أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الارهاب, الحرب والسلام - سعد محمد عبدالله - جرائم الحرب في السودان لا تسقط بالتقادم، والعدالة آتية لكل ذي حق















المزيد.....

جرائم الحرب في السودان لا تسقط بالتقادم، والعدالة آتية لكل ذي حق


سعد محمد عبدالله
- شاعر وكاتب سياسي


الحوار المتمدن-العدد: 8754 - 2026 / 7 / 2 - 15:55
المحور: الارهاب, الحرب والسلام
    


يمثل الملف الإنساني في السودان أحد أكثر الملفات تعقيدًا وإيلامًا، إذ يكشف حجمًا كبيرًا من المعاناة التي عاشها المدنيون في مناطق النزاع، وما خلفته الحرب من آثار إنسانية وإجتماعية عميقة، وقد توالت خلال الفترة الماضية تقارير وشهادات صادرة عن جهات رسمية ومنظمات حقوقية تتحدث عن إنتهاكات جسيمة شملت القتل والتهجير القسري والتعذيب والعنف الجنسي، وهي وقائع تستوجب التحقيق والمساءلة وفقًا للقانون السوداني والقانون الدولي الإنساني، وفي هذا السياق، جددت اللجنة الوطنية للتحقيق في الجرائم والإنتهاكات إتهامها لمليشيا الدعم السريع باستخدام الإغتصاب كسلاح حرب، مشيرة إلى تسجيل أكثر من 2200 بلاغ، مع إستمرار جهود التوثيق وجمع الإفادات والأدلة؛ كما أعلنت عضو اللجنة، روضة إدريس عبد القادر، عن تشكيل فرق متخصصة لتوثيق هذه الجرائم، إلى جانب لجان لإستقبال الشكاوى من المتضررين، ولا سيما القادمين من إقليم دارفور ومدينة الفاشر، وتعكس هذه الجهود أهمية بناء ملفات قانونية تستند إلى الأدلة الموثقة، بما يضمن عدم ضياع حقوق الضحايا، ويؤسس لمسار عدلي يحترم حقوق المواطن السوداني والمعايير الدولية لتحقيق العدالة، فالإنتهاكات الجسيمة التي تطال المدنيين لا ينبغي أن تبقى مجرد أرقام تُوضع في التقارير، بل يجب أن تتحول إلى قضايا قانونية تنظر فيها الجهات المختصة، بما يكفل إنصاف الضحايا ومحاسبة المسؤولين عنها دون أي تردد أو تأخير، أياً كانت مواقعهم أو الجهات التي ينتمون إليها، لأن تحقيق العدالة يمثل ركيزة أساسية لإعادة بناء الثقة، وترسيخ قيم السلام، ومنع تكرار مثل هذه الإنتهاكات مستقبلاً.

في موازاة الجهود الوطنية، برزت خلال الأشهر الماضية تحركات قانونية وحقوقية على المستوى الإقليمي والدولي تؤكد أن الإنتهاكات المرتكبة في السودان أصبحت محل إهتمام متزايد من المؤسسات المعنية بالعدالة الدولية؛ فقد رفعت الحكومة السودانية، إلى جانب عدد من المنظمات الحقوقية والإنسانية، تقارير وملفات إلى الأمم المتحدة والإتحاد الإفريقي والإيقاد والمحكمة الجنائية الدولية، تضمنت معلومات وشهادات موثقة حول الإنتهاكات المنسوبة إلى مليشيا الدعم السريع الإرهابية؛ كما تداولت وسائل إعلام دولية خبرًا عن أن إئتلافًا من منظمات حقوقية وقانونية، بقيادة مركز راؤول والينبرغ لحقوق الإنسان، تقدم بمذكرة إلى المحكمة الجنائية الدولية إستنادًا إلى المادة (15) من نظام روما الأساسي، وقد طالب فيها بفتح تحقيق شامل بشأن مزاعم تتعلق بالتحريض أو المساهمة في إرتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في السودان من قبل حكومات الإستعمار الداعمة والممولة للمتمردين، وفي السياق ذاته، تتزايد التساؤلات حول مسؤولية كل الأطراف التي يثبت دعمها أو تسهيلها للأعمال العسكرية المخالفة للقانون الدولي، سواء كانت أطرافًا داخلية أو خارجية، إذ إن قواعد القانون الدولي لا تقتصر على محاسبة المنفذين المباشرين للجرائم فحسب، وإنما تمتد إلى كل من يثبت تورطه بالمساندة أو التمويل أو التحريض وفقًا للإجراءات القضائية المختصة، وتؤكد هذه التطورات أن توثيق الجرائم، وحفظ الأدلة، والإستمرار في التعاون مع الآليات الدولية، يمثل مسارًا ضروريًا لضمان عدم إفلات أي مجرم من المساءلة، ولإيصال صوت الضحايا إلى المنابر القضائية المختصة، بما يعزز فرص تحقيق العدالة وإنصاف المتضررين وفق الأطر القانونية المعترف بها دوليًا.

في ظل إستمرار النزاع، تتزايد التحذيرات الصادرة عن المنظمات الحقوقية والإنسانية ومسؤولين إقليميين ودوليين من خطورة إتساع رقعة الأزمة الإنسانية، خاصة مع المخاوف المرتبطة باستهداف المدن ذات الكثافة السكانية العالية، وقد أشارت تقارير حقوقية إلى وقوع إنتهاكات خطيرة بحق المدنيين في عدد من المناطق، بينما دعت جهات دولية إلى إتخاذ إجراءات أكثر فاعلية لحماية السكان وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق؛ كما عبّر عدد من المسؤولين الدوليين عن قلقهم من إحتمال وقوع مزيد من الإنتهاكات إذا إستمرت الهجمات الإرهابية ضد المدن المأهولة بالسكان، مؤكدين أن حماية المدنيين تمثل إلتزامًا قانونيًا وأخلاقيًا لا يجوز التهاون فيه أبدًا، وفي المقابل، تؤكد الحكومة السودانية أنها تعمل بجهد على إستعادة الأمن، وتوفير الخدمات الأساسية، وتهيئة الظروف المناسبة لعودة النازحين واللاجئين إلى مناطقهم، مع المضي في إعادة تأهيل البنية التحتية التي دمرتها الحرب، ويظل نجاح هذه الجهود مرتبطًا بتكاتف الإرادة الوطنية وصمود الشعب والحكومة معًا، ودعم المجتمع الدولي للمبادرات الرامية إلى تثبيت أعمدة الإستقرار، وتعزيز سيادة القانون، وإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس العدالة والمواطنة دون فرز أو تمييز؛ كما أن إنهاء معاناة المدنيين يتطلب وقفًا دائمًا للعنف بشرط إبعاد مليشيا الدعم السريع عن المواقع السكنية، وإطلاق مسارات حقيقية للمصالحة الوطنية، إلى جانب توفير ضمانات قانونية تكفل عدم تكرار الإنتهاكات مستقبلاً؛ فالسودان يمتلك من الموارد والإمكانات ما يؤهله لتجاوز هذه المحنة، غير أن ذلك لن يتحقق إلا بإعلاء قيم العدالة، وإحترام حقوق الإنسان، وتغليب المصلحة الوطنية على أي إعتبارات أخرى، بما يفتح الطريق أمام مرحلة جديدة من الأمن والإستقرار والتعافي والتنمية المستدامة.

إن مسار العدالة، مهما طال، يظل أحد أهم الضمانات لإغلاق صفحات النزاعات على أسس قانونية تحفظ حقوق الضحايا وتصون كرامة الإنسان، وقد شهدت تجارب دول عديدة أن الجرائم الجسيمة لا تُمحى بمرور الزمن، بل تبقى محل متابعة قانونية إلى أن تستكمل إجراءات التحقيق والمحاكمة وفقًا للمعايير الدولية والوطنية، وقد حدث ذلك في جنوب افريقيا وسيراليون وألمانيا وكمبوديا وغيرها من النماذج العالمية، وفي هذا الإطار، تواصل الحكومة السودانية تحركاتها الدبلوماسية مع المؤسسات الدولية، مؤكدة إلتزامها بالتعاون مع الآليات المعنية بحقوق الإنسان، والعمل على تنفيذ برامج إعادة الإعمار، وتأهيل البنية التحتية، وتهيئة البيئة المناسبة لعودة النازحين واللاجئين إلى مناطقهم، وتمثل اللقاءات التي يجريها المسؤولون السودانيون مع الهيئات الدولية فرصة لعرض تطورات الأوضاع، وشرح الرؤية الحكومية لإدارة المرحلة الإنتقالية، وحشد الدعم الدولي لجهود السلام والإستقرار، وفي المقابل، فإن المجتمع الدولي مطالب بالإستمرار في توفير الدعم اللازم للمبادرات الرامية إلى حماية المدنيين، وتعزيز المساءلة، وتقديم المساعدة الإنسانية، بما يسهم في إنهاء معاناة ملايين السودانيين المعذبين، وتحقيق العدالة لا ينبغي أن يكون شعارًا سياسيًا يُرفع في المحافل ثم يترك حيث رُفع، إلي حين إشعار آخر، بل إلتزامًا قانونيًا وأخلاقيًا يضمن عدم إفلات أي شخص تثبت مسؤوليته عن إرتكاب الجرائم من المحاسبة أمام القضاء المختص، مع إحترام ضمانات المحاكمة العادلة وسيادة القانون؛ فالدول تُبنى بالعدل، والسلام الحقيقي لا يتحقق إلا عندما يشعر الضحايا بأن حقوقهم قد أُعيدت، وأن الحقيقة قد ظهرت، وأن القانون قد أخذ مجراه دون إنتقائية أو تمييز، وعندها فقط يمكن للسودان أن يطوي صفحات الحروب، وينطلق نحو مستقبل أكثر أمنًا وإستقرارًا، يقوم على أسس الحوار الموضوعي، والمصالحة الوطنية، وسيادة القانون، وإحترام الكرامة الإنسانية، وترسيخ قواعد دولة المؤسسات التي يتطلع إليها جميع السودانيين.



#سعد_محمد_عبدالله (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- النَّهْرُ
- قراءة المشهد السياسي والأمني السوداني في ظل المتغيرات الإقلي ...
- مجلس الأمن الدولي: تضاد المواقف والأزمة مستمرة
- السودان في قلب الصراع الإفريقي على مسرح العالم الجديد
- قصيدة - سحر الطبيعة
- السودان والساحل الإفريقي في مواجهة تمدد الإرهاب والعنف المسل ...
- قراءة أوراق دول البحيرات العظمى وتحديات الطريق نحو المستقبل
- قصيدة - أَنَا وَالطَّبِيعَــةُ
- قراءة تصريحات القائد مالك عقار حول مسار العلاقات السودانية ا ...
- السودان والولايات المتحدة: بداية صفحة جديدة من الحوار والتعا ...
- السودان بين الحراك السياسي والدبلوماسي وفرص تعزيز السلام وال ...
- السودان وإفريقيا: هل هنالك طريق للسلام والتنمية؟
- قراءة المواقف الدولية ودلالات إنتخاب السودان نائبًا لرئيس ال ...
- قراءة حول حوار الأيدولوجيات وصراع المصالح في السودان ومصر
- السودان وروسيا: علاقات تاريخية متجددة للعبور نحو المستقبل
- يوم أفريقيا: أسئلة الأجيال الجديدة في الطريق نحو المستقبل
- الإتحاد الإفريقي: بناء السلام والإستقرار الإقليمي في خضم الت ...
- الطريق نحو السودان الجديد
- الحركة الشعبية في ذكراها الخامسة والأربعين: قراءة صفحات الكف ...
- نظرة على المواقف الدولية الجديدة تجاه القضية السودانية


المزيد.....




- زلزال سياسي يهدد مودي.. فضيحة فساد في معبد بناه على أنقاض مس ...
- من الجو والبر.. هذه أبرز التهديدات الأمنية التي تواجه إيران ...
- الجيش الإسرائيلي يحذّر: نقص حاد في القوى البشرية يهدد الجاهز ...
- طهران تبدأ مراسم تشييع المرشد الراحل: هل يظهر مجتبى خامنئي ف ...
- تشريعيات الجزائر تسجل أدنى نسبة مشاركة في تاريخ البلاد: لماذ ...
- معرض -فلسطين المقتلعة- يشعل أزمة سياسية في كندا بعد انتقاد و ...
- -اتفاق الإطار لا يشرّع الاحتلال-.. الرئيس اللبناني: إسقاط ال ...
- محور بلا معاهدة! .. لماذا تخشى الولايات المتحدة تقارب خصومها ...
- يوليان ناغلمسان.. سقوط مفاجئ لمدرب موهوب!
- مدفيديف يصل إلى طهران ممثلا لروسيا إلى مراسم تشييع المرشد ال ...


المزيد.....

- حين مشينا للحرب / ملهم الملائكة
- لمحات من تاريخ اتفاقات السلام / المنصور جعفر
- كراسات شيوعية( الحركة العمالية في مواجهة الحربين العالميتين) ... / عبدالرؤوف بطيخ
- علاقات قوى السلطة في روسيا اليوم / النص الكامل / رشيد غويلب
- الانتحاريون ..او كلاب النار ...المتوهمون بجنة لم يحصلوا عليه ... / عباس عبود سالم
- البيئة الفكرية الحاضنة للتطرّف والإرهاب ودور الجامعات في الت ... / عبد الحسين شعبان
- المعلومات التفصيلية ل850 ارهابي من ارهابيي الدول العربية / خالد الخالدي
- إشكالية العلاقة بين الدين والعنف / محمد عمارة تقي الدين
- سيناء حيث أنا . سنوات التيه / أشرف العناني
- الجدلية الاجتماعية لممارسة العنف المسلح والإرهاب بالتطبيق عل ... / محمد عبد الشفيع عيسى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الارهاب, الحرب والسلام - سعد محمد عبدالله - جرائم الحرب في السودان لا تسقط بالتقادم، والعدالة آتية لكل ذي حق