أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - نبيل رومايا - التحرش في العراق... ظاهرة صامتة يدفع ثمنها المجتمع















المزيد.....

التحرش في العراق... ظاهرة صامتة يدفع ثمنها المجتمع


نبيل رومايا

الحوار المتمدن-العدد: 8794 - 2026 / 8 / 11 - 04:50
المحور: المجتمع المدني
    


من شارع التانكي إلى الجامعات وأماكن العمل والفضاء الإلكتروني... المشكلة ليست في المرأة التي خرجت إلى الشارع، بل في مجتمع لم يحسم بعد موقفه من حقها في الأمان.
في كل صباح، تخرج آلاف العراقيات إلى الجامعات والمدارس والدوائر والأسواق وأماكن العمل. يحملن حقائبهن وأحلامهن وهموم الحياة اليومية، لكن كثيرات يحملن مع ذلك شيئًا آخر لا يظهر في الصور ولا تسجله الإحصاءات بسهولة، "الحذر".
"الحذر"، من كلمة في الشارع، أو سيارة تبطئ إلى جوار الرصيف، أو ملاحقة، أو يد تمتد في مكان مزدحم، أو مسؤول يستغل موقعه، أو رسالة إلكترونية تبدأ بالمضايقة وقد تنتهي بالتهديد والابتزاز.
قد تبدو هذه حوادث متفرقة، لكنها حين تتكرر في الشارع والجامعة والعمل والفضاء الإلكتروني، لا تعود مجرد سلوكيات فردية. إنها تطرح سؤالًا اجتماعيًا وقانونيًا أكبر عن معنى الحرية والأمان في الفضاء العام.
وأعادت حادثة شارع التانكي في منطقة المنصور ببغداد القضية إلى واجهة النقاش العام في آب/أغسطس 2026، بعدما انتشر مقطع مصور يظهر ملاحقة فتاة في الشارع من قبل عدد من السيارات.
تحركت السلطات بعد انتشار الفيديو، وأُعلن توقيف عدد من المتهمين واتخاذ الإجراءات القانونية بحقهم استنادًا إلى المادة 402 من قانون العقوبات.
لكن المشهد الأكثر أهمية لم يكن ما حدث في الشارع وحده، بل ما حدث بعده على مواقع التواصل الاجتماعي.
فإلى جانب الأصوات التي أدانت الملاحقة وطالبت بالمحاسبة، ظهرت أسئلة عن الفتاة نفسها.
لماذا خرجت في ذلك الوقت، ماذا كانت ترتدي، ولماذا كانت وحدها؟
فالشارع العام لا يفقد صفته القانونية بعد منتصف الليل، وكرامة الإنسان لا تصبح مشروطة بملابسه أو ساعة خروجه.
الصعوبة الأولى في مناقشة التحرش في العراق هي غياب قاعدة وطنية حديثة ومنتظمة تقيس جميع أشكاله، ولذلك ينبغي تجنب الأرقام المتداولة التي تخلط بين التحرش والعنف الأسري والاعتداء الجنسي والعنف القائم على النوع الاجتماعي.
لكن البيانات المتاحة تقدم مؤشرات مهمة. ففي مسح الباروميتر العربي 2019، 33% من النساء ذكروا انهن تعرضوا لتحرش جنسي لفظي.
وذكرت بيانات أحدث للباروميتر العربي، نُشرت في 2024، أن 79% من العراقيين يرون أن التحرش بالنساء في أماكن العمل شائع، و82% يرون أنه شائع في الأماكن العامة.
فلماذا تصمت الضحية؟ لأن الشكوى قد تكون مكلفة، الطالبة قد تخشى أن تمنعها أسرتها من الجامعة، الموظفة قد تخشى فقدان عملها، والمرأة قد تخشى التشهير والانتقام.
وقد أشار مجلس القضاء الأعلى العراقي إلى أن قلة الشكاوى ترتبط بطبيعة المجتمع والخشية من الإفصاح، كما تناول وجود التحرش ضد النساء والأطفال وحتى الرجال، وامتداده إلى الفضاء الإلكتروني.
وهنا تصبح المشكلة مضاعفة، فالمتحرش قد ينسى ما فعله بعد دقائق، بينما تقضي الضحية وقتًا طويلًا تدافع عن نفسها أمام مجتمع يسألها لماذا حدث ذلك لها.
القانون العراقي يتناول بعض صور التحرش، لكن بصورة موزعة بين أكثر من نص:
فالمادة 402 من قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969 تعاقب من يتعرض لامرأة في مكان عام بأقوال أو فعال أو إشارات تخدش الحياء، كما تتناول طلب أمور مخالفة للآداب من آخر.
لكن القانون صدر قبل أكثر من نصف قرن، في زمن لم تكن فيه منصات التواصل الاجتماعي أو الحسابات الوهمية أو التحرش الرقمي والابتزاز الإلكتروني بالشكل المعروف اليوم.
أما قانون العمل رقم 37 لسنة 2015، فهو أكثر وضوحًا، إذ تحظر المادة العاشرة التحرش الجنسي في الاستخدام والمهنة، سواء في البحث عن العمل أو التدريب أو التشغيل أو ظروف العمل، كما تحظر خلق بيئة عمل ترهيبية أو معادية أو مهينة.
ويعرف القانون التحرش باعتباره سلوكًا جسديًا أو شفهيًا ذا طبيعة جنسية أو سلوكًا قائمًا على الجنس يمس كرامة النساء أو الرجال ويكون غير مرغوب فيه، كما تنص المادة 11 على عقوبات بحق من يخالف هذه الأحكام.
وأخطر أشكال التحرش هي التي تقع في علاقة غير متكافئة، مثل أستاذ وطالبة، مدير وموظفة، مسؤول وصاحبة معاملة، شخص نافذ ومن يحتاج إلى توقيعه أو موافقته، وكذلك تحرش الشارع.
وقد شهد العراق خلال السنوات الأخيرة قضايا واتهامات في مؤسسات جامعية وصلت بعض وقائعها إلى التحقيق والقضاء، ما أعاد طرح الحاجة إلى آليات سرية ومستقلة لتقديم الشكاوى داخل المؤسسات التعليمية.
ومنصات التواصل الاجتماعي أصبحت شارعًا آخر، فلم يعد المتحرش بحاجة إلى أن يقف عند زاوية شارع، يكفي أن يجد حسابًا على الإنترنت ويبدأ التحرش.
ولهذا أصبح التحرش الإلكتروني واحدًا من أكثر أوجه المشكلة تعقيدًا، لأن المتحرش يستطيع دخول الحياة الخاصة للضحية من خلف شاشة، وقد يستطيع إعادة التواصل حتى بعد الحظر.
ولكن قضية التحرش لم تبدأ اليوم، فهذه القضية ليست منفصلة عن النقاش الأوسع حول حقوق المرأة والعنف والتمييز في العراق، وهي موضوعات تناولتُها في مقالات سابقة لي.
ففي مقال «العنف الأسري وحقوق المرأة العراقية وسيداو» عام 2022، تناولتُ ضرورة حماية المرأة من العنف والتمييز.
وفي مقال «الجندر والعنف الأسري ومجلس النواب العراقي» عام 2023، ناقشتُ الجدل السياسي والاجتماعي حول قوانين مواجهة العنف الأسري وحقوق المرأة.
وفي مقال «العراق ليس فاشلًا... بل يُدار بالفشل» مطلع عام 2026، أشرتُ مباشرة إلى أن التحرش في العراق ليس مجرد «سلوك فردي عابر»، بل مشكلة أوسع ترتبط بالقيم والمؤسسات وأمن المجتمع.
ولهذا فإن العودة إلى الموضوع اليوم ليست تكرارًا، بل امتداد لسؤال. هل تستطيع المرأة العراقية أن تعيش في وطنها من دون أن تدفع ثمن كونها امرأة؟
نحن لا يمكن أن نُحمل النساء طوال حياتهن مسؤولية تجنب المتحرش، ثم نعفي المجتمع من مسؤولية تربية أبنائه على ألّا يصبحوا متحرشين. المجتمع والقوانين يجب أن تتغير.
وبحسب منظمات دولية وناشطون ورجال دين، فأن العادات والتقاليد والقيم العشائرية والتفسير "الخاطئ" لتعاليم الأديان السماوية والصراعات الطائفية تسببت في انتشار العنف ضد المرأة بالعراق و"الانتقاص من حقوقها". وإن العراق ما يزال يسجل نسب مرتفعة في مجال خرق حقوق الإنسان عامة والمرأة خاصة، كما يسجل حالات عنف وقتل ضد النساء تندرج في أغلبها ضمن جرائم الشرف التي ما تزال الحكومة عاجزة عن ردعها بسبب عدم وجود القوانين الضامنة لحقوق المرأة ومعاقبة من يعنفها.
ولكن بالرغم من كل ذلك فيبقى هناك الأمل في شبابنا ومجتمعنا، فقد خلت المظاهرات العراقية التي انطلقت في الأول من تشرين الأول 2019 من ظاهرة التحرش أو الانتقاص من دور المرأة، فكانت المرأة تقف جنباً إلى جنب مع الرجل لإنجاح الحركة الاحتجاجية ونيل جميع المطالب. ولعل ذلك يعود إلى الوعي الكبير لدى المحتج العراقي الذي بدأ يساند ويدافع عن قضية المرأة وحقوقها.
11 أب 2026
هوامش ومصادر مختصرة
1. الباروميتر العربي، بيانات العراق الأحدث: 79% يرون التحرش بالنساء في مكان العمل شائعًا، و82% يرونه شائعًا في الأماكن العامة.
https://www.arabbarometer.org/media-news/amid-persistent-challenges-iraqis-express-cautious-optimism-in-latest-survey/

2. مجلس القضاء الأعلى العراقي: تقرير حول التحرش، قلة الشكاوى، المادة 402، والتحرش الإلكتروني.
https://www.sjc.iq/view.70445/

3. قانون العمل العراقي رقم 37 لسنة 2015، المادة 10 وما يليها: النص الرسمي المنشور عن وزارة العدل العراقية.
https://www.moj.gov.iq/uploaded/4386.pdf

4. نبيل رومايا، «العنف الأسري وحقوق المرأة العراقية وسيداو»، 26 تشرين الثاني/نوفمبر 2022
https://idu.net/mod.php?mod=news&modfile=item&itemid=47786

5. نبيل رومايا، «الجندر والعنف الأسري ومجلس النواب العراقي»، 2 آب/أغسطس 2023
https://idu.net/mod.php?mod=news&modfile=item&itemid=48480

6. نبيل رومايا، «العراق ليس فاشلًا... بل يُدار بالفشل»، 4 كانون الثاني/يناير 2026
https://idu.net/mod.php?mod=news&modfile=item&itemid=50467

7. حادثة شارع التانكي، المنصور – بغداد، آب/أغسطس 2026: تقارير إخبارية وبيانات متداولة عن توقيف عدد من المتهمين وفق المادة 402 من قانون العقوبات العراقي.

8. منصات الذكاء الاصطناعي



#نبيل_رومايا (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- انتفاضة تشرين 2019 وبرنامج رئيس الوزراء علي الزيدي: بين ذاكر ...
- بين السلطجي وأيمن حسين... ينتظر الوطن
- في يوم الأرض: حين طرق الماء أبوابنا…
- العراق بين فكي النار: هجمات الخارج وهجمات الداخل
- العراق وإعادة سؤال الدولة
- المناخ العراقي: الخطر الذي يُدار بالإنكار
- العراق ليس فاشلاً… بل يُدار بالفشل
- في لعبة الجيران والماء… العراق يخسر
- بعد انتخابات تشرين الثاني 2025… العراق بين استقرارٍ هش وتغيي ...
- الديمقراطية العراقية… بين الطموح والواقع ... وحظوظ القوى الم ...
- المفهوم السياسي لثقافة القطيع
- ماذا عن مشروع قانون حرية التعبير عن الرأي، والاجتماع، والتظا ...
- الوضع الاجتماعي والثقافي في العراق في ضوء دراسات علي الوردي
- مياه العراق، وقناني الشرب المعبأة، ودول الجوار
- في عيد الأرض، البيئة العراقية في خطر
- هل عراقيو الخارج ... عراقيون
- نجلة ... والعراق
- أن الاوان للتغيير في النهج والممارسة ونمط التفكير وطريقة إدا ...
- في عيد امنا الأرض، أطفالنا في خطر
- البصرة ... والتقاليد والشريعة... وياعشكَنا


المزيد.....




- تعليق عودة النازحين الأكراد إلى رأس العين عقب اعتداءات طالت ...
- ألمانيا تستأنف إعادة الآلاف من طالبي اللجوء إلى إيطاليا والي ...
- ازدياد عدد اللاجئين القادمين من مالي بمخيم أمبرة شرقي موريتا ...
- إسبانيا.. بعد تسلل 72 ألف مهاجر.. حاكم سبتة يطلب مركزا عاج ...
- كلية الحقوق بجامعة القدس تتأهل إلى نهائيات مسابقة المحكمة ال ...
- عادل الجوهري: توجيهات الرئيس السيسي بشأن العقارات رسالة حاسم ...
- -لا خطوط حمراء- الزيدي يطرح موازنة جديدة وخطة لمكافحة الفساد ...
- منظمات حقوقية تطالب بالإفراج عن المسلمين الشيعة المحتجزين في ...
- الشرع يبحث مع برهم صالح عودة اللاجئين والتعافي المبكر في سور ...
- لبنان.. الجيش يوضح حقيقة مقاطع فيديو متداولة حول تعذيب موقوف ...


المزيد.....

- مدرسة غامضة / فؤاد أحمد عايش
- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - نبيل رومايا - التحرش في العراق... ظاهرة صامتة يدفع ثمنها المجتمع