رمضان حمزة محمد
باحث
الحوار المتمدن-العدد: 8668 - 2026 / 4 / 5 - 09:20
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
لا تُختزل الأزمات المائية في العراق في بعدها الكمي المرتبط بتراجع الموارد فحسب، بل تتجذّر في نمط إدارتها الذي ظلّ لسنوات طويلة قائمًا على الاستجابة للأزمات بدلًا من استباقها. وفي ظل التحولات المناخية والضغوط المتزايدة على الموارد، لم يعد هذا النهج قادرًا على ضمان الأمن المائي، ما يستدعي إعادة صياغة الاستراتيجية المائية على أسس أكثر شمولًا وفاعلية.
اعتمدت الإدارة المائية تقليديًا على التعامل مع الأزمات عند وقوعها، من خلال إجراءات آنية مثل تقنين الإطلاقات أو تقليص المساحات الزراعية. غير أن هذا النهج يعكس حالة من “الإدارة الدفاعية” التي لا تعالج جذور المشكلة. إن التحول المطلوب يتمثل في الانتقال إلى إدارة استباقية تقوم على التخطيط طويل الأمد للموارد، تعظيم كفاءة الخزن والتوزيع، تطوير تقنيات الري الحديثة، إدارة الطلب بدل الاكتفاء بزيادة العرض. إن حصر الأمن المائي بمياه الأنهار فقط يجعل النظام المائي هشًا أمام التقلبات. لذا، ينبغي إعادة تعريف المنظومة المائية بوصفها شبكة متعددة المصادر تشمل المياه الجوفية، إعادة استخدام المياه المعالجة، حصاد مياه الأمطار، تحسين كفاءة استخدام المياه في الزراعة. هذا التوسع يساهم في تقليل الاعتماد على مصدر واحد، ويعزز مرونة النظام المائي. وضرورة تفكيك منطق الاستنزاف حيث يعاني العراق من استنزاف مائي مزدوج، استنزاف كمي نتيجة السحب غير المنظم، استنزاف نوعي بسبب التلوث والتملّح وهو ما يؤدي إلى تآكل تدريجي في القدرة الإنتاجية للموارد المائية. وعليه، فإن التحول نحو الاستدامة يتطلب تقليل الفاقد في شبكات النقل، إعادة تأهيل الأراضي المتدهورة، تبني سياسات مائية قائمة على الكفاءة وليس الوفرة. حيث لم تعد القوة المائية تقاس بوفرة المورد فقط، بل بقدرة الدولة على إدارته بكفاءة.
فالدول التي تعاني شحًا مائيًا استطاعت تحقيق استقرار نسبي عبر تحسين الإدارة، في حين أن الدول الغنية بالمياه قد تواجه أزمات بسبب سوء الحوكمة. وعليه، فإن القوة المائية في العراق يجب أن تُبنى على كفاءة المؤسسات وتكامل السياسات، استخدام البيانات والتكنولوجيا في اتخاذ القرار. ان الحاجة الى التوازن بين الاستخدام والاستدامة وعدم الاستمرار في الأنماط الحالية للاستخدام التي سيؤدي إلى تعميق الأزمة على المدى الطويل. لذا، يصبح تحقيق التوازن بين الاستهلاك، التجدد الطبيعي، حماية النظام البيئي ضرورة استراتيجية، وليس خيارًا تنمويًا إن التحدي الحقيقي الذي يواجه العراق ليس فقط في تأمين المياه، بل في كيفية إدارتها ضمن رؤية استراتيجية متكاملة. فالانتقال من منطق الاستنزاف إلى الاستدامة يتطلب إصلاحًا مؤسسيًا عميقًا، وتبني سياسات مبتكرة تعزز كفاءة الاستخدام وتضمن استمرارية المورد. وبذلك، يمكن للعراق أن يتحول من نموذج إدارة الأزمات إلى نموذج إدارة الموارد، بما يؤسس لأمن مائي مستدام في مواجهة التحديات المستقبلية.
#رمضان_حمزة_محمد (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟