أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رمضان حمزة محمد - الجغرافيا العاطفية للمياه في وادي الرافدين: من ذاكرة الأنهار إلى مستقبل الإدارة المائية.؟















المزيد.....

الجغرافيا العاطفية للمياه في وادي الرافدين: من ذاكرة الأنهار إلى مستقبل الإدارة المائية.؟


رمضان حمزة محمد
باحث


الحوار المتمدن-العدد: 8724 - 2026 / 6 / 2 - 20:11
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


اعتادت الدراسات المائية التقليدية النظر إلى المياه باعتبارها موردًا طبيعيًا يخضع للحسابات الهيدرولوجية والهندسية والاقتصادية. غير أن العقود الأخيرة شهدت تحولًا مهمًا في فهم العلاقة بين الإنسان والماء، حيث بدأت العلوم الاجتماعية والإنسانية تكشف عن أبعاد أخرى لا تقل أهمية عن الجوانب التقنية، تتمثل في العواطف والذاكرة والهوية والانتماء المرتبطة بالمياه وتأتي الدراسات الحديثة حول "الجغرافيا العاطفية للمياه" لتؤكد أن قرارات المياه ليست مجرد قرارات فنية أو إدارية، بل هي قرارات تتشابك فيها المشاعر الجماعية والذكريات التاريخية والقيم الثقافية مع الاعتبارات الاقتصادية والسياسية. وتكتسب هذه الرؤية أهمية خاصة عند إسقاطها على وادي الرافدين، الذي يمثل أحد أقدم الفضاءات الحضارية التي تشكلت حول الماء في تاريخ البشرية.
الماء بوصفه أساس الهوية الحضارية في العراق
لم يكن نهرا دجلة والفرات مجرد مصدر للمياه بالنسبة لسكان بلاد الرافدين، بل شكلا على مدى آلاف السنين جوهر الهوية الحضارية العراقية. فمن ضفافهما نشأت حضارات سومر وأكد وبابل وآشور، وارتبطت الأساطير والديانات والطقوس الزراعية بدورات الفيضان والجفاف.
لقد أدرك العراقي القديم أن وجوده مرتبط بالماء، فبنى شبكات ري معقدة، وشيد السدود والقنوات والخزانات، وأنشأ نظمًا متقدمة لإدارة الموارد المائية. ولم تكن هذه المنشآت مجرد هياكل هندسية، بل كانت تجسيدًا لعلاقة روحية وثقافية عميقة بين الإنسان والنهر.
ومن هذا المنطلق يمكن اعتبار الأنهار العراقية جزءًا من الذاكرة الجمعية للشعب العراقي، تمامًا كما تُعد المواقع الأثرية والمعالم التاريخية جزءًا من التراث الوطني.
الأهوار العراقية: جغرافية المشاعر والانتماء
تمثل أهوار جنوب العراق أحد أوضح النماذج العالمية للجغرافيا العاطفية للمياه. فالأهوار ليست مجرد نظام بيئي رطب، بل هي فضاء ثقافي واجتماعي متكامل تشكلت فيه أنماط حياة فريدة عبر آلاف السنين.
لقد ارتبط سكان الأهوار بالماء ارتباطًا وجوديًا؛ فالمسكن ووسائل النقل وأنشطة الصيد وتربية الجاموس والعادات الاجتماعية كلها نشأت في إطار البيئة المائية. ولذلك فإن تجفيف الأهوار خلال العقود الماضية لم يؤدِ فقط إلى خسائر بيئية واقتصادية، بل تسبب أيضًا في صدمة اجتماعية ونفسية عميقة تمثلت في فقدان المكان والهوية والانتماء.
ومن منظور الجغرافيا العاطفية للمياه، يمكن النظر إلى إعادة إحياء الأهوار بعد عام 2003 على أنها عملية استعادة للذاكرة الجماعية بقدر ما هي مشروع بيئي أو هيدرولوجي.
المنشآت المائية التاريخية بوصفها ذاكرة مادية للماء
تزخر بلاد الرافدين بتراث هندسي مائي استثنائي يمتد من العصور السومرية إلى العصر الحديث. وتشمل هذه المنشآت السدود القديمة، والقنوات التاريخية، والمنظمات المائية، والسواقي، وشبكات الري التي شكلت العمود الفقري للاقتصاد الزراعي عبر القرون.
إن قيمة هذه المنشآت لا تقتصر على دورها الوظيفي، بل تكمن أيضًا في كونها تمثل ذاكرة مادية للعلاقة التاريخية بين الإنسان والماء. فعندما تتعرض هذه المنشآت للإهمال أو الاندثار، لا يخسر المجتمع بنية تحتية فحسب، بل يفقد جزءًا من تاريخه وهويته الثقافية ومن هنا تبرز أهمية توثيق وصيانة التراث الهندسي المائي العراقي بوصفه جزءًا من التراث الوطني والإنساني.
الأبعاد الثلاثة للجغرافيا العاطفية للمياه في العراق
أولاً: البعد المكاني ويرتبط العراقيون عاطفيًا بالمكان المائي الذي يعيشون فيه. فالفرات بالنسبة لسكان الأنبار ليس مجرد نهر، كما أن دجلة بالنسبة لأهالي الموصل أو الأهوار بالنسبة لسكان الجنوب ليست مجرد مسطحات مائي إن هذه المساحات المائية تمثل جزءًا من الذاكرة الشخصية والجماعية، وترتبط بقصص الطفولة والعمل والزراعة والهجرة والاحتفالات الشعبية.
ثانياً: البعد الزمي حيث تحمل المياه في العراق حمولة تاريخية استثنائية تمتد لآلاف السنين. فالتجارب المتراكمة من الفيضانات والجفاف والازدهار الزراعي والانهيارات البيئية تركت آثارًا عميقة في الوعي الجمعي وتنعكس هذه الذاكرة التاريخية اليوم في المخاوف المرتبطة بأزمات المياه والتغير المناخي، وفي التطلعات لاستعادة دور العراق التاريخي كأرض للأنهار والحضارات.
ثالثاً: البعد السياسي حين تتجاوز قضية المياه في العراق حدود الإدارة المحلية لتصبح قضية سيادة وأمن قومي وعدالة اجتماعية. فمشاعر القلق والإحباط المرتبطة بتراجع الواردات المائية من دول المنبع لا تنبع فقط من الخسائر الاقتصادية، بل أيضًا من الإحساس بتهديد أحد أهم مقومات الهوية الوطنية، كما تظهر الأبعاد السياسية للعواطف المائية في التفاوتات المحلية المتعلقة بالحصول على المياه بين المناطق المختلفة، وما يرافق ذلك من شعور بالإنصاف أو التهميش.
من الهندسة المائية إلى الهندسة الاجتماعية للمياه
إن التحديات المائية التي يواجهها العراق في القرن الحادي والعشرين لا يمكن التعامل معها من خلال الحلول الهندسية وحدها، مهما بلغت أهميتها. فالسدود والخزانات والقنوات تمثل جزءًا من الحل، لكنها لا تكفي إذا تجاهلت الأبعاد الاجتماعية والثقافية والعاطفية المرتبطة بالمياه لذلك فإن التخطيط المائي المستقبلي ينبغي أن يدمج المعرفة الهندسية مع العلوم الاجتماعية والإنسانية، وأن يأخذ في الاعتبار قيم المجتمعات المحلية وذاكرتها التاريخية وعلاقتها الثقافية بالماء.
فإذا كانت حضارات العالم قد نشأت على ضفاف الأنهار، فإن حضارة وادي الرافدين نشأت من تفاعل فريد بين الإنسان والماء استمر آلاف السنين. واليوم، ومع تصاعد تحديات التغير المناخي وتناقص الموارد المائية، يصبح من الضروري إعادة النظر في مفهوم إدارة المياه ليشمل ليس فقط الجوانب التقنية والهيدرولوجية، بل أيضًا الأبعاد العاطفية والثقافية والإنسانية فالماء في العراق ليس مجرد مورد اقتصادي، بل هو ذاكرة وهوية وانتماء وتاريخ. ومن دون فهم هذه الحقيقة، ستبقى سياسات المياه ناقصة مهما بلغت دقتها العلمية. أما إدماج الجغرافيا العاطفية للمياه في التخطيط والإدارة، فإنه يفتح الباب أمام سياسات أكثر عدالة واستدامة، تحافظ على الأنهار والأهوار والمنشآت المائية بوصفها شرايين للحياة وركائز للهوية الحضارية العراقية.



#رمضان_حمزة_محمد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تراث العراق المائي هل هو ما بقي من الماضي فقط، أم ذاكرةً حيّ ...
- هل من دروس مستفادة لتطيق أفضل الممارسات في معالجة نقص المياه ...
- حين تصبح الجغرافيا المائية هويةً اجتماعية ويتم إعادة رسم خري ...
- من الذاكرة المائية إلى الهوية الوطنية: العراق بين طمس النهر ...
- من الإدارة المجزأة إلى الأمن المائي المستدام: رؤية إصلاحية ل ...
- الماء: رحلة، جودة، واستدامة الحياة.؟
- كيف يضعف غيابُ الإجماع الداخلي موقفَ العراق المائي.؟
- في العراق التحدي الحقيقي ليس في توفر المياه من عدمه، بل في ك ...
- تغير المناخ ومستقبل الموارد المائية في العراق: من إدارة الأز ...
- سدود أعالي النهرين بين المتانة الهندسية والهشاشة التكتونية.. ...
- حاجة العراق الى مشروع وطني لإدارة المياه قائم على التوقع، ول ...
- المياه في العراق حتى 2035: بين وفرة مؤقتة وتحديات بنيوية مست ...
- من سردية الأزمة إلى سردية الفاعلية لضمان الأمن المائي في الع ...
- من فقه السنن إلى حوكمة المياه: استشراف مستقبل العراق المائي ...
- من الاستنزاف إلى الاستدامة: نحو إعادة صياغة الاستراتيجية الم ...
- إدارة الوفرة قبل الندرة: نحو حوكمة مستدامة للموارد المائية ف ...
- من إدارة الأزمات المائية إلى استثمار الوفرة المائية: اختبار ...
- المياه في قلب الصراع: كيف تُسرّع الحروب الانهيار المائي في ا ...
- تسعير المياه: بين ضرورات الإدارة وحدود العدالة الاجتماعية وك ...
- العراق المائي وسياسة “النأي بالنفس” في إدارة الأزمات المائية ...


المزيد.....




- لحظة اصطدام سيارة بمنزل سكني في فلوريدا.. شاهد ما حدث
- جنح القاهرة الجديدة تقضي بحبس دومة سنة مع الشغل لدفاعه عن حق ...
- طهران تتوعد بـ-سيل من الصواريخ والمسيّرات- في حال تجدد الهجم ...
- مقتل شخص وأكثر من 60 جريحا في هجوم بمسيرات وصواريخ ‌إيرانية ...
- ألبوم -نفس- لسلوى جرادات: مقاربة موسيقية أصيلة لنصوص شاعرات ...
- لبنان: مقتل 6 أشخاص باستهداف إسرائيلي لسيارة قرب مدينة صور
- بين النفقة والسكن.. معاناة المطلقات في مصر
- ماكرون يلتقي وزير الداخلية الجزائري والبلدان يتفقان على تعزي ...
- تنسيق قطري سعودي لدعم جهود الوساطة وخفض التصعيد بالمنطقة
- قوى سودانية تتمسك بحوار داخلي وترفض شرعنة الدعم السريع


المزيد.....

- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رمضان حمزة محمد - الجغرافيا العاطفية للمياه في وادي الرافدين: من ذاكرة الأنهار إلى مستقبل الإدارة المائية.؟