أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رمضان حمزة محمد - حين تُحسن الدولة صناعة الإنسان... تُحسن صناعة أمنها المائي.؟














المزيد.....

حين تُحسن الدولة صناعة الإنسان... تُحسن صناعة أمنها المائي.؟


رمضان حمزة محمد
باحث


الحوار المتمدن-العدد: 8790 - 2026 / 8 / 7 - 21:36
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


إذا كانت الأسرة هي المصنع الأول للإنسان، فإن الدولة هي المدرسة الكبرى التي تُشكّل وعي المجتمع وسلوكه تجاه موارده وثرواته. العراق، رغم امتلاكه تاريخاً مائياً وحضارياً عريقاً، لا يستطيع أن يحقق أمنه المائي بمجرد امتلاكه الأنهار والسدود والخزانات، ما لم يمتلك ثقافة مائية راسخة، وحوكمة رشيدة، ومؤسسات قادرة على حماية الماء وإدارته بعدالة وكفاءة.
العراق ليس فقيراً بالمياه فقط؛ بل يعاني قبل ذلك من فجوة في إدارة المياه وحسن استثمارها. فالمشكلة ليست في كمية المياه وحدها، وإنما في كيفية التعامل معها، وتوزيعها، وخزنها، واستعمالها، وحمايتها من الهدر والتلوث، والتعامل مع المتغيرات المناخية والضغوط الإقليمية.
لذا، فإن الدولة لا ينبغي أن تربي منظومتها المائية على انتظار الأمطار أو تدفقات الأنهار أو حسن نوايا دول المنبع. إن الاعتماد على الذات المائية لا يعني الانغلاق، وإنما يعني امتلاك القدرة على التخطيط والاستباق والتفاوض والاستثمار الأمثل لكل قطرة ماء.
اليوم العراق بحاجة إلى التمييز بين وفرة المياه الوهمية والاستخدام الرشيد للمياه. لقد اعتاد المجتمع لعقود طويلة التعامل مع الماء وكأنه مورد مجاني لا ينفد، بينما الواقع الجديد يفرض أن نتعامل معه بوصفه ثروة استراتيجية محدودة، ترتبط بها الزراعة والغذاء والطاقة والصحة والاقتصاد والاستقرار الاجتماعي.
إن الماء الذي يُهدر اليوم ليس مجرد ماء ضائع، بل هو جزء من مستقبل الأجيال القادمة.
يجب ان يكون للعراق الاستقلالية المائية الكاملة وأن يكون ذلك من أهم أهداف الدولة العراقية. ويتطلب ذلك تطوير مصادر المياه غير التقليدية، وإعادة استخدام مياه الصرف المعالجة، وحصاد مياه الأمطار، وحماية المياه الجوفية، وتحديث شبكات الري، وتقليل الفواقد، وتطوير تقنيات الري الحديثة، والاستثمار في تحلية المياه حيثما تكون مناسبة، إلى جانب إدارة الخزانات والسدود وفق رؤية علمية استباقية.
أما مواجهة المشكلات، فهي جوهر الإدارة المائية الحديثة.
فالجفاف ليس حدثاً مفاجئاً، والتغير المناخي ليس ظاهرة مؤقتة، وانخفاض الإيرادات المائية ليس مشكلة عابرة. لذلك لا ينبغي أن تنتظر الدولة وقوع الأزمة ثم تبحث عن الحل، بل يجب أن تنتقل من إدارة الأزمة إلى إدارة المخاطر والاستعداد لها قبل وقوعها.
وهنا تبرز أهمية بناء منظومة وطنية تعتمد على التنبؤات المناخية والهيدرولوجية، والاستشعار عن بعد، ونظم المعلومات الجغرافية، والذكاء الاصطناعي، والنمذجة الرياضية، والبيانات اللحظية، بما يسمح بإدارة المياه وفق سيناريوهات مستقبلية لا وفق ردود أفعال آنية.
وكما أن الحرية الحقيقية مسؤولية قبل أن تكون حقاً، فإن الحق في المياه يجب أن يقترن بمسؤولية المحافظة عليها. فالمزارع مسؤول، والمواطن مسؤول، والمؤسسة الحكومية مسؤولة، والصناعة مسؤولة، والجهات المحلية مسؤولة. ولا يمكن بناء أمن مائي حقيقي إذا بقيت المسؤولية موزعة بلا مساءلة واضحة.
إن الحوكمة المائية ليست مجرد قوانين ولوائح، وإنما هي أخلاق في إدارة الثروة العامة؛ شفافية، وعدالة، ومساءلة، وكفاءة، ومكافحة للهدر والفساد، وتغليب للمصلحة الوطنية على المصالح الضيقة.
وإلا تكون الإدارة المائية عبارة عن حملة مؤقتة عند حدوث الجفاف. فالماء يحتاج إلى سياسة وطنية ثابتة تتجاوز تغير الحكومات والأشخاص، وتستند إلى استراتيجية طويلة الأمد حتى عام 2035 و2050، وتضع أمن المياه في صميم الأمن الوطني العراقي. ولكون الطبيعة لا تخضع لرغبات الإنسان، فان المناخ لا يستجيب للشعارات، والأنهار العابرة للحدود لا يمكن إدارتها بمنطق القوة وحده. لذلك يحتاج العراق إلى دبلوماسية مائية ذكية ومتوازنة تجمع بين حماية الحقوق التاريخية والمصالح الوطنية، وبين التعاون الإقليمي، وتبادل البيانات، والمفاوضات القائمة على القانون الدولي والمصالح المشتركة. إن القرار المائي العراقي يجب أن يكون قراراً مؤسسياً علمياً، تشارك في صنعه الجامعات والخبراء والوزارات والمجتمع الزراعي والقطاع الخاص والمجتمع المدني، بعيداً عن القرارات الفردية والآنية.
إن العراق بحاجة اليوم إلى صناعة الإنسان المائي قبل صناعة المشاريع المائية.
إنسان يدرك أن الصنبور ليس مصدراً لا نهائياً للماء، وأن النهر ليس ملكاً لجيل واحد، وأن المياه الجوفية ليست خزينة مفتوحة بلا حساب، وأن السد ليس مجرد منشأة هندسية، بل أداة لإدارة الزمن والمخاطر والمستقبل.
نحن بحاجة إلى مزارع يرى في كل قطرة ماء قيمة اقتصادية وغذائية، ومهندس يرى في كل مشروع مائي مسؤولية وطنية، وباحث يضع العلم في خدمة القرار، ومسؤول يدرك أن إدارة المياه هي إدارة لمستقبل العراق، ومواطن يعرف أن المحافظة على الماء ليست خدمة لوزارة أو مؤسسة، بل دفاع عن حق أبنائه وأحفاده في الحياة.
وكما تُبنى الأمم بأسرٍ تُحسن تربية أبنائها، فإن الأمن المائي العراقي يُبنى بمؤسسات تُحسن إدارة مواردها، ومجتمع يُحسن استخدام مياهه، وأجيال تُدرك أن الماء ليس مجرد مورد، بل هو أساس الحضارة والاستقرار والسيادة.
لقد صنعت مياه دجلة والفرات حضارة بلاد الرافدين قبل آلاف السنين، لكن التحدي اليوم ليس أن نرث هذه المياه فحسب، بل أن نكون جديرين بإدارتها.
فالثروة الحقيقية للعراق ليست في كمية المياه التي يمتلكها اليوم، وإنما في قدرته على ضمان قطرة ماء آمنة وعادلة ومستدامة للأجيال القادمة. وهنا تلتقي حكمة الأسرة مع حكمة الدولة: "فالبيت الذي يُحسن صناعة الإنسان يصنع مستقبلاً أفضل، والدولة التي تُحسن صناعة الوعي المائي تصنع أمناً مائياً مستداماً."



#رمضان_حمزة_محمد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نحو رؤية دستورية وقانونية ومؤسسية جديدة لموارد العراق المائي ...
- هل تقاس حداثة المدن بعدد الأبراج... أم بجودة الحياة - وهل يح ...
- زيارة رئيس الوزراء علي الزيدي إلى تركيا: هل تمثل نقطة تحول ف ...
- السدود العراقية 2050: من خزانات للمياه إلى منظومات ذكية لإدا ...
- الحوكمة المائية العراقية 2050: نحو نموذج وطني جديد للأمن الم ...
- هندسة الزمن المائي: نحو ثورة علمية في إدارة المياه في عصر ال ...
- هندسة الزمن المائي ومستقبل الحضارة المائية: من الحكمة القديم ...
- هندسة الزمن المائي (Water Time Engineering): نحو علم جديد لإ ...
- العراق والمياه: عندما يصبح التأخير في اصلاح الشأن المائي خسا ...
- العراق 2035... هل نُقيّم الدراسة أم نُحاسب النتائج؟
- العراق 2035... هل سيتحول من إنجاز الدراسة الاستراتيجية إلى ض ...
- قراءة نقدية في استخدام مصطلحات تغير المناخ والاقتصاد الأخضر ...
- -الدبلوماسية المائية العراقية: نحو استحداث ملحق دبلوماسي أو ...
- من إدارة الأزمة إلى صناعة المستقبل: خارطة طريق لإنقاذ الأمن ...
- نحو إدارة مائية بلا حدود تقليدية: قراءة جديدة لمستقبل العراق ...
- الأمن المائي في العراق: بين الحنين إلى الماضي وإدارة الواقع ...
- لأمن المائي: من البنية التحتية الصلبة إلى البنية الطبيعية ال ...
- التصريحات والرسائل السياسية كمؤشر للوارد المائي في العراق - ...
- من أوروبا التي تُفكك السدود إلى تركيا التي تبنيها: مفارقة إد ...
- الجغرافيا العاطفية للمياه في وادي الرافدين: من ذاكرة الأنهار ...


المزيد.....




- أردوغان ورئيس وزراء باكستان يعلقان على اتفاقية الدفاع المشتر ...
- النصف في بلا قيود: إيران عدونا لأنّها تعتدي علينا
- تقرير يصف -اتفاقية مكة- بـ-رسالة تحذير لطهران-.. وإيران للسع ...
- ترامب يوليها اهتمامًا خاصًا.. محكمة استئناف أمريكية تؤيد وقف ...
- بعد أزمة أطاحت بعلاقاتهما.. المكسيك والبيرو تعاودان العلاقات ...
- -رغم ترسانتها المتطورة-.. مسؤول أمني إسرائيلي سابق: السعودية ...
- لدغات الأفاعي ليست عشوائية.. دراسة تكشف مَن هم الأكثر عرضة ل ...
- الشيوخ الأمريكي يصادق على تشديد العقوبات ضد روسيا
- رئيس وزراء العراق لرئيس الاستخبارات السعودية: نرفض استخدام أ ...
- أنقرة: -اتفاقية مكة للدفاع المشترك- لا تتعارض مع التزامات ال ...


المزيد.....

- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رمضان حمزة محمد - حين تُحسن الدولة صناعة الإنسان... تُحسن صناعة أمنها المائي.؟