أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رمضان حمزة محمد - العراق المائي وسياسة “النأي بالنفس” في إدارة الأزمات المائية وتكريس الاستنزاف للخزين السطحي والجوفي؟














المزيد.....

العراق المائي وسياسة “النأي بالنفس” في إدارة الأزمات المائية وتكريس الاستنزاف للخزين السطحي والجوفي؟


رمضان حمزة محمد
باحث


الحوار المتمدن-العدد: 8657 - 2026 / 3 / 25 - 23:27
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في خضم التحولات الإقليمية المتسارعة، لم تعد الأزمات تُقاس فقط بحدودها المباشرة، بل بقدرة الدول على إدارة تداعياتها. وفي هذا السياق، يبرز العراق كنموذج لدولة تحاول التعامل مع أزمة مائية مركّبة عبر مقاربة يمكن وصفها بـ"النأي بالنفس"، أي تجنّب الانخراط في صراع مائي إقليمي مفتوح، مقابل التركيز على إدارة التداعيات الداخلية للأزمة. غير أن هذه المقاربة، رغم ما تحمله من منطق احترازي، تطرح تساؤلات جوهرية حول جدواها في حماية الأمن المائي العراقي على المدى البعيد.
ولأن العراق لا يخوض اليوم مواجهة مباشرة مع دول المنبع، رغم التراجع الحاد في إيرادات نهري دجلة والفرات. وبدلًا من تبنّي سياسة ضغط مائي أو تصعيد دبلوماسي فاعل، يميل إلى إدارة الأزمة ضمن حدوده الوطنية، عبر إجراءات تقنينية مثل تقليص المساحات الزراعية، وإعادة توزيع المياه، وتبنّي برامج لترشيد الاستخدام.
تشبه هذه المقاربة إلى حد كبير سلوك الدول التي تسعى لتجنّب الانخراط في النزاعات الإقليمية، عبر التركيز على احتواء آثارها بدل التأثير في مساراتها. إلا أن هذه الاستراتيجية تفترض ضمنًا قدرة الدولة على عزل نفسها عن تداعيات خارجية، وهو افتراض يصعب تحققه في حالة الموارد المائية العابرة للحدود. رغم تبنّي العراق سياسة أقرب إلى الحياد، يبقى العراق أحد أكثر المتأثرين بالسياسات المائية الإقليمية. فقرارات تشغيل السدود في دول المنبع، أو مشاريع تحويل المياه، تنعكس بشكل مباشر وفوري على الواقع المائي داخل العراق. وهنا تكمن المفارقة:
العراق لا يشارك في الصراع، لكنه يتحمل كلفته كاملة. هذا الوضع يضعه في موقع شبيه بالدول التي تحاول البقاء خارج النزاعات، لكنها تجد نفسها متأثرة بنتائجها الاقتصادية والأمنية. فالمياه، بخلاف كثير من الموارد، لا تعترف بالحدود السياسية، ما يجعل “الحياد المائي” خيارًا محدود الفاعلية. كما أن الحدود الجغرافية في البيئات الهشة غالبًا ما تكون مناطق تداخل معقّدة، فإن الأحواض النهرية المشتركة تمثّل نظمًا مترابطة لا يمكن تفكيكها إلى وحدات وطنية مستقلة. فحوضا دجلة والفرات يشكلان نظامًا إقليميًا متكاملاً، تتداخل فيه العوامل المناخية والسياسية والاقتصادية.
وبالتالي، فإن أي خلل في إدارة المياه في المنبع لا يبقى محصورًا جغرافيًا، بل يمتد أثره إلى دول المصب، وبشكل متسارع أحيانًا. وهذا ما يجعل العراق في وضع هش، حيث يصبح أكثر عرضة لتقلبات لا يملك السيطرة عليها. يواجه العراق تحديًا داخليًا لا يقل أهمية عن التحديات الخارجية، يتمثل في محدودية كفاءة البنية المؤسسية المعنية بإدارة المياه. فبدل الانتقال إلى نموذج حوكمة مائية متكاملة، لا تزال إدارة الموارد تميل إلى الطابع الجزئي وردّ الفعل. تتجلى هذه الإشكالية في عدة مظاهر ضعف التنسيق بين الجهات المعنية، غياب قواعد بيانات محدثة ودقيقة، محدودية الاستثمار في البنى التحتية الذكية، استمرار الاعتماد على أساليب ري تقليدية.
هذا الواقع يعزز من نمط “إدارة العجز”، حيث يتم التعامل مع النقص بوصفه حالة طارئة، لا كواقع هيكلي يتطلب إعادة تصميم شاملة للقطاع المائي. إن الاستمرار في سياسة “النأي بالنفس” دون تطوير أدوات فاعلة لإدارة النفوذ المائي، قد يقود إلى ما يمكن تسميته بـالاستنزاف الصامت. وهو نمط من التدهور التدريجي الذي لا يحدث بشكل فجائي، بل يتراكم ببطء حتى يصل إلى نقطة حرجة.
تشمل مظاهر هذا الاستنزاف تراجع الإنتاج الزراعي، زيادة التصحر والهجرة الداخلية، تدهور نوعية المياه، تصاعد التوترات المحلية على الموارد. وفي غياب استجابة استراتيجية، قد تتحول هذه التداعيات إلى أزمات مركّبة تمس الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
وفي هذا السياق، فإن تسجيل بعض السنوات الرطبة، كما هو الحال هذا العام، لا ينبغي أن يُغري بالاطمئنان أو يدفع إلى التراخي. فالوفرة المؤقتة لا تعني زوال الأزمة، ولا تبرّر أن ينأى العراق بنفسه عن مسؤوليته في الدفاع عن حقوقه المائية. بل على العكس، تمثّل هذه الفترات فرصة استراتيجية لتعزيز الخزن، وتفعيل الدبلوماسية المائية، وترسيخ سياسات تضمن استدامة الموارد وحماية الحقوق في الأجل الطويل. ولا يعني تجنّب الصراع بالضرورة التخلي عن الفاعلية. بل على العكس، يمكن للعراق أن يعيد صياغة دوره من خلال مقاربة أكثر توازنًا تقوم على تعزيز الدبلوماسية المائية عبر بناء أطر تفاوضية قائمة على المصالح المشتركة، تطوير منظومات الخزن لاستيعاب التذبذب المناخي والاستفادة من سنوات الوفرة، التحول إلى الإدارة الذكية للمياه باستخدام التقنيات الحديثة، إعادة تعريف الأمن المائي كجزء لا يتجزأ من الأمن القومي، هذه الخطوات لا تستهدف الدخول في صراع، بل تهدف إلى إدارة التفاعل مع الإقليم بفاعلية أكبر. إن تجربة العراق المائية تكشف عن معضلة استراتيجية عميقة: فمحاولة البقاء خارج الصراع لا تعني بالضرورة تجنّب نتائجه. وكما أن الدول التي تنأى بنفسها عن الحروب قد تجد نفسها متأثرة بتداعياتها، فإن الدول التي تتبنى الحياد المائي قد تواجه تآكلًا تدريجيًا في أمنها المائي. وعليه، فإن التحدي الحقيقي أمام العراق لا يكمن في تجنّب الصراع، بل في إدارة موقعه داخله بذكاء. فبين الانخراط الكامل والحياد السلبي، توجد مساحة واسعة يمكن من خلالها بناء سياسة مائية فاعلة، قادرة على تحويل التحديات إلى فرص، ومنع الأزمة من التحول إلى قدر دائم.



#رمضان_حمزة_محمد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- في اليوم العالمي للمياه: ماذا يجب على الحكومة العراقية لمعال ...
- العراق تحت وطأة الاستنزاف المائي: من إدارة الوفرة إلى إدارة ...
- كيف يمكن أن تتحول المياه من مورد حياة إلى أداة استراتيجية لل ...
- سلاح الماء وإعادة تشكيل الجغرافيا العراقية عندما تتحول أزمة ...
- الحق في المياه: بين البعد الإنساني ومسؤولية الاستخدام المستد ...
- أزمة المياه في العراق: قصة موردٍ يتحول إلى قضية دولة.؟
- الأمن المائي في العراق في عالم يتغير: حين تتراجع القواعد وتت ...
- خطة استراتيجية مرحلية لحماية الأمن المائي العراقي في ظل تصاع ...
- حيثما يتدفق الماء… تزدهر المساواة
- من هندسة الضبط إلى هندسة الشراكة من خلال التحول الخطابي في ا ...
- العراق من فيض الحضارات إلى شحّ السياسات وبلد مهدد بالعجز الم ...
- العراق من الوفرة المائية التاريخية إلى نقص المياه والشحة الم ...
- أهمية استخدام المنهجية التحليلية NOISE في استشراف واقع القطا ...
- قراءة استراتيجية لمستقبل البلاد المائي
- أزمة المياه في العراق هل هي “فشل إدارة” أم “هندسة عطش”.؟
- نحو عقد اجتماعي مائي جديد في العراق.؟
- دول المنبع حولت مفهوم نهري دجلة والفرات من “موارد طبيعية” ال ...
- خارطة طريق لتعزيز الأمن المائي في العراق
- قد لا يقتل نهري دجلة والفرات بالجفاف… بل بخطاب العجز.؟
- العراق والمنعطف الهيدرولوجي الجديد يعيدُ هندسة النفوذ في حوض ...


المزيد.....




- ترامب: -قادة إيران يعتقدون أن شعبهم سيقتلهم لو أبرموا اتفاق. ...
- مصادر تكشف لـCNN ما رصدته الاستخبارات الأمريكية في جزيرة خرج ...
- لماذا يعتقد عشرات ملايين الأمريكيين أن -يوم القيامة- وشيك؟
- إيران تعزّز دفاعاتها في جزيرة خرج تحسبا لهجوم أميركي
- ساعر يدعو المجتمع الدولي إلى تصنيف -حزب الله- منظمة إرهابية ...
- الكويت: دفاعاتنا الجوية تتصدى لهجمات صاروخية ومسيّرات معادية ...
- عراقجي وقاليباف -خارج قائمة الاستهداف-.. إيران ترفع سقف موقف ...
- استخبارات غربية: روسيا تقترب من إرسال مسيّرات لدعم إيران
- الحوثيون: ندعم إيران ولكن قرار الانخراط في الحرب يمني خالص
- تحاصرها نيران الحرب.. بغداد عالقة بين أمريكا وإيران والفصائل ...


المزيد.....

- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله
- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رمضان حمزة محمد - العراق المائي وسياسة “النأي بالنفس” في إدارة الأزمات المائية وتكريس الاستنزاف للخزين السطحي والجوفي؟