإفريقي على مسرح العالم الجديد


المزيد.....




- إيران: مشروع قانون هرمز لا يتضمن أي إشارة إلى دول محددة ولكن ...
- إسرائيل تواصل التصعيد جنوب لبنان.. غارات على سيارة إسعاف وقص ...
- الأمن الروسي: توقيف مجموعة من المتورطين في تشغيل أجهزة -سيم ...
- مقطع متداول يوثق حجم التخريب في مدينة ماري الأثرية شرقي سوري ...
- وزير الزراعة يلتقي وفداً من رجال الأعمال الأتراك لبحث فرص ا ...
- وزيرة التنمية المحلية والبيئة تبحث مع محافظ القليوبية تطوير ...
- التعليم العالي: غدًا بدء تسجيل رغبات المرحلة الثانية للتنسيق ...
- النائب تامر عبدالحميد: دعم التصنيع المحلي وتوفير بيئة جاذبة ...
- صراع إرادات بين واشنطن وطهران... ترامب يرد على شروط إيران بم ...
- سوريا: القضاء يحكم غيابيا على الرئيس المخلوع بشار الأسد بالإ ...


المزيد.....

- قراءة في -العقل والثورة- -2 / نايف سلوم
- قراءة تفكيكية في رواية - ورقات من دفاتر ناظم العربي - لبشير ... / رياض الشرايطي
- نظرية التطور الاجتماعي نحو الفعل والحرية بين الوعي الحضاري و ... / زهير الخويلدي
- -فجر الفلسفة اليونانية قبل سقراط- استعراض نقدي للمقدمة-2 / نايف سلوم
- فلسفة البراكسيس عند أنطونيو غرامشي في مواجهة الاختزالية والا ... / زهير الخويلدي
- الكونية والعدالة وسياسة الهوية / زهير الخويلدي
- فصل من كتاب حرية التعبير... / عبدالرزاق دحنون
- الولايات المتحدة كدولة نامية: قراءة في كتاب -عصور الرأسمالية ... / محمود الصباغ
- تقديم وتلخيص كتاب: العالم المعرفي المتوقد / غازي الصوراني
- قراءات في كتب حديثة مثيرة للجدل / كاظم حبيب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قراءات في عالم الكتب و المطبوعات - سعد محمد عبدالله - قراءة في كتاب «مستقبل بلد بين جيشين»... حين تتحول إزدواجية القوة إلى أزمة دولة