أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: حصاة على الجبين














المزيد.....

قصة قصيرة: حصاة على الجبين


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8791 - 2026 / 8 / 8 - 00:02
المحور: الادب والفن
    


ثمة معارك لا تُكتب في كتب التاريخ، لأنها لا تُخاض بالسيوف ولا بالبنادق، بل برغيف الخبز. هناك، في أطراف السهول التي لا تعرف غير الشمس والعرق، كانت الحياة تُقاس بعدد السنابل التي تنجو، وبعدد الحبوب التي تصل إلى المخزن قبل أن تسبقها إليها المناقير الجائعة. ومنذ أن عرف الإنسان الزراعة، عرف أيضاً أن لقمة العيش تحتاج إلى حراس، وأن الجوع لا يأتي دائماً على هيئة بشر.
حين بدأت الذرة البيضاء تكتسي بلون النضج، بدا الحقل كبحر أخضر تتدلى من أمواجه عرانيس ممتلئة بالحبوب. لكنه في الوقت نفسه أصبح هدفاً لأسراب الطيور التي كانت تهبط فجأة، كأنها غيمة سوداء، فلا تكاد تغادر حتى تترك وراءها عيداناً عارية، شاخصةً إلى السماء، تروي بصمتها الفرق بين ما كان، وما صارت إليه.
كان أهل القرية يعرفون أن موسم النضج هو موسم السهر. لذلك توزعت الحراسة على أطراف الحقل. في الجهة الشرقية وقف شاب يافع، وإلى جواره كومة صغيرة من الحصى، وفي يده مقلاع نسجته أمه من خيوط الصوف. لم يكن المقلاع سلاحاً بقدر ما كان وسيلةً لإطلاق صوت حاد، أشبه بجرس إنذار، يسبق الحصاة نفسها، فتفزع الطيور وتفر هاربة.
وفي الجهة الغربية وقف رجل آخر يؤدي المهمة ذاتها. كان كل واحد منهما يراقب السماء أكثر مما يراقب الأرض، وكأنهما يخوضان حرباً صامتة ضد أسراب لا تنتهي.
ومع امتداد النهار، تسللت الرتابة إلى المكان. صار كل شيء يتكرر؛ هبوط الطيور، دوران المقلاع، صفير الحصاة، ثم سكون قصير، يعقبه هجوم جديد.
وفجأة...
سمع الشاب صوت انطلاق حصاة من الجهة الأخرى. لم يكن ذلك غريباً، لكنه، ولسبب لم يعرفه، رفع رأسه هذه المرة ليتابع مسارها في الهواء.
رآها، كانت ترتفع ثم بدأت تنحني في قوس طويل، قبل أن تغير اتجاهها نحوه. ثم بدا الزمن وكأنه توقف. أراد أن يبتعد خطوة، لكن قدميه خانتاه. أحس أن الأرض قد شدت كاحليه إليها، وأن جسده كله تحول إلى جذع شجرة يابس. كانت الحصاة تكبر في عينيه كلما اقتربت، حتى لم يعد يرى غيرها.
وفي لحظة خاطفة، ارتطمت بجبهته. تراجع وهو يضع يده على موضع الألم، ولم يشعر بنفسه إلا بعد أن سمع صدى الضربة يتردد في رأسه أكثر من صداها في الحقل. عندها فقط استطاع أن يتحرك، وكأن الألم هو الذي فك قيوده، لا إرادته.
لم تكن الإصابة عميقة، لكنها كانت سبباً في أن تتوقف الحراسة لتضميد الجرح وايقاف نزيف الدم وإن كان قليلاً.
نظر إلى الحقل. كانت الطيور قد عادت لتحط بين العرانيس دون خوف، بينما انشغل الحارسان بما حدث، فالشاب يروي ما حصل، أما الثاني فكان يبرر موقفه. في تلك اللحظات، أدرك الشاب أن الحقول قد تتغير، والوجوه تتبدل، لكن الحصاة التي تخطئ وجهتها حتماً ستمنح الطيور فرصة أخرى للاحتفال.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: حين انحنت العصا
- قصة قصيرة: جيوبُ التفكير
- قصة قصيرة: الزناد الذي لم يُضغط
- قصة قصيرة: الطوق
- استنطاقُ الطين بين عفوية النشأة ورهبةِ النفي: قراءة تأملية ف ...
- قصة قصيرة: ما بعد التصفيق
- قصة قصيرة: هناك يضيع الاسم
- قصة قصيرة: محكمة الصمت
- قصة قصيرة: رِجّلٌ غائبة تقود
- قصة قصيرة: ثقوبٌ في الذاكرة
- قصة قصيرة: الخوف
- الأرض التي تحفظ أسماءها: قراءة تأملية في كتاب التقنيات الأثر ...
- قصة قصيرة: ثِقل السنابل
- قصة قصيرة: محاكمة أنثى
- قصة قصيرة: الحقل الأصفر
- قصة قصيرة: العجوز والنافذة
- قصة قصيرة: رقصة الفجر
- قصة قصيرة: رائحة الخوف
- قصة قصيرة: دَين الكلمة
- قصة قصيرة: كُحلُ أُنثى


المزيد.....




- مهرجان مالمو ينطلق اليوم بموسيقى وفعاليات وأطعمة من مختلف أن ...
- سوريا...عبارة -المعازف حرام- تنشر على جدار معهد موسيقي في دم ...
- وزير التعليم العالي والبحث العلمي والقائم بعمل وزير الثقافة ...
- اللغة التي تسكننا.. حين يكتب اللسان سيرة العقل
- مراجعات جديدة تكشف حقيقة فشل الاستخبارات الغربية في ألبانيا ...
- «لن نتخلى عن أي قطعة».. الثقافة تؤكد ملاحقة الآثار العراقية ...
- رائد فهمي: المدى منبر رائد للمهنية والثقافة والتنوير في العر ...
- مهرجان -يوم الهند- في موسكو يستعد لاستقبال مئات الآلاف من ال ...
- منتجه خدم بالجيش الإسرائيلي.. ما قصة حملة مقاطعة فيلم -سبايد ...
- نسرين طافش تستعيد «الروقان» من كواليس أحدث أعمالها الغنائية ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: حصاة على الجبين