عزالدين جباري
(Azeddine Jabbary)
الحوار المتمدن-العدد: 8792 - 2026 / 8 / 9 - 09:55
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
تثير فكرة «تحميل العقل» إغراء فلسفيا يتجاوز بكثير السؤال التقني عن إمكان رسم خريطة كاملة للدماغ البشري. فلو افترضنا، على سبيل التجربة، أننا استطعنا مسح البنية العصبية لإنسان بكل ما فيها من خلايا واتصالات وحالات وظيفية، ثم أعدنا بناء هذه البنية على وسيط حسابي، فما الذي نكون قد نقلناه بالفعل: المعلومات، أم الوظائف العقلية، أم الوعي، أم الشخص نفسه؟
في مقاله «هل يمكن تحميل عقولنا على كمبيوتر؟» يدافع الدكتور صلاح إسماعيل عن ثلاث دعاوى مترابطة: أن تحميل العقل غير ممكن عمليا في ضوء ما نعرفه الآن، وأن مجرد محاكاة العقل لا تجعل العقل المحمَّل واعيا بالضرورة، وأنه حتى لو افترضنا وعيا للنسخة الجديدة فلن يلزم أن تكون هي الشخص الأصلي. ويقسم المشكلة تبعا لذلك إلى سؤال علمي عن إمكان رسم الشبكة العصبية ونسخها، وسؤالين فلسفيين عن الوعي والهوية الشخصية.
غير أن هذه الأسئلة تسمح، في تقديري، بالذهاب خطوة أبعد. فما يسميه الخطاب التقني «العقل» يحمل ما يشبه حسما مقدما، ومن غير برهان، لماهية الشيء المراد نقله. ولذلك ربما ينبغي أن يسبق سؤالَ إمكان التحميل سؤالٌ آخر: أي معنى للعقل هو الذي نزعم أننا نستطيع تحميله؟
الفاهمة ليست العقل كله
يمكن لتحديد هيغل للفارق بين:
الفاهمة
(Verstand)
والعقل
(Vernunft)
أن يفتح هذا السؤال من جهة مختلفة. ففي §§79–82 من منطق الموسوعة يميز هيغل بين الوجه التجريدي أو وجه الفاهمة، والوجه الجدلي أو العقل السلبي، والوجه المضاربي أو العقل الإيجابي. وتتمسك الفاهمة بالتحديدات في ثباتها واستقلال بعضها عن بعض؛ وهي ضرورية لأن من دونها لا يكون للفكر ضبط ولا دقة. لكن الفكر لا يتوقف عندها، لأن التحديد المحدود يكشف من داخله علاقته بغيره ويندفع إلى حركة أوسع من مجرد تثبيت الحدود.
يمكن استثمار هذا التمييز، مع شيء من الحرية، في مسألة الذكاء الاصطناعي. فالآلة يمكنها أن تميز وتصنف وتقارن وتسترجع وتستدل وتربط بين كميات هائلة من التحديدات. ولو اكتملت يوما محاكاة دماغ فرد معين، فقد نتصور نظاما يتذكر ما كان يتذكره، ويتحدث بلغته، ويكرر عاداته في الاستدلال، ويقدم في المواقف نفسها استجابات قريبة جدا من استجاباته.
ولكن إذا كانت هذه القدرات قد بلغت أعلى درجاتها، فهل أثبتنا أننا تجاوزنا عمل الفاهمة إلى العقل؟
لا ينبغي أن نفهم هذا السؤال كأن الإنسان يملك عضواً خفياً إضافياً اسمه
(Vernunft)
لا تملكه الآلة. المقصود أصعب من ذلك: هل مطابقة عمليات التحديد والربط والاستنتاج تكفي لكي يكون النظام قد دخل في علاقة بالمعنى وبذاته وبالعالم، بحيث تصبح تحديداته نفسها قابلة لأن يراجعها وينفيها ويعيد موضعتها داخل كل أوسع؟
إن زيادة قوة الحساب لا تجيب في ذاتها عن هذا السؤال، لأنها قد تمنحنا فاهمة أوسع من غير أن تحسم هل ظهرت كيفية أخرى من الوجود العقلي.
الحجرة الصينية: من صحة العملية إلى حضور المعنى
أظهر جون سيرل هذه الفجوة من ناحية أخرى في تجربة «الحجرة الصينية» التي عرضها في مقاله الشهير
(Minds, Brains, and Programs)
سنة 1980. تقوم الحجة، في أصلها، على إمكان تنفيذ برنامج يعالج الرموز الصينية على نحو ينتج إجابات صحيحة من دون أن يفهم الشخص المنفذ للبرنامج الصينية.
لا تثبت «الحجرة الصينية» أن آلة لا يمكن أن تعي أبدا، ولا أن الوعي مقصور بالضرورة على الدماغ البيولوجي. لكنها توجه اعتراضا أكثر تحديدا: التنفيذ الصوري للبرنامج لا يكفي وحده لإثبات الفهم الدلالي. بل إن إنشاء قصدية اصطناعية سيتطلب، بحسب موقف سيرل، قوى سببية ملائمة لا مجرد البرنامج الصوري.
وفي اتجاه قريب، يؤكد صلاح إسماعيل أن نظريات تحميل العقل والحسابية لا تأخذ بما يكفي حقيقة أن الوعي ظاهرة بيولوجية، وأن محاكاة الدماغ لا ينبغي أن تُفهم بمعزل عن الكائن الحي المتكامل وعلاقته بجسده وبيئته. ومن ثم فالتطابق الوظيفي بين نظامين لا يحسم بعدُ مسألة تماثل شروط تحقق الوعي فيهما.
وهذا التحديد مهم، لأن حجة الحجرة الصينية كثيرا ما تُستعمل أكثر مما تحتمل. إنها لا تبرهن أن الوعي الاصطناعي مستحيل، لكنها تمنع انتقالا سريعا من:
النظام يؤدي العمليات الصحيحة
إلى:
النظام يفهم ما تعنيه عملياته.
وهنا تلتقي الحجة مع تمييز الفاهمة والعقل من غير أن تتطابق معه. فقد يستطيع نظام أن يتصرف بدقة فائقة داخل شبكة من العلاقات الرمزية، ولكن كفاءته في التعامل مع الدلالة من الخارج لا تثبت وحدها أن المعنى حاضر له بالطريقة التي يكون بها المعنى مسألة بالنسبة إلى ذات.
الزومبي الفلسفي: من الوظيفة إلى الخبرة
ولكن لنفترض أننا تجاوزنا اعتراض سيرل. ولنمنح النسخة الرقمية شيئا أقوى من المعالجة الصورية: إنها تتحدث وتتعلم وتتذكر وتصف العالم والذات وصفا لا نستطيع تمييزه سلوكيا عن الإنسان.
لكن يبقى سؤال الخبرة.
هنا يأتي «الزومبي الفلسفي» عند ديفيد تشالمرز: موجود نفترض أنه مطابق للإنسان من الناحية الفيزيائية أو الوظيفية، بحسب صيغة التجربة الفكرية، ولكنه يفتقد الخبرة الواعية؛ تحدث فيه جميع العمليات التي تجعل الإنسان يقول «أرى الأحمر» أو «أتألم»، من غير أن يكون ثمة احمرار معيش أو ألم يُختبر من الداخل. استعمل تشالمرز إمكان تصور هذا الزومبي ضمن حجته ضد الرد الفيزيائي الكامل للوعي، وعرض المسألة على نحو موسع في:
(The Conscious Mind (
سنة 1996.
ولا نحتاج هنا إلى التسليم بكل النتائج الميتافيزيقية التي يستخلصها تشالمرز. يكفي أن تجربته الفكرية تقيم تمييزا مفهوميا بين سؤالين كثيرا ما يندمجان في الحديث عن "تحميل العقل":
هل أعيد إنتاج الوظيفة؟
و:
هل توجد خبرة ذاتية؟
فقد يستوفي النظام جميع الشروط الوظيفية واللغوية التي تجعله يقول: «أتألم»، من غير أن يحسم ذلك ما إذا كان الألم حاضرا لديه بوصفه تجربةً معيشة، لا مجرد حالة يستطيع وصفها أو الاستجابة لها.
وهكذا تكون قد ظهرت فجوتان:
ليست معالجة المعلومات هي الفهم بالضرورة، وليست المطابقة الوظيفية هي الخبرة الواعية بالضرورة.
وهل أنه كان واعيا، فهل يكون هو أنا؟
ينقل صلاح إسماعيل النقاش عند هذه النقطة إلى الهوية الشخصية. وهو يعرض نظريات استمرار النفس: الاستمرارية النفسية، والاستمرارية الفيزيائية، ثم يختبرها أمام إمكان النسخ المتعدد والتحميل التدريجي. ويلفت، استنادا إلى نقاش ديفيد تشالمرز، إلى سيناريو الاستبدال التدريجي لخلايا الدماغ بعناصر اصطناعية، قبل أن يربط هذا السيناريو بمفارقة سفينة ثيسيوس.
وقد كانت الإحالة إلى ثيسيوس موفقة بشكل كبير. فبلوتارخ يخبرنا في [حياة ثيسيوس، 23.1]، أن الأثينيين كانوا يستبدلون أخشاب سفينة ثيسيوس القديمة بأخرى جديدة حتى أصبحت السفينة مثالا فلسفيا لمسألة بقاء الشيء هو نفسه أثناء تغير أجزائه؛ إذ إن بعض الفلاسفة قد عدّها السفينة نفسها، وبعضهم نفى ذلك.
ويكتسب السؤال حدة أكبر عندما نطبقه على الإنسان. إذا استُبدلت خلية عصبية واحدة ثم أخرى، وظلت الحياة الواعية مستمرة بلا انقطاع، فقد يبدو معقولا أن نقول إن الشخص نفسه قد تحول. ولكن ماذا لو لم نستبدل شيئا، بل صنعنا في مكان آخر نسخة مطابقة بينما بقي الإنسان الأصلي حيّاً؟
سيقول الاثنان - على سبيل الفرض- أنا الشخص نفسه. وسيملكان الماضي ذاته حتى لحظة النسخ. لكن منذ اللحظة التالية ستظهر تجربتان مختلفتان، وقد يتخذ كل واحد منهما قرارا يناقض الآخر.
وهنا ينبغي التمييز بين التطابق والهوية.
قد تكون النسخة مطابقة لي في عدد لا يحصى من الخصائص، ولكن هذا التطابق لا يجعلها الشخص نفسه الذي أنا إياه. وإذا أمكن إنشاء نسختين أو عشر نسخ من البيانات نفسها، فإن اشتراكها جميعاً في ذكرياتي وماضيَّ لا يكفي وحده لتفسير استمرار وحدة الذات.
ويمكن لهيغل أن يساعدنا مرة أخرى. فالهوية الحية ليست الاحتفاظ بمادة لا تتغير. الكائن الحي يظل هو نفسه من خلال تغيراته لأن اختلاف الأجزاء يحدث داخل عملية واحدة تحفظ وحدتها من خلال التحول. ولذلك لا يتساوى أن أتحول مع أن يظهر موجود آخر مطابق لي.
فالنسخة قد ترث صورة الماضي وآثاره، لكنها لا ترث بالضرورة استمرارية الصيرورة التي كان ذلك الماضي تاريخها؛ إذ الذات ليست حصيلة ثابتة تُنقل، بل مسار تحقق متصل.
لكن، هل نكون قد استنفدنا الإنسان حين بلغنا مرتبة «العقل»؟
يمكن الآن أن نمنح مشروع التحميل أكثر مما منحه له اعتراض سيرل أو حجة تشالمرز. لنفترض أن النسخة تفهم حقا، وأنها واعية حقا، وأنها قادرة على العودة إلى ذاتها ومراجعة مواقفها، بل ولنقل إنها بلغت ما يكفي لكي نستعمل في وصفها لفظ «العقل» لا مجرد «الفاهمة».
هل استنفدنا بذلك ما يعنيه أن يكون هناك متواجد إنساني؟
هنا يظهر بعد آخر يمكن التعبير عنه، في أفق فلسفة الصيرورة الأصيلة، بمفهوم «اشتكال الوجود».
فالإنسان لا يتميز فقط بأنه يستطيع أن يجعل الموجودات موضوعات لمعرفة، ولا حتى بأنه يعرف أنه موجود. إنه موجود يمكن لوجوده نفسه أن يشتكل عليه.
الموت عنده ليس معلومة عن توقف الوظائف الحيوية فحسب؛ إنه إمكان انطفائه هو.
والزمن ليس مجرد متغير يقيس به تعاقب الأحداث؛ إنه ما يجد نفسه منساقا فيه نحو ما لم يحدث بعد، فيما لا يستطيع استعادة ما انقضى.
والقرار ليس ناتج حساب بين بدائل فقط؛ فقد يجد نفسه أمام إمكانات لا يستطيع معرفة نتائجها كاملة، ومع ذلك يكون مطالباً بأن يختار وأن يتحمل ما سيصير إليه باختياره.
بهذا المعنى، الاشتكال ليس سؤالا معرفيا يطرحه المتواجد بإرادته على الوجود؛ بل كيفية يقع بها الوجود عليه فيدفعه إلى السؤال والاستجابة.
وهذا يغير الاختبار الذي نضعه أمام الآلة.
لا يعود السؤال فقط: هل تستطيع الحديث عن الموت؟
بل: هل يمكن لموتها أن يشتكل عليها؟
ولا: هل تستطيع تعريف الحرية؟
بل: هل تقع في وضع يصبح فيه ما ستصير إليه معلقاً على استجابتها لما داهمها؟
ولا: هل تستطيع توليد خطاب عن معنى الحياة؟
بل: هل يمكن للمعنى نفسه أن يغدو لديها مطلباً ملحا لا تحله مجرد إضافة معلومة جديدة؟
إن القدرة على إنتاج السؤال ليست هي بالضرورة الوقوع تحت وطأة الاشتكال. قد تولد منظومة لغوية آلاف الأسئلة عن العدم والموت والمعنى، من غير أن نكون قد أثبتنا أن شيئا من ذلك قد داهمها وجوديا.
الآخر ليس معلومة: من هيوم إلى التعاطف
ولا ينغلق المتواجد على اشتكال وجوده الفردي. ثمة ظاهرة أخرى لا تقل أهمية: يستطيع وجود كائن حي آخر أن ينكشف له.
لاحظ ديفيد هيوم في رسالة في الطبيعة البشرية قوة ما يسميه:
(Sympathy)
وهي كلمة لا تطابق تماما استعمالنا المعاصر الضيق لـ «التعاطف».
يصف هيوم التعاطف بوصفه حركة تبدأ من ظهور انفعال الآخر في علاماته الخارجية: في ملامح الوجه، ونبرة الصوت، والكلام والسلوك. فمن هذه العلامات تتكوّن لدينا فكرة عن حالته الوجدانية، ثم قد تكتسب هذه الفكرة من القوة والحيوية ما يجعلها تولّد فينا انفعالاً من جنس ما أدركناه لديه.
ويزداد هذا الانتقال قوة بفعل التشابه والقرب وغيرهما من الروابط التي تصلنا بالآخرين.
ولهذا يصوّر هيوم، في موضع آخر، عقول البشر كأنها مرايا تتبادل انعكاس الانفعالات فيما بينها.
يمكن لآلة أن تستخرج من ارتعاش الصوت وملامح الوجه والسياق اللغوي احتمالا مرتفعا بأن الشخص حزين. ويمكنها أن تنتقي بعد ذلك الاستجابة التي تبين ملايين الأمثلة أنها الأكثر مواساة. لكن هذا يظل قابلا للوصف بوصفه:
التعرف إلى حزن الآخر.
ويبقى سؤال آخر:
هل «مسّها» حزن الآخر؟
ثمة فرق بين تمثيل الحالة الباطنية لكائن آخر وبين أن يقع وجوده عليّ بحيث يُحدث في تجربتي شيئا بسبب ما يمر به. أسمع صوت شخص يرتجف ألماً، أو أرى وجها أصابه الفزع، وقد يحدث فيّ التغير قبل أن أصوغ القضية: «هذا الإنسان متألم، ومن المناسب أن أحزن لألمه». ولا تتساوى شدة هذا الوقوع دائما؛ فالقرب والصلة والتشابه قد تمنح تجربة الآخر نفاذا أشد إلى باطننا، وهو ما التقطه طرفة بن العبد شعريا في قوله:
وظلمُ ذوي القربى أشدُّ مضاضةً
على المرء من وقعِ الحسامِ المهنّدِ
فليست المضاضة هنا ناشئة من مقدار الأذى وحده، وإنما «أيضا من الجهة التي صدر عنها»:
ما يقع علينا من القريب قد يشتد أثره لأن المسافة التي تصلنا به محمّلة بتاريخ من الألفة والانتماء والتوقع.
وهذا يلتقي، من جهة أخرى، مع تنبيه هيوم إلى أن التشابه والقرب والعلاقات التي تجمع الناس تزيد من قوة انتقال الانفعال بينهم.
لا تعني هذه الملاحظة أن كل إنسان متعاطف، ولا أن التعاطف كامل أو معصوم؛ بل إن هيوم نفسه يدرك تفاوت «التعاطف» بحسب القرب والتشابه والعلاقات. لكن ما يعنينا هو قابلية المتواجد لأن يتجاوز انغلاق باطنه لأن وجود غيره يحدث فيه أثراً.
ومن هنا يمكن أن نصوغ فرقا إضافيا بين آلة تجيد نمذجة الآخرين، ومتواجد يدخل معهم في علاقة وجودية: ليس الآخر أمام المتواجد مجرد موضوع للملاحظة، بل يمكن أن يصبح حضوره دافعا يخلخل مسار الذات نفسها ويستدعي منها استجابة.
من العقل إلى المتواجد
يتضح الآن أن عبارة «تحميل العقل» ربما تجمع تحت اسم واحد عمليات ومسائل لا يلزم بعضها من بعض.
فالحجرة الصينية تكشف الفاصل بين المعالجة والفهم.
وحجة الزومبي تكشف الفاصل بين الوظيفة والخبرة الواعية.
ومفارقة ثيسيوس ومشكلة التفرع تكشفان الفاصل بين المطابقة والاستمرار الشخصي.
أما التمييز الهيغلي فيجعلنا نسأل هل أعدنا إنتاج الفاهمة أم بلغنا العقل بالفعل.
لكن حتى هذا ليس نهاية المسألة.
فمن منظور الصيرورة الأصيلة، يبقى السؤال عما إذا كنا قد بلغنا المتواجد: الموجود الذي لا يكتفي بأن يظهر له العالم، بل يشتكل عليه وجوده؛ والذي لا يكتفي بأن يعرف أن غيره يشعر، بل يستطيع وجود الغير أن يقع عليه ويحدث فيه أثراً.
وعندئذ لا يعود الإنسان محدّٓدا بجهاز وظائف داخلية يمكن تعدادها، بحيث نطمئن إلى أننا بمجرد نقلها واحدة بعد أخرى قد نقلنا صاحبها. فالوعي والعقل والذاكرة والانفعال ليست قطعا مستقلة جُمعت في صندوق اسمه «الذات».
المتواجد حدث داخل صيرورة: له تاريخ لم يختر بدايته، وجسد يقع به في العالم، ومسافة بين ما هو عليه وما يمكن أن يصير إليه، واستجابات تتشكل تحت دحم ما يلقاه، وآخرون لا يظل حضورهم خارجيا عنه.
لذلك لا يقودنا هذا الاعتراض على «تحميل العقل» إلى الحكم باستحالته من حيث المبدأ. فقد تكشف الصيرورة عن صور من الوعي الاصطناعي أو الذاتية لا تتيح لنا مفاهيمنا الحالية استباقها.
والجزم منذ الآن بأن الآلة لا يمكن أن تعي قد يوقعنا، بصورة معكوسة، في الخطأ نفسه الذي نحاول مساءلته: إغلاق الإمكان بتحويل صورة الوعي التي نعرفها إلى حد نهائي لما يمكن أن يظهر.
أما فلسفياً، فالمهم هو التمييز بين مستويات مختلفة من المشكلة: نجاح نسخ المعلومات ليس برهاناً على الفهم، ونجاح إعادة إنتاج الوظائف ليس برهاناً على الخبرة المعيشة، وظهور خبرة واعية في نسخة جديدة لا يحسم أنها الشخص المنسوخ. كذلك فإن الاقتدار على عمليات الفاهمة لا يكفي وحده لإثبات تحقق العقل.
وحتى إذا افترضنا تحقق عقل واعٍ، ظل سؤال أشد جذرية مفتوحاً: هل نشأ أمامنا متواجد يشتكل عليه وجوده، ويستطيع وجود غيره أن يمسّه؟
ربما يكون هذا أحد الأسئلة التي ستعيد تقنيات المستقبل طرحها علينا بقوة أكبر. فكلما اقتربت الآلة من محاكاة ما نقوم به، ازداد إلحاح السؤال عما كنا نعنيه أصلاً حين نقول: نحن نفكر، نحن نعي، نحن موجودون.
المراجع
إسماعيل، صلاح. «هل يمكن تحميل عقولنا على كمبيوتر؟»، أفق، العدد 171، ديسمبر/كانون الأول 2025، مؤسسة الفكر العربي، بيروت.
Hegel, G. W. F. The Encyclopaedia Logic: Part I of the Encyclopaedia of Philosophical Sciences, with the Zusätze. Trans. T. F. Geraets, W. A. Suchting, and H. S. Harris. Indianapolis: Hackett Publishing Company, 1991.
انظر بوجه خاص §§79–82 في تقسيم اللحظة المنطقية إلى الفاهمة، والجدل/العقل السلبي، والعقل المضاربي الإيجابي.
Searle, John R. “Minds, Brains, and Programs.” Behavioral and Brain Sciences, vol. 3, no. 3, September 1980, pp. 417–424. DOI: 10.1017/S0140525X00005756.
Chalmers, David J. The Conscious Mind: In Search of a Fundamental Theory. New York/Oxford: Oxford University Press, 1996.
يناقش الكتاب حجة الزومبي ضمن حجته الأوسع في عدم رد الوعي الظاهراتي إلى الوقائع الفيزيائية وحدها.
Hume, David. A Treatise of Human Nature. Ed. David Fate Norton and Mary J. Norton. Oxford/New York: Oxford University Press, 2000.
* التعاطف:
T 2.1.11.3.
* عقول البشر بوصفها مرايا لانفعالات بعضها بعضاً:
T 2.2.5.21.
Plutarch. Life of Theseus, §23.1،
وهو المصدر القديم لمثال سفينة ثيسيوس التي تستبدل أخشابها تدريجيا ويختلف الفلاسفة في بقاء هويتها.
#عزالدين_جباري (هاشتاغ)
Azeddine_Jabbary#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟