أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الطبيعة, التلوث , وحماية البيئة ونشاط حركات الخضر - نبيل رومايا - في يوم الأرض: حين طرق الماء أبوابنا…














المزيد.....

في يوم الأرض: حين طرق الماء أبوابنا…


نبيل رومايا

الحوار المتمدن-العدد: 8683 - 2026 / 4 / 20 - 22:15
المحور: الطبيعة, التلوث , وحماية البيئة ونشاط حركات الخضر
    


في صباحٍ مثقلٍ بالمطر، لم يكن صوت الماء في العراق هذا العام مجرد خلفيةٍ هادئة، بل كان حاضرًا بقوة، يطرق الأبواب، ويملأ الشوارع، ويترك في القلب شيئًا من القلق… وشيئًا من الرجاء، في يوم الأرض، وجدت نفسي أفكر: هل ما نراه كارثة؟ أم رسالة؟
لا يمكنني أن أنسى تلك الصور، شوارع تحوّلت إلى أنهار، سيارات توقفت في منتصف الطريق، وعائلات تحاول أن تنقذ ما تستطيع من داخل بيوتٍ دخلها الماء دون استئذان.
الأرقام هنا ليست مجرد أرقام، لكنها تحمل وجوهًا، أشخاص فقدوا حياتهم وعوائل تشردت،
وفي أماكن أخرى، غمرت المياه عشرات المنازل، وانهارت جدران، وتوقفت طرق، وتلوثت مياه السيول بمياه الصرف الصحي، بسبب تهالك الشبكات أو غيابها أصلًا، وأصبحت خطرًا صامتًا. وكأن المدن لم تكن مهيأة لاستقبال هذا القدر من الحياة.
فكيف يمكن لمطرٍ هو في الأصل نعمة… أن يبدو بهذا الثقل؟ الإجابة ليست في السماء، بل في الأرض… في طرقٍ بلا تصريف، ومدنٍ لم تُبنَ لتتنفس الماء.
ولكن رغم كل ذلك، هناك جانب آخر لا يمكن تجاهله. فهذا الماء نفسه، الذي أقلقنا، كان في مكانٍ آخر يعيد الحياة. ففي بعض المناطق تراجعت آثار الجفاف بنسبة تصل إلى 75%.
وجرى ارتفاع كبير في الخزين المائي، بمئات الملايين من الأمتار المكعبة، وتحسّن واضح في منسوب الأنهار والسدود، الأرض التي كانت متعبة، شربت أخيرًا، ومحاصيل الحنطة تنفّست، والتربة استعادت شيئًا من قوتها.
لكن المشهد الأكثر تأثيرًا بالنسبة لي لم يكن في المدن… بل في الجنوب. هناك، حيث تمتد الأهوار العراقية، لم تكن السيول كارثة، بل كانت أشبه بعودة الروح.
المياه التي تراجعت لسنوات، بدأت ترتفع من جديد، لتغمر المسطحات المائية التي كادت أن تختفي. عاد القصب ليقف، وعادت الطيور المهاجرة لتجد مكانًا تهبط فيه، وعادت الحياة لتدب في بيئة كانت تترنح على حافة الجفاف. ولم يكن ذلك مجرد تحسن بيئي… بل كان استعادة لذاكرة كاملة. ذاكرة الماء، وذاكرة المكان، وذاكرة الإنسان الذي عاش هناك منذ آلاف السنين.
الحقيقة، كما شعرت بها، ليست في صورة واحدة. بل هي في ذلك التناقض المؤلم، ماءٌ يغرق بيتًا… ويحيي أرضًا. مطرٌ يربك مدينة… وينقذ وطنًا من العطش. وسيولٌ تُقلق الشمال… لكنها تعيد الجنوب إلى الحياة.
وهنا، أدركت شيئًا مهمًا، المشكلة ليست في الماء… بل في الطريقة التي نستقبله بها.
فما كان سيحدث لو كانت الأمور مختلفة، لو كانت هناك شبكات تصريف حديثة، لو كانت المدن مخططة لتحتضن المطر بدل أن تخافه، لو كنا نستثمر كل قطرة بدل أن نخشاها، ربما كانت نفس هذه السيول ستُكتب كخبرٍ مفرح بالكامل… لا كحكاية نصفها ألم.
ورغم كل ما حملته هذه السيول من خير، شعرت أن ما نعيشه هو انفراج وقتي… لا حل دائم.
نعم، امتلأت السدود. نعم، ارتوت الأرض نعم، عادت الأهوار إلى الحياة. لكن السؤال الذي بقي في داخلي: ماذا بعد؟
هل سنعود إلى نفس الأزمة بعد أشهر؟ هل سننتظر المطر القادم كمن ينتظر صدفة؟ الحقيقة المؤلمة هي أن ما حدث لم يكن نتيجة تخطيط… بل نتيجة ظرف طبيعي. وهذا يعني أن الفائدة، رغم أهميتها، قد تكون مؤقتة إذا لم تتحول إلى سياسة مستدامة وقوانين تحكم مشاركة المياه مع دول الجوار.
في يوم الأرض… لم أعد أرى الطبيعة كعدو. ولم أعد أرى الكوارث كقدرٍ أعمى.
أصبحت أراها كمرآة. مرآة تقول لنا بوضوح أنتم لم تستعدوا… فدفعتم الثمن، لكنكم ما زلتم تملكون الفرصة.
في ذلك الصباح، حين هدأ المطر أخيرًا، لم يختفِ أثره. بقي في الطرق… وفي الأرقام… وفي داخلي. وتعلّمت شيئًا بسيطًا، لكنه عميق.
الماء لا يأتي ليؤذينا… بل يأتي ليُعيد التوازن.
وفي يوم الأرض، ربما يكون السؤال الأصدق ليس ماذا فعلت الطبيعة بنا؟
بل ماذا فعلنا نحن عندما جاءت؟

22 نيسان 2026
يوم الأرض الأممي



#نبيل_رومايا (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العراق بين فكي النار: هجمات الخارج وهجمات الداخل
- العراق وإعادة سؤال الدولة
- المناخ العراقي: الخطر الذي يُدار بالإنكار
- العراق ليس فاشلاً… بل يُدار بالفشل
- في لعبة الجيران والماء… العراق يخسر
- بعد انتخابات تشرين الثاني 2025… العراق بين استقرارٍ هش وتغيي ...
- الديمقراطية العراقية… بين الطموح والواقع ... وحظوظ القوى الم ...
- المفهوم السياسي لثقافة القطيع
- ماذا عن مشروع قانون حرية التعبير عن الرأي، والاجتماع، والتظا ...
- الوضع الاجتماعي والثقافي في العراق في ضوء دراسات علي الوردي
- مياه العراق، وقناني الشرب المعبأة، ودول الجوار
- في عيد الأرض، البيئة العراقية في خطر
- هل عراقيو الخارج ... عراقيون
- نجلة ... والعراق
- أن الاوان للتغيير في النهج والممارسة ونمط التفكير وطريقة إدا ...
- في عيد امنا الأرض، أطفالنا في خطر
- البصرة ... والتقاليد والشريعة... وياعشكَنا
- بغداد، مدينتي في القلب
- الجندر والعنف الاسري ومجلس النواب العراقي
- الذكاء الاصطناعي وتأثيره على المجتمعات الإنسانية


المزيد.....




- طهران وواشنطن.. الوصول إلى صفقة صعبة أم الانزلاق نحو مواجهة ...
- -الزاوية الألمانية-.. التقاء النهرين الذي جمع أشلاء ألمانيا ...
- استقالة جديدة في إدارة ترامب.. وزيرة العمل تترك منصبها بعد س ...
- أعمال عنف في مبارة اتحاد العاصمة الجزائري وأولمبيك آسفي المغ ...
- تدريبات عسكرية مشتركة لأول مرة بين الشرق والغرب في ليبيا: خط ...
- الجزائر تطلق عروضا دولية لاستكشاف النفط والغاز
- صورة صادمة من جنوب لبنان.. جندي إسرائيلي يحطم تمثالا للمسيح ...
- ما حيثيات التفاوض بين إيران والولايات المتحدة في باكستان؟
- برلين تستدعي سفير روسيا وموسكو تعتقل ألمانية بتهمة الإرهاب
- إيلون ماسك يتغيب عن استجواب بباريس بشأن إساءة استعمال -إكس- ...


المزيد.....

- ‫-;-وقود الهيدروجين: لا تساعدك مجموعة تعزيز وقود الهيدر ... / هيثم الفقى
- la cigogne blanche de la ville des marguerites / جدو جبريل
- قبل فوات الأوان - النداء الأخير قبل دخول الكارثة البيئية الك ... / مصعب قاسم عزاوي
- نحن والطاقة النووية - 1 / محمد منير مجاهد
- ظاهرةالاحتباس الحراري و-الحق في الماء / حسن العمراوي
- التغيرات المناخية العالمية وتأثيراتها على السكان في مصر / خالد السيد حسن
- انذار بالكارثة ما العمل في مواجهة التدمير الارادي لوحدة الان ... / عبد السلام أديب
- الجغرافية العامة لمصر / محمد عادل زكى
- تقييم عقود التراخيص ومدى تأثيرها على المجتمعات المحلية / حمزة الجواهري
- الملامح المميزة لمشاكل البيئة في عالمنا المعاصر مع نظرة على ... / هاشم نعمة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الطبيعة, التلوث , وحماية البيئة ونشاط حركات الخضر - نبيل رومايا - في يوم الأرض: حين طرق الماء أبوابنا…