أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رمضان حمزة محمد - من الذاكرة المائية إلى الهوية الوطنية: العراق بين طمس النهر واستعادة المعنى.؟














المزيد.....

من الذاكرة المائية إلى الهوية الوطنية: العراق بين طمس النهر واستعادة المعنى.؟


رمضان حمزة محمد
باحث


الحوار المتمدن-العدد: 8710 - 2026 / 5 / 19 - 20:18
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لم تكن المياه في العراق يومًا مجرد موردٍ طبيعي يُستخدم للشرب والزراعة، بل كانت جزءًا من الذاكرة الجماعية والهوية الحضارية والوعي الاجتماعي للدولة والمجتمع. فالعراق الذي تشكّل تاريخيًا حول نهري دجلة والفرات، لم يبنِ مدنه واقتصاده فقط على الماء، بل بنى أيضًا ثقافته وأساطيره وأنماط حياته وعلاقته بالأرض والإنسان. غير أن التحولات السياسية والاقتصادية والبيئية التي مرّ بها البلد خلال العقود الأخيرة دفعت هذه العلاقة التاريخية إلى حالةٍ من التآكل التدريجي، حتى بات العراق يعيش اليوم ما يشبه “اللاذاكرة المائية”، حيث يجري التعامل مع المياه كملفٍ خدمي أو أزمة موسمية، لا كجزءٍ من الهوية الوطنية والأمن الحضاري للدولة.
لقد عرف العراق عبر تاريخه الطويل كيف يحوّل الماء إلى عنصرٍ لبناء الاستقرار والقوة. فمنذ الحضارات السومرية والبابلية، ارتبط مفهوم الدولة بإدارة الري وتنظيم الأنهار وحماية الأراضي الزراعية. وكانت شبكات القنوات والسدود القديمة تمثل آنذاك شكلًا مبكرًا من أشكال الحوكمة المائية والتنظيم المجتمعي. ولم يكن النهر مجرد مجرى مائي، بل مركزًا للحياة الاقتصادية والاجتماعية والروحية. فالأهوار في جنوب العراق مثلًا لم تكن بيئة طبيعية فحسب، بل فضاءً ثقافيًا متكاملًا تشكّلت داخله أنماط العيش واللغة والموسيقى والعلاقات الاجتماعية والرموز الشعبية.
لكن هذه العلاقة التاريخية بدأت تتعرض إلى التهميش مع صعود أنماط الإدارة المركزية الحديثة، ثم تعمّقت الأزمة بفعل الحروب والتجفيف والإهمال وتراجع التخطيط الاستراتيجي. ومع الوقت، تحوّل ملف المياه إلى قضية تقنية معزولة عن بعدها الاجتماعي والثقافي، وأصبح الحديث عن الأنهار يقتصر غالبًا على نسب الإطلاقات المائية أو مواسم الجفاف، بينما تراجعت مكانة الماء بوصفه جزءًا من الوعي الوطني والذاكرة العراقية.
هذا التحوّل يشبه إلى حدٍ كبير ما يحدث عندما تتعرض المجتمعات لمحاولات طمس ذاكرتها الجماعية. فكما تفقد الجماعات المهمّشة حضورها عندما يُغيَّب تاريخها وروايتها، يفقد العراق جزءًا من هويته عندما يُختزل تاريخه المائي في أرقام وتقارير إدارية. إن تراجع الأهوار، واندثار البساتين، وهجرة القرى الزراعية، وتغيّر شكل المدن النهرية، ليست مجرد نتائج بيئية أو اقتصادية، بل تعبير عن انقطاع تدريجي بين العراقيين وموروثهم المائي العميق.
وفي السنوات الأخيرة، ظهرت آثار هذا الانقطاع بصورة أكثر وضوحًا. فالتغيّر المناخي، والتراجع الحاد في الإيرادات المائية، وارتفاع نسب التصحر، وازدياد الهجرة من الريف إلى المدن، كلها كشفت هشاشة البنية المائية العراقية. كما أن غياب الرؤية الوطنية المتكاملة لإدارة المياه جعل الأزمة تتفاقم بين تعدد المؤسسات وضعف التنسيق وغياب الاستثمار الحقيقي في البنى التحتية والتكنولوجيا والحوكمة.
ومع ذلك، فإن مستقبل العراق المائي لا يرتبط فقط بالسدود والمشاريع الهندسية، بل بإعادة بناء العلاقة المعنوية والثقافية بين المجتمع والماء. فالدول لا تحمي مواردها الاستراتيجية بالقوانين وحدها، بل بتحويلها إلى جزءٍ من وعيها الجمعي. والعراق يحتاج اليوم إلى استعادة “الذاكرة المائية” بوصفها عنصرًا من عناصر الهوية الوطنية، وليس مجرد ملفٍ إداري أو تفاوضي.
إن استعادة هذه الذاكرة تبدأ من الاعتراف بأن أزمة المياه ليست أزمة نقصٍ فقط، بل أزمة إدارة وإدراك ومعنى. فحين يشعر المواطن أن النهر جزءٌ من تاريخه ومستقبله، تصبح حمايته مسؤولية مجتمعية لا مهمة حكومية فحسب. وحين تتحول الأهوار والأنهار والموارد المائية إلى مكوّنٍ حاضر في الثقافة والتعليم والإعلام والسياسات العامة، يمكن للعراق أن يؤسس لمرحلة جديدة تتجاوز منطق إدارة الأزمات المؤقتة نحو بناء أمنٍ مائي مستدام.
إن العراق يقف اليوم أمام لحظة مفصلية، إما أن يستمر في التعامل مع المياه باعتبارها أزمة طارئة تُدار بردود الأفعال، أو أن يعيد اكتشافها بوصفها أساسًا وبوصلة للهوية والسيادة والاستقرار والتنمية. فالماء في العراق ليس مجرد موردٍ مهدد، بل ذاكرة وطنٍ كامل، وإذا ضاعت الذاكرة، يصبح المستقبل أكثر هشاشة وغموضًا.



#رمضان_حمزة_محمد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من الإدارة المجزأة إلى الأمن المائي المستدام: رؤية إصلاحية ل ...
- الماء: رحلة، جودة، واستدامة الحياة.؟
- كيف يضعف غيابُ الإجماع الداخلي موقفَ العراق المائي.؟
- في العراق التحدي الحقيقي ليس في توفر المياه من عدمه، بل في ك ...
- تغير المناخ ومستقبل الموارد المائية في العراق: من إدارة الأز ...
- سدود أعالي النهرين بين المتانة الهندسية والهشاشة التكتونية.. ...
- حاجة العراق الى مشروع وطني لإدارة المياه قائم على التوقع، ول ...
- المياه في العراق حتى 2035: بين وفرة مؤقتة وتحديات بنيوية مست ...
- من سردية الأزمة إلى سردية الفاعلية لضمان الأمن المائي في الع ...
- من فقه السنن إلى حوكمة المياه: استشراف مستقبل العراق المائي ...
- من الاستنزاف إلى الاستدامة: نحو إعادة صياغة الاستراتيجية الم ...
- إدارة الوفرة قبل الندرة: نحو حوكمة مستدامة للموارد المائية ف ...
- من إدارة الأزمات المائية إلى استثمار الوفرة المائية: اختبار ...
- المياه في قلب الصراع: كيف تُسرّع الحروب الانهيار المائي في ا ...
- تسعير المياه: بين ضرورات الإدارة وحدود العدالة الاجتماعية وك ...
- العراق المائي وسياسة “النأي بالنفس” في إدارة الأزمات المائية ...
- في اليوم العالمي للمياه: ماذا يجب على الحكومة العراقية لمعال ...
- العراق تحت وطأة الاستنزاف المائي: من إدارة الوفرة إلى إدارة ...
- كيف يمكن أن تتحول المياه من مورد حياة إلى أداة استراتيجية لل ...
- سلاح الماء وإعادة تشكيل الجغرافيا العراقية عندما تتحول أزمة ...


المزيد.....




- -رامزي- في العشرين.. ملك الغابة يحتفل بعيد ميلاده وسط مئات ا ...
- -تزوجا للتو-.. تفاصيل من حفل زفاف تايلور سويفت بحضور نخبة من ...
- شاهد مطاردة طريفة بين الشرطة وماعز هارب في ولاية واشنطن
- -أنقذ حياة لا حقيبة-.. الاتحاد الدولي للنقل الجوي يحذر من اص ...
- التكلفة المتوقعة لحفل زفاف تايلور سويفت في -ماديسون سكوير غا ...
- صور جديدة من إطلالة لطيفة الدروبي مع أحمد الشرع خلال مناسبة ...
- جماهير الرأس الأخضر تبقى فخورة رغم الخسارة أمام الأرجنتين
- الولايات المتحدة..250 عاماً من الهيمنة والقوة العسكرية
- الإعلام الإسرائيلي يشتعل غضبا من احتفال حسام حسن بالعلم الفل ...
- مدفيديف: مضيق هرمز سلاح إيران النووي وباب المندب قنبلة نووية ...


المزيد.....

- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رمضان حمزة محمد - من الذاكرة المائية إلى الهوية الوطنية: العراق بين طمس النهر واستعادة المعنى.؟