أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الصحافة والاعلام - يونس متي - من حارس البوابة إلى حارس الوعي














المزيد.....

من حارس البوابة إلى حارس الوعي


يونس متي

الحوار المتمدن-العدد: 8793 - 2026 / 8 / 10 - 12:31
المحور: الصحافة والاعلام
    


لم يعرف الإنسان في تاريخه الحديث زمناً أصبحت فيه الأفكار والمعلومات متاحة بهذا الاتساع غير المسبوق. فقد أصبح نشر فكرة أو رأي أو معلومة متاحاً لكل من يمتلك وسيلة للوصول إلى الجمهور، بعد أن كان هذا المجال، إلى حد كبير، محصوراً بالمؤسسات الإعلامية والثقافية. ولا شك أن هذا التحول يمثل مكسباً مهماً، لأنه أتاح لأصوات كثيرة أن تعبر عن نفسها بعد أن كانت بعيدة عن وسائل النشر التقليدية.
لكن هذا الانفتاح نقلنا إلى تحدي جديد. فلم تعد المشكلة الأساسية هي الوصول إلى المعلومات، بل القدرة على التمييز بينها. ولم تعد القضية، من يستطيع أن يكتب؟ بل أصبحت، كيف نعرف ما يستحق أن نقرأه، ونمنحه وقتنا وثقتنا؟
طوال عقود، اضطلعت المؤسسات الإعلامية والثقافية بدور الوسيط بين الكاتب والقارئ. فلم تكن تكتفي بإتاحة النشر، بل كانت تمارس أيضاً وظيفة الاختيار والمراجعة والتحرير، وفق معايير مهنية أو فكرية تختلف من مؤسسة إلى أخرى. وقد أسهم هذا الدور في رفع مستوى كثير من المواد المنشورة، لكنه منح تلك المؤسسات، في الوقت نفسه، قدرة كبيرة على التأثير في ما يصل إلى الجمهور، وأحياناً في ما يُحجب عنه.
أما اليوم فقد انتهى احتكار النشر، وأصبح الوصول إلى الجمهور متاحاً على نطاق غير مسبوق. ولم تعد قلة من المؤسسات وحدها تضطلع بمهمة اختيار ما يصل إلى الجمهور وما لا يصل إليه. لكن هذا التحول لم يلغي الحاجة إلى المعايير، بل نقل جانباً مهماً من مسؤولية التمييز إلى القارئ نفسه.
فعندما كان (حارس البوابة) هو المؤسسة، كانت مسؤولية الاختيار تقع عليها. أما اليوم، وبعد أن أصبحت البوابة مفتوحة أمام الجميع، فقد أصبح وعي القارئ هو الحارس الأخير للمعرفة.
لم يعد القارئ مجرد متلقي ينتظر ما تختاره له المؤسسات، بل أصبح فاعلاً أساسياً في تشكيل المجال المعرفي. فهو الذي يختار ما يقرأ، ويقرر ما يمنحه وقته وثقته، وما يستحق أن ينتشر أو ما يُهمل. ومن هنا لم تعد القراءة فعلاً سلبياً، بل ممارسة عقلية تقوم على التمييز والنقد والمقارنة. فليس كل ما يُنشر يتحول إلى معرفة، وليس كل ما ينتشر يكتسب قيمة.
وهنا تعود مسألة قديمة في تاريخ الفكر الإنساني، وهي العلاقة بين النقل والعقل. فالمعلومات يمكن أن تنتقل من شخص إلى آخر، أما المعرفة فلا تكتمل بمجرد وصول النص إلى الإنسان، بل تُبنى عندما يتفاعل العقل مع ذلك النص فيفهمه، ويسائله، ويقارنه بغيره، ويضعه في سياقه، ويختبر منطقه وأدلته.
ولعل الجدل القديم بين النقل والعقل لم يكن في جوهره دعوة إلى إلغاء أحدهما لصالح الآخر، بقدر ما كان بحثاً عن مكانة الإنسان في عملية المعرفة. فالنقل بلا شك، يورث الخبرة ويختزن التجربة، لكن العقل هو الذي يفهمها، ويفسرها، ويختبرها، ويعيد إنتاجها أو تجاوزها في ضوء الواقع المتغير.
وفي عصر الانفتاح المعرفي، تعود هذه القضية بصيغة جديدة، فلم يعد التحدي هو العثور على ما نقرأ، بل في معرفة ما يضيف إلى وعينا، وما يكتفي بتكرار ما نعرفه أو تأكيد ما نؤمن به.
فالقراءة ليست عملية استقبال سلبي، بل هي فعل من أفعال العقل. والقارئ الذي يمارس القراءة النقدية لا يكتفي بسؤال: ماذا يقول النص؟ بل يسأل أيضاً: لماذا يقول ذلك؟ وما الذي يستند إليه؟ وما الذي يغفله؟
إن الخطر في عصرنا ليس فقط في كثرة النصوص، بل في أن يتحول الإنسان إلى مستهلك للمحتوى بدل أن يكون شريكاً في إنتاج المعرفة. فوفرة المعلومات لا تعني بالضرورة وفرة الوعي، كما أن سهولة الوصول إلى الأفكار لا تعني دائماً القدرة على فهمها أو الحكم عليها.
ولهذا فإن بناء القارئ الواعي أصبح قضية ثقافية لا تقل أهمية عن بناء الكاتب الجيد أو المؤسسة المهنية. فالمجتمع لا يحتاج فقط إلى من يكتب، بل إلى قاريء يمتلك أدوات الحكم والاختيار.
ولأن القارئ هو الذي يقرر ما يمنحه وقته وثقته، فإنه لا يشكل وعيه الشخصي فحسب، بل يسهم أيضاً في تشكيل المجال المعرفي كله. فالأفكار لا تبقى حية لأنها نُشرت، بل لأنها وجدت قراء رأوا فيها ما يستحق النقاش والتداول والبقاء.
في زمن أصبح فيه الجميع قادرين على النشر، لم تعد قيمة النص تُحدد فقط بمكان ظهوره، بل بقدرته على أن يجد قارئاً يكتشف قيمته. فهناك نصوص كثيرة تولد وتموت في لحظة، وهناك نصوص أخرى تجد قارئاً يمنحها أجنحتها فتحلق في فضاء المعرفة.
فالقارئ ليس نهاية رحلة الكتابة، بل شريك في اكتمال معناها، لأنه هو الذي يمنح النص فرصة أن يتحول من كلمات منشورة إلى معرفة حية.
لقد انتقلنا من زمن كانت فيه قوة النشر بيد مؤسسات محددة، إلى زمن أصبحت فيه القدرة على التمييز مسؤولية كل قارئ.
وهنا تكمن مسؤولية الإنسان المعاصر في أن يتحرر ليس فقط من احتكار المعرفة، بل أيضاً من الاستسلام لها دون تفكير.
فحرية التعبير لا تكتمل بحرية الكتابة وحدها، بل بحرية العقل الذي يقرأ، ويميز، ويحكم.



#يونس_متي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين يصبح النشر أسهل من المسؤولية
- لا يبدأ فهم العراق من واشنطن أو بكين !!
- الدولة أم السوق ... أم أن المشكلة في مكان آخر؟
- التهميش واغتراب الوجود في عالم (بشر نسيهم الله) للروائي ألبي ...
- هل يستطيع النظام السياسي العراقي إصلاح نفسه؟
- الصراع على الوعي أم الصراع على شروط إنتاجه؟ قراءة في دور الم ...
- التفاوت الاجتماعي وحدود تشكّل الوعي الطبقي في العراق
- أزمة الحركات اليسارية: من مشروع التغيير إلى إشكالية الإصلاح ...
- إشكالية النقابات المستقلة في العراق وآفاق العمل الجماهيري
- العراق بين الرفض الشعبي وغياب البديل السياسي
- العراق بين الدولة واللادولة
- حصر السلاح بيد الدولة… لكن أي دولة ؟
- أزمة المعايير في اليسار المعاصر
- إقصاء الآخر وإشكالية المواطنة
- عندما تُعامل الدولة ، كغنيمة لا كوطن
- -التحالفات- في تجربة الحزب الشيوعي العراقي
- حين تعجز السلطة عن تحويل العداء للإمبريالية إلى دفاع عن الوط ...
- رواية (ألوان العار) ومرارة التحوّلات الاجتماعية
- شرعية المشاركة والبيئة الانتخابية المختلّة في العراق
- نظام الكوتا بين فرص الإصلاح وحدود التطبيق في التجربة العراقي ...


المزيد.....




- ضربة بمسيرة أوكرانية في العمق الروسي توقع عشرات الضحايا
- بطن مكشوف وجينز منخفض الخصر.. النجمة آن هاثاواي الحامل تظهر ...
- تحرك مصري مفاجئ في رام الله.. وترتيبات لـ -المرحلة الانتقالي ...
- -غزة الجديدة- .. رؤية ترامب وكوشنر لمدينة ناطحات سحاب ومنتزه ...
- رفض نتنياهو لخطة ترامب في غزة.. خلاف حقيقي أم ورقة انتخابية؟ ...
- سوريا.. شكوى -شروع بالقتل- ضد محمد حمشو والقضاء المعلوماتي ي ...
- إيران تعلق على اتفاقية مكة
- عملية إنقاذ معقدة.. مصر تعلن تعويم وقطر سفينة في ظروف جوية ق ...
- بقائي يرد على ترامب: الإيرانيون -لاعبون محترفون- في الشطرنج ...
- تونس.. الغنوشي يدخل إضرابا مفتوحا عن الطعام والدواء داخل الم ...


المزيد.....

- مكونات الاتصال والتحول الرقمي / الدكتور سلطان عدوان
- السوق المريضة: الصحافة في العصر الرقمي / كرم نعمة
- سلاح غير مرخص: دونالد ترامب قوة إعلامية بلا مسؤولية / كرم نعمة
- مجلة سماء الأمير / أسماء محمد مصطفى
- إنتخابات الكنيست 25 / محمد السهلي
- المسؤولية الاجتماعية لوسائل الإعلام التقليدية في المجتمع. / غادة محمود عبد الحميد
- داخل الكليبتوقراطية العراقية / يونس الخشاب
- تقنيات وطرق حديثة في سرد القصص الصحفية / حسني رفعت حسني
- فنّ السخريّة السياسيّة في الوطن العربي: الوظيفة التصحيحيّة ل ... / عصام بن الشيخ
- ‏ / زياد بوزيان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الصحافة والاعلام - يونس متي - من حارس البوابة إلى حارس الوعي