أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رمضان حمزة محمد - من الإدارة المجزأة إلى الأمن المائي المستدام: رؤية إصلاحية لتطوير قطاع المياه والصرف الصحي في العراق.؟















المزيد.....

من الإدارة المجزأة إلى الأمن المائي المستدام: رؤية إصلاحية لتطوير قطاع المياه والصرف الصحي في العراق.؟


رمضان حمزة محمد
باحث


الحوار المتمدن-العدد: 8704 - 2026 / 5 / 13 - 03:01
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لم يعد قطاع المياه والصرف الصحي في العراق مجرد قطاع خدمي تقليدي، بل تحوّل إلى أحد أهم ركائز الأمن البيئي والاجتماعي والاقتصادي، في ظل تصاعد تأثيرات تغيّر المناخ، والنمو السكاني، والتوسع الحضري، وتراجع الموارد المائية السطحية والجوفية. ومع تعقّد التحديات الهيدرولوجية التي تواجه العراق بوصفه دولة مصب تعتمد بصورة كبيرة على الأنهار العابرة للحدود، باتت الحاجة ملحّة إلى إصلاح مؤسسي شامل ينقل إدارة المياه من حالة التشتت الإداري وردود الأفعال المؤقتة إلى نموذج حوكمة متكامل قائم على التخطيط الاستراتيجي والبيانات والاستدامة.
وتعاني منظومة المياه والصرف الصحي في العراق من تعدد الجهات المسؤولة وتداخل الصلاحيات بين الوزارات والبلديات ومديريات المياه والهيئات البيئية، الأمر الذي يؤدي إلى ضعف التنسيق، وتأخير تنفيذ المشاريع، وتراجع كفاءة الاستثمار، وصعوبة الاستجابة للأزمات المائية والمناخية. لذلك، فإن إصلاح الهيكل المؤسسي لم يعد مجرد خيار إداري، بل أصبح ضرورة استراتيجية لضمان الأمن المائي وتعزيز قدرة الدولة على التكيف مع التغيرات المناخية والهيدرولوجية المتسارعة. ويشمل الإصلاح المطلوب معالجة التجزئة المؤسسية، وتوضيح الصلاحيات والمسؤوليات، وتبني الإدارة المتكاملة للموارد المائية، وتحديث الأطر القانونية والتنظيمية، وتطوير أنظمة البيانات والرصد والتنسيق الرقمي، إلى جانب تعزيز اللامركزية مع الحفاظ على الإشراف الاستراتيجي المركزي، وتحقيق الاستدامة المالية وتقليل فاقد المياه، ودمج التكيف المناخي في التخطيط المائي، وتطوير إدارة مياه الصرف الصحي وإعادة استخدامها، فضلًا عن بناء القدرات البشرية وتعزيز الشفافية ومشاركة المجتمع وأصحاب المصلحة.
وبحكم موقع العراق كدولة مصب، فإن الإصلاح الأكثر تأثيرًا يتمثل في إنشاء هيئة وطنية مستقلة وموحدة للمياه والصرف الصحي تتولى التخطيط والتنظيم وإدارة البيانات وتنسيق البنية التحتية وإدارة الأحواض المائية ضمن إطار استراتيجي موحد. ويمثل التوحيد المؤسسي الخطوة الأهم في عملية الإصلاح، بحيث تضطلع الهيئة بتنسيق سياسات المياه والصرف الصحي على المستوى الوطني، ودمج إدارة المياه الجوفية والمياه السطحية ومياه الصرف الصحي، وتنسيق التخطيط بين المحافظات، وإعداد استراتيجيات طويلة الأمد للأمن المائي، والعمل باستقلالية فنية بعيدة عن التقلبات السياسية قصيرة الأجل. كما يفترض أن تعتمد هذه الهيئة على الكفاءة الفنية والإدارة القائمة على الأداء، مع استقطاب كوادر متخصصة في إدارة الموارد المائية والمعلوماتية المائية والتخطيط المناخي.
ورغم أن الموارد المائية في العراق مترابطة هيدرولوجيًا، إلا أنها ما تزال تُدار إداريًا بصورة مجزأة، الأمر الذي يفرض ضرورة الانتقال إلى نموذج إدارة الأحواض المائية، القائم على إدارة أحواض الأنهار بصورة متكاملة، والتخطيط المرتبط بالمياه الجوفية والمستجمعات المائية، والتنسيق بين مناطق المنبع والمصب، وحماية الأنظمة البيئية المرتبطة بالمياه. ويكتسب هذا التوجه أهمية خاصة في الأحواض الاستراتيجية العابرة للحدود، مثل حوضي الزاب الكبير والزاب الصغير، لما له من دور في تعزيز كفاءة تخصيص المياه وتقليل آثار الجفاف.
وفي ظل التحديات المناخية المتصاعدة، لم يعد بناء منظومة رقمية للمياه ترفًا تقنيًا، بل ضرورة استراتيجية، خصوصًا مع تشتت البيانات وضعف تبادل المعلومات بين المؤسسات. لذلك، يتطلب الإصلاح إنشاء مرصد وطني رقمي للمياه، وأنظمة رصد آنية للهطول والتصاريف والخزين المائي، وقواعد بيانات موحدة لنظم المعلومات الجغرافية والهيدرولوجية، ووحدات لنمذجة مخاطر الجفاف والفيضانات وتغير المناخ، إضافة إلى أنظمة ذكية لتتبع أداء البنية التحتية وتقليل الفاقد. إن تكامل البيانات أصبح شرطًا أساسيًا للحوكمة الحديثة وإدارة المخاطر المائية في عصر التغير المناخي.
ومن أبرز أوجه الخلل المؤسسي الحالية أن العديد من الجهات تتولى في الوقت نفسه تشغيل الخدمات وتنظيمها، ما يضعف المساءلة والشفافية. لذلك، ينبغي الفصل بين وضع السياسات، والرقابة والتنظيم، وتشغيل الخدمات، وتنفيذ مشاريع البنية التحتية، بما يعزز جودة الخدمات ويرفع كفاءة الإدارة ويحسن عدالة توزيع المياه والامتثال البيئي.
كما يعاني قطاع المياه والصرف الصحي من ضعف التمويل وارتفاع نسب الفاقد والهدر، الأمر الذي يستدعي اعتماد إصلاحات مالية وتشغيلية تشمل تطبيق نظام الميزانية القائمة على الأداء، وتحسين تحصيل الرسوم مع حماية الفئات الهشة، وتقليل المياه غير المُدرّة للدخل، وإنشاء صناديق مخصصة لصيانة البنية التحتية، وتشجيع الشراكات مع القطاع الخاص عند الضرورة. فالاستدامة المالية تمثل الأساس الحقيقي لاستمرارية الخدمات ومرونة المؤسسات.
وفي الوقت الذي ما تزال فيه مياه الصرف الصحي تُعامل غالبًا باعتبارها عبئًا بيئيًا، فإنها يمكن أن تتحول إلى مورد استراتيجي يدعم الأمن المائي من خلال تطوير محطات المعالجة، وإعادة استخدام المياه المعالجة في الزراعة والصناعة، ودعم مشاريع الاستصلاح البيئي، وتخفيف الضغط على المياه العذبة. ويُعد هذا التوجه أحد أهم مسارات التكيف مع ندرة المياه وتغير المناخ.
ولا تعتمد فعالية المؤسسات على البنية التحتية وحدها، بل على الكفاءات البشرية القادرة على إدارتها بكفاءة، ولذلك يحتاج العراق إلى معاهد متخصصة في إدارة المياه، وبرامج تدريب واعتماد مهني مستمرة، وشراكات بحثية بين الجامعات والمؤسسات الحكومية، إلى جانب تطوير الخبرات في المعلوماتية المائية والتخطيط الاستراتيجي.
وقد أصبح تغيّر المناخ عاملًا حاسمًا في إدارة المياه، ما يفرض دمج إدارة الجفاف والفيضانات، وأنظمة الإنذار والاستجابة للطوارئ، وتخطيط ترابط المياه والطاقة والغذاء، وتقييم مخاطر الهجرة المناخية، ضمن خطط تكيف طويلة الأمد، خصوصًا في شمال العراق حيث تتزايد التقلبات الهيدرولوجية بصورة واضحة.
ورغم أهمية هذه الإصلاحات، لا يزال القطاع يواجه ثلاثة تحديات رئيسية مترابطة تتمثل في ندرة المياه وتغير المناخ، وضعف الحوكمة والتنسيق المؤسسي، وتقادم البنية التحتية. فالبلاد تشهد انخفاضًا في معدلات الأمطار وارتفاعًا في درجات الحرارة وتراجعًا في تدفقات الأنهار والمياه الجوفية، ما يؤدي إلى نقص المياه الموسمي وتراجع الخزين المائي وارتفاع معدلات التبخر. كما يؤدي تداخل الاختصاصات وضعف تبادل البيانات وغياب التخطيط الموحد إلى تأخير المشاريع وضعف الاستجابة للأزمات وانخفاض كفاءة الاستثمار، في حين تعاني شبكات المياه والصرف الصحي من ارتفاع نسب التسرب والهدر وضعف محطات المعالجة وتراجع شبكات الصرف الصحي، فضلًا عن مخاطر تلوث الأنهار والمياه الجوفية والتوسع الحضري الذي يفوق قدرة البنية التحتية الحالية.
إن مستقبل قطاع المياه والصرف الصحي في العراق لا يعتمد فقط على بناء السدود أو توسيع الشبكات، بل على بناء نموذج حوكمة متكامل قادر على إدارة الموارد المائية ضمن رؤية استراتيجية طويلة الأمد. فالانتقال من الإدارة المجزأة إلى نموذج وطني متكامل للأمن المائي سيمكّن العراق من تحسين موثوقية الخدمات، وتقليل فاقد المياه، وتعزيز القدرة على مواجهة الجفاف، ورفع كفاءة الاستثمار، وحماية البيئة والموارد الطبيعية، ودعم الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي في ظل تغير المناخ. وفي النهاية، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في نقص المياه، بل في كيفية إدارتها، وفي قدرة المؤسسات على الانتقال من منطق إدارة الأزمات إلى التخطيط الاستراتيجي المستدام.



#رمضان_حمزة_محمد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الماء: رحلة، جودة، واستدامة الحياة.؟
- كيف يضعف غيابُ الإجماع الداخلي موقفَ العراق المائي.؟
- في العراق التحدي الحقيقي ليس في توفر المياه من عدمه، بل في ك ...
- تغير المناخ ومستقبل الموارد المائية في العراق: من إدارة الأز ...
- سدود أعالي النهرين بين المتانة الهندسية والهشاشة التكتونية.. ...
- حاجة العراق الى مشروع وطني لإدارة المياه قائم على التوقع، ول ...
- المياه في العراق حتى 2035: بين وفرة مؤقتة وتحديات بنيوية مست ...
- من سردية الأزمة إلى سردية الفاعلية لضمان الأمن المائي في الع ...
- من فقه السنن إلى حوكمة المياه: استشراف مستقبل العراق المائي ...
- من الاستنزاف إلى الاستدامة: نحو إعادة صياغة الاستراتيجية الم ...
- إدارة الوفرة قبل الندرة: نحو حوكمة مستدامة للموارد المائية ف ...
- من إدارة الأزمات المائية إلى استثمار الوفرة المائية: اختبار ...
- المياه في قلب الصراع: كيف تُسرّع الحروب الانهيار المائي في ا ...
- تسعير المياه: بين ضرورات الإدارة وحدود العدالة الاجتماعية وك ...
- العراق المائي وسياسة “النأي بالنفس” في إدارة الأزمات المائية ...
- في اليوم العالمي للمياه: ماذا يجب على الحكومة العراقية لمعال ...
- العراق تحت وطأة الاستنزاف المائي: من إدارة الوفرة إلى إدارة ...
- كيف يمكن أن تتحول المياه من مورد حياة إلى أداة استراتيجية لل ...
- سلاح الماء وإعادة تشكيل الجغرافيا العراقية عندما تتحول أزمة ...
- الحق في المياه: بين البعد الإنساني ومسؤولية الاستخدام المستد ...


المزيد.....




- ترامب -لا يفكر في الوضع المالي للأمريكيين خلال حرب إيران-.. ...
- -خيانة عظمى-.. ترامب يهاجم وسائل الإعلام الأمريكية التي تفيد ...
- بتهمة -تمجيد الإرهاب-.. فرنسا تلاحق ناشطاً على خلفية تظاهرات ...
- تقرير يكشف: السعودية شنّت هجمات سرية على إيران في خضم الحرب ...
- روبيو باسمه الصيني الجديد يتوجه إلى بكين رغم العقوبات
- وسط انتقادات حقوقية.. محكمة تونسية تؤيد سجن صحفيَّين
- حرب إيران مباشر.. البنتاغون يكشف فاتورة الحرب وإسرائيل تعلن ...
- هل ستكون زيارة ترمب للصين على حساب إيران؟
- 4 سيناريوهات للتدخل.. كيف يوظف التنين الصيني نفوذه لإنهاء ال ...
- أتمنى ألا نُقصف في مهرجان كان.. عضو بلجنة التحكيم يهاجم هولي ...


المزيد.....

- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رمضان حمزة محمد - من الإدارة المجزأة إلى الأمن المائي المستدام: رؤية إصلاحية لتطوير قطاع المياه والصرف الصحي في العراق.؟