رمضان حمزة محمد
باحث
الحوار المتمدن-العدد: 8727 - 2026 / 6 / 5 - 16:41
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
في الوقت الذي تتجه فيه دول أوروبا والولايات المتحدة إلى مراجعة إرثها الهندسي المتمثل بآلاف السدود والحواجز النهرية، وتشرع في إزالة المئات منها بهدف استعادة النظم البيئية وتحسين استدامة الأنهار، تواصل تركيا توسيع منظومتها الضخمة من السدود والخزانات على نهري دجلة والفرات ضمن رؤية تنموية تركز على إنتاج الطاقة وتعظيم الاستفادة من الموارد المائية. وتكشف هذه المفارقة عن اختلاف جوهري في فلسفة إدارة المياه بين نموذج يسعى إلى إعادة النهر إلى طبيعته، وآخر يعتمد على المزيد من التحكم والسيطرة على جريانه.
فبعد أكثر من قرن من اعتبار السدود رمزاً للتقدم الصناعي والتنمية الاقتصادية، بدأت الدراسات الحديثة تكشف عن الآثار البيئية طويلة الأمد لتجزئة الأنهار وتقييد حركة الرواسب والأسماك وتغيير الخصائص الطبيعية للمجاري المائية. وقد دفع ذلك العديد من الدول الأوروبية إلى إزالة السدود القديمة وغير الفعالة، وإعادة فتح مجاري الأنهار بهدف تعزيز التنوع الحيوي وزيادة قدرة الأنظمة البيئية على مواجهة التغير المناخي والفيضانات والجفاف.
وفي المقابل، يواصل مشروع جنوب شرق الأناضول التركي تطوير شبكة واسعة من السدود والخزانات التي وفرت فوائد اقتصادية وتنموية مهمة لتركيا، من خلال توليد الطاقة الكهرومائية وتوسيع الرقعة الزراعية. إلا أن هذه المشاريع أثارت في الوقت نفسه مخاوف متزايدة لدى سوريا والعراق بسبب تأثيرها المباشر في كميات المياه المتدفقة عبر الحدود وفي استقرار النظام المائي لحوضي دجلة والفرات.
وتكمن المفارقة الأساسية في أن السدود التي يجري تفكيكها في أوروبا تقع غالباً ضمن أحواض مائية داخلية أو ضمن منظومات تعاون إقليمي متقدمة، بينما تؤثر السدود التركية في أنهار دولية مشتركة تعتمد عليها دولتا الوسط والمصب اعتماداً أساسياً في مياه الشرب والزراعة والبيئة. ولذلك فإن قضية السدود في حوض دجلة والفرات لا تتعلق بالتنمية الوطنية وحدها، بل تمتد إلى الأمن المائي والاستقرار الإقليمي والعلاقات بين دول الحوض.
ولا تعني التجربة الأوروبية أن السدود الكبرى فقدت أهميتها أو أن الحل يكمن في إزالتها، لكنها تقدم درساً مهماً مفاده أن الإدارة الحديثة للمياه لا تُقاس بعدد السدود أو حجم الخزانات فقط، بل بمدى قدرتها على تحقيق التوازن بين التنمية الاقتصادية والاستدامة البيئية وحقوق الدول المتشاطئة.
ومن هنا يبرز سؤال استراتيجي مهم: إذا كانت أوروبا قد بدأت تعيد النظر في فلسفة السيطرة المطلقة على الأنهار، فهل تستطيع دول حوض دجلة والفرات الانتقال من منطق الهيمنة المائية إلى منطق الإدارة المشتركة والتعاون العابر للحدود؟ إن الإجابة عن هذا السؤال قد تحدد مستقبل الأمن المائي والتنمية والاستقرار في المنطقة خلال العقود القادمة، في عالم تتزايد فيه تحديات التغير المناخي وتتناقص فيه الموارد المائية المتاحة.
#رمضان_حمزة_محمد (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟