أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رمضان حمزة محمد - العراق تحت وطأة الاستنزاف المائي: من إدارة الوفرة إلى إدارة الندرة.؟















المزيد.....

العراق تحت وطأة الاستنزاف المائي: من إدارة الوفرة إلى إدارة الندرة.؟


رمضان حمزة محمد
باحث


الحوار المتمدن-العدد: 8651 - 2026 / 3 / 19 - 19:48
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لم تعد أزمة المياه في العراق مجرد خلل عابر في التوازن بين الموارد المتاحة والاحتياجات المتزايدة، ولا يمكن اختزالها في تأثيرات التغير المناخي أو النمو السكاني فحسب. لقد تحولت تدريجيًا إلى نمط بنيوي راسخ يقوم على ما يمكن تسميته بـ"إدارة العجز". هذا التحول لا يعكس إخفاقًا مرحليًا في السياسات، بل يشير إلى إعادة تشكيل عميقة في طبيعة العلاقة بين الدولة والمياه، حيث لم يعد الهدف استعادة الوفرة أو تحقيق الاستدامة، بل التكيّف مع واقع نقص مزمن يُدار بأدوات مؤقتة ومجزأة. في هذا الإطار، يمكن فهم الواقع المائي في العراق كنظام يعمل وفق منطق "الاستنزاف المستمر": لا يصل إلى مرحلة الانهيار الكامل، لكنه في الوقت ذاته يفتقر إلى شروط التعافي. إنها حالة رمادية خطرة، تقوم على استقرار هش يتغذى من التراجع التدريجي، حيث يستمر النظام في العمل، لكن بكفاءة متناقصة وقدرة متآكلة. تاريخيًا، شكّلت المياه ركيزة أساسية لقيام الدولة والمجتمع في العراق، وكانت عنصرًا محوريًا في الزراعة والاقتصاد. غير أن هذا التصور بدأ يتآكل تحت ضغط التحولات المناخية والتغيرات الهيدرولوجية الإقليمية، إضافة إلى اختلالات الإدارة الداخلية. ونتيجة لذلك، لم تعد المياه تُدار بوصفها موردًا استراتيجيًا يجب تنميته، بل كأزمة ينبغي احتواؤها. وقد انعكس هذا التحول في السياسات المعتمدة، التي باتت تركز على إدارة النقص بدل معالجته، وتعتمد على حلول قصيرة الأمد، في ظل غياب رؤية استراتيجية طويلة المدى. وهكذا، أصبح الهدف الضمني هو إبقاء الأزمة ضمن حدود يمكن التعايش معها، لا إنهاءها. الاستنزاف هنا لا يعني الانقطاع التام، بل استمرار التدفقات عند مستويات أدنى من الحد اللازم للحفاظ على التوازن البيئي والاقتصادي. وهذا ما يميز الحالة العراقية: تدفقات متذبذبة، تراجع مستمر في الخزين الاستراتيجي، وتدهور تدريجي في نوعية المياه. هذا النمط لا يُحدث صدمة مفاجئة تدفع نحو الإصلاح، بل يُنتج ما يمكن وصفه بـ"التآكل البطيء"، حيث تتراجع إنتاجية الزراعة، وتضعف النظم البيئية، وتتآكل البنية التحتية دون انهيار واضح. الأخطر من ذلك أن هذا التدهور التدريجي يخلق نوعًا من التكيّف السلبي، إذ تبدأ المؤسسات والمجتمعات بالتأقلم مع مستويات أقل من الموارد، ما يقلل من الحافز لاتخاذ قرارات إصلاحية جذرية. ومع الوقت، يتحول النقص إلى واقع مألوف، وتتراجع حساسية الاستجابة تجاهه. ومن السمات البارزة لهذا الواقع غياب إدارة متكاملة وموحدة للموارد المائية. إذ تتوزع المسؤوليات بين مؤسسات متعددة تعمل غالبًا دون تنسيق فعّال، مما يؤدي إلى تضارب في السياسات وضعف في كفاءة القرار وهدر في الموارد. فقد تتعارض السياسات الزراعية مع أولويات الإدارة المائية، أو تتقدم الاعتبارات السياسية على الحسابات الفنية. هذا التفكك لا يضعف الأداء فحسب، بل يعمّق من حالة الاستنزاف عبر إدارة مجزأة للموارد. كما يتجلى عمق الأزمة في غياب أفق واضح للحل. فلا توجد رؤية شاملة تعيد تعريف العلاقة مع المياه، ولا إطار استراتيجي قادر على استعادة التوازن للنظام المائي. بدلًا من ذلك، تسود إدارة يومية للأزمات، حيث يتم التعامل مع كل موسم أو حالة طارئة بمعزل عن سياقها الأوسع. ونتيجة لذلك، تتراكم الأزمات بدل أن تُحل، وتتآكل القدرة على التخطيط طويل الأمد، ويستمر الاعتماد على إجراءات مؤقتة. في هذا السياق، تتحول الأزمة من حالة استثنائية إلى وضع اعتيادي، ويبرز ما يمكن تسميته بـ"تطبيع الندرة". أي أن المجتمع والدولة يبدآن في التعامل مع النقص بوصفه أمرًا طبيعيًا، وليس انحرافًا ينبغي تصحيحه. يتجلى ذلك في تقبل انخفاض مناسيب الأنهار، والتكيّف مع تقلص الرقعة الزراعية، والاعتياد على تدهور جودة المياه. هذا التطبيع يُضعف الإحساس بالإلحاح، ويقلل من الضغط باتجاه الإصلاح، مما يجعل العودة إلى مستويات أفضل أكثر صعوبة بمرور الوقت. ولا تقتصر آثار الاستنزاف على الجانب البيئي، بل تمتد إلى البنية الاقتصادية. فالقطاع الزراعي، الأكثر اعتمادًا على المياه، يتعرض لضغوط متزايدة تتمثل في انخفاض الإنتاجية وارتفاع التكاليف وتراجع الأمن الغذائي. كما تتأثر قطاعات أخرى كالصناعة والطاقة بشكل غير مباشر، ما ينعكس على هشاشة الاقتصاد الوطني، خاصة في ظل محدودية التنويع الاقتصادي.-أما اجتماعيًا، فإن تداعيات الاستنزاف تمس حياة الأفراد بشكل مباشر، من خلال زيادة الهجرة من المناطق الريفية، وارتفاع معدلات البطالة، وتصاعد التوترات المحلية حول الموارد. ومع استمرار هذه الضغوط، قد تتحول إلى عوامل تهدد الاستقرار الاجتماعي والسياسي إذا لم تُدار بفعالية. ما يميز الحالة العراقية أنها لا تنتمي إلى أحد طرفي الأزمة: لا انهيار كامل يدفع إلى التحرك، ولا تعافٍ حقيقي يبعث على الاستقرار. إنها حالة وسطية مستمرة، تُعد من أخطر الأوضاع، لأنها لا تولد حافزًا كافيًا للإصلاح، ولا توفر في الوقت ذاته أرضية للاستقرار. وهكذا، يستمر النظام في العمل بكفاءة منخفضة، مع تآكل تدريجي في الموارد والقدرات. إذا كان الاستنزاف هو السمة الغالبة، فإن نقطة البداية لأي إ لاح حقيقي تكمن في إعادة تعريف المشكلة. فالمسألة لا تتعلق فقط بندرة المياه، بل بخلل هيكلي في الإدارة، وضعف في الحوكمة، وغياب الرؤية الاستراتيجية. ومن هنا، لا يمكن أن تكون الحلول تقنية فقط، بل يجب أن تكون مؤسسية وسياسية أيضًا. ورغم تعقيد المشهد، فإن الخروج من دائرة الاستنزاف ممكن، لكنه يتطلب تحولات جوهرية، أبرزها: إعادة بناء منظومة الحوكمة المائية عبر توحيد المؤسسات وتعزيز التنسيق، تبني رؤية استراتيجية طويلة المدى تعيد ترتيب أولويات استخدام المياه، الانتقال من إدارة الأزمة إلى إدارة المورد من خلال رفع كفاءة الاستخدام وتعزيز الاستدامة، إضافة إلى تنشيط الوعي المجتمعي لمواجهة تطبيع الندرة واستعادة الإحساس بالإلحاح. إن التحدي الحقيقي الذي يواجه العراق اليوم لا يكمن فقط في نقص المياه، بل في خطر الوقوع في فخ "الاستنزاف الدائم"، حيث تُدار الأزمة بدل حلها، ويُحتوى التدهور بدل عكسه. وفي هذا السياق، لا يتمثل الخطر الأكبر في فقدان المياه بحد ذاته، بل في فقدان القدرة على استعادة التوازن. فكلما طال أمد التكيّف مع النقص، أصبحت العودة إلى مسار الاستدامة أكثر صعوبة. وعليه، فإن إعادة التفكير في إدارة المياه لم تعد خيارًا، بل ضرورة وجودية تتطلب تحولًا عميقًا في السياسات والمؤسسات والوعي العام. لأن استمرار الوضع الحالي لا يعني سوى المزيد من التراجع… ولكن بوتيرة بطيئة، تخفي الخطر أكثر مما تمنعه.



#رمضان_حمزة_محمد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كيف يمكن أن تتحول المياه من مورد حياة إلى أداة استراتيجية لل ...
- سلاح الماء وإعادة تشكيل الجغرافيا العراقية عندما تتحول أزمة ...
- الحق في المياه: بين البعد الإنساني ومسؤولية الاستخدام المستد ...
- أزمة المياه في العراق: قصة موردٍ يتحول إلى قضية دولة.؟
- الأمن المائي في العراق في عالم يتغير: حين تتراجع القواعد وتت ...
- خطة استراتيجية مرحلية لحماية الأمن المائي العراقي في ظل تصاع ...
- حيثما يتدفق الماء… تزدهر المساواة
- من هندسة الضبط إلى هندسة الشراكة من خلال التحول الخطابي في ا ...
- العراق من فيض الحضارات إلى شحّ السياسات وبلد مهدد بالعجز الم ...
- العراق من الوفرة المائية التاريخية إلى نقص المياه والشحة الم ...
- أهمية استخدام المنهجية التحليلية NOISE في استشراف واقع القطا ...
- قراءة استراتيجية لمستقبل البلاد المائي
- أزمة المياه في العراق هل هي “فشل إدارة” أم “هندسة عطش”.؟
- نحو عقد اجتماعي مائي جديد في العراق.؟
- دول المنبع حولت مفهوم نهري دجلة والفرات من “موارد طبيعية” ال ...
- خارطة طريق لتعزيز الأمن المائي في العراق
- قد لا يقتل نهري دجلة والفرات بالجفاف… بل بخطاب العجز.؟
- العراق والمنعطف الهيدرولوجي الجديد يعيدُ هندسة النفوذ في حوض ...
- كيف يفقد العراق روح انهارها بجفاف مياهها قبل أن يفقد البلاد ...
- من تحالف مرونة المياه لعام 2026 في دافوس هل يمكن بناء مرونة ...


المزيد.....




- شاهد كيف أشعل قصف أكبر حقل غاز طبيعي في العالم أزمة طاقة جدي ...
- طائرة -إف-35- أمريكية تهبط اضطراريًّا بعد تعرضها لما يعتقد أ ...
- وزير الخارجية السعودي يتحدث لـCNN عن إمكانية الرد عسكريًّا ع ...
- إيران وإسرائيل: الأزهر يدين الهجمات على دول الخليج بعد أيام ...
- جنوب لبنان على خط النار: كمائن حزب الله تضرب -الميركافا-.. و ...
- ألمانيا وخمس دول تبدي استعدادها لحماية الملاحة عبر مضيق هرمز ...
- منعطف جديد في حرب الشرق الأوسط.. هل بدأت حرب الغاز؟
- صواريخ إيرانية تسقط على تل أبيب وضواحيها
- إدارة ترامب ترسل رسائل متناقضة حول الحرب في إيران ومبرراتها ...
- بيان مشترك للوزراء المجتمعين في الرياض يدين استهداف المواقع ...


المزيد.....

- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رمضان حمزة محمد - العراق تحت وطأة الاستنزاف المائي: من إدارة الوفرة إلى إدارة الندرة.؟