أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رمضان حمزة محمد - حين تصبح الجغرافيا المائية هويةً اجتماعية ويتم إعادة رسم خريطة البلاد من الداخل.؟














المزيد.....

حين تصبح الجغرافيا المائية هويةً اجتماعية ويتم إعادة رسم خريطة البلاد من الداخل.؟


رمضان حمزة محمد
باحث


الحوار المتمدن-العدد: 8712 - 2026 / 5 / 21 - 23:01
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لم يعد العراق اليوم البلد الذي تصفه خرائط الأطلس المدرسية. فالأرقام الرسمية تقول إن مساحته 438,317 كيلومترًا مربعًا، وأن نهرَي دجلة والفرات يخترقانه من الشمال إلى الجنوب، وأن أهواره في الجنوب من روائع التنوع البيولوجي في العالم. لكن الواقع يرسم صورةً مغايرة تمامًا: مساحاتٌ شاسعة من الأراضي الزراعية تحوّلت إلى صحراء، وقرى كاملة باتت خاليةً من سكانها، وخريطة مياه في طور الاندثار البطيء.
ما يجري ليس أزمةً مناخية عابرة، بل إعادة رسمٍ هادئة ومتواصلة لجغرافيا البلاد، لا تنتجها المعارك المسلّحة، بل تصنعها السدود التي تُشيَّد خارج الحدود، والسياسات المائية التي تُقرَّر في أنقرة وطهران قبل أن تُقرَّر في بغداد، والتغيّر المناخي الذي يُعجّل بكل ذلك دون استئذان.
اذن واقع الحال واستشراف للمستقبل فان الخريطة تتقلّص، حيث منذ عقود، والعراق يخسر ماءه بالتدريج. تركيا أنجزت منظومة سدود "الغاب" على نهر الفرات، وتواصل بناء سدود جديدة على دجلة، في مقدّمتها سدّ إليسو الذي دخل الخدمة عام 2020 وحوّل ملايين الأمتار المكعبة من الماء إلى بحيرة اصطناعية تركية. وإيران، من جهتها، حوّلت روافد دجلة الشرقية واحدًا تلو الآخر، فجفّت أنهارٌ كانت تُغذّي السهل الرسوبي العراقي منذ فجر الحضارة.
النتيجة أرقامٌ لا تحتمل التأويل فقد انخفض الإيراد المائي لنهر الفرات الداخل إلى العراق بما يتجاوز 70 بالمئة مقارنةً بمستوياته قبل خمسة عقود. ودجلة الذي كان يحمل نحو 50 مليار متر مكعب سنويًا بات يصل بأقل من النصف في سنوات الجفاف. وأهوار جنوب العراق، التي أُعيد إحياؤها بعد عام 2003 ليُدرجها اليونسكو ضمن التراث الإنساني عام 2016، تعيش اليوم ذبولًا متجدّدًا، إذ تتقلّص مساحاتها موسمًا بعد موسم. وهذا التقلّص لا يعني فقط شُحّ الماء؛ يعني قرىً كاملة يهجرها أهلها، وأراضيَ زراعية تنكسر ملوحةً وتشقّقًا، ومدنًا تنمو بما لم تُصمَّم له من ضغط بشري قادم من الريف الهارب.، وهذا النزوح الصامت يعيدُ توزيع البشر، لان ما يحدث في الجنوب العراقي، في محافظات ميسان وذي قار والبصرة، هو نزوح بطيء لكنه بالغ العمق. الفلاح الذي توارث أرضه جيلًا بعد جيل، والصياد الذي كانت الأهوار بيته ومصدر رزقه، والمربّي الذي أدار قطعانه على ضفاف الأنهار، كلّهم يتّخذون اليوم قرار المغادرة دون أن يُسمع لهم صوت في نشرات الأخبار.
ويتوجّه هذا النزوح بصورة رئيسية نحو المدن الكبرى؛ بغداد والبصرة والنجف، التي تستقبل الوافدين بلا بنية تحتية تستوعبهم. تنشأ على أطرافها أحزمةٌ من الفقر الحضري، يُعاد فيها إنتاج الهشاشة الريفية في قلب المدينة. ويحمل هؤلاء النازحون معهم خسارتَين لا خسارةً واحدة: خسارة الأرض أولًا، وخسارة الهوية المرتبطة بها ثانيًا. وفي الشمال، حيث تمتدّ سهول نينوى وكركوك والمناطق المتاخمة لتركيا وإيران، يُفضي الجفاف إلى تداخلٍ بين الضغط المائي والحساسيات السياسية القائمة أصلًا، ما يجعل الماء عاملًا من عوامل التوتر لا مجرّد موردٍ طبيعي يُدار.
حين تصبح الجغرافيا المائية هويةً اجتماعية، هناك ثمة بُعدٌ آخر لهذا التحوّل لا يظهر في تقارير المياه الرسمية، لكنه يُعاش يوميًا على الأرض. فمع اشتداد الضغط على الموارد المائية، بدأت تظهر نزاعاتٌ تقليدية بين المزارعين ومربّي الماشية، وبين مدن تطالب بحصص أكبر وأرياف تشعر بأنها تُحرَم من حقوق تاريخية. وهذه النزاعات وإن كانت في جوهرها اقتصادية، فإنها سرعان ما تأخذ أبعادًا قبلية وجهوية. المجتمعات التي طالها الجفاف تنظر بعين الحسد إلى تلك التي لا تزال تحظى بالماء. والمحافظات التي تتولّى إدارة منافذ المياه الدولية الداخلة إلى البلاد تمتلك ورقةً ضغط على تلك الواقعة في الأسفل. وفي غياب سياسة وطنية شاملة وعادلة لإدارة المياه، تتسلّل إلى هذه المعادلة ديناميات الجغرافيا السياسية الداخلية، حتى يصبح الماء وسيطًا للنفوذ. مما وضع الدولة في مواجهة واقع لم تُهيَّأ له حيث منذ تأسيسه، بنى العراق مؤسساته وقوانينه وخططه الاقتصادية على افتراض وفرة مائية لم تعد قائمة. الدستور لا ينظّم مسألة شُحّ المياه، والقوانين الزراعية لا تزال تستند إلى فرضيات قديمة عن غزارة الري. والخطط التنموية لا تأخذ بالحسبان أن كثيرًا من الأراضي التي تُصنَّف زراعية ستكون عقيمةً في غضون عقد.
وفي غياب المعالجة الجذرية، تتواصل الديبلوماسية المائية العراقية بصورة متقطّعة وغير منهجية. فالمفاوضات مع تركيا تتوقّف وتنطلق دون أن تُفضي إلى اتفاقية ملزمة لتقاسم المياه. والتفاهمات مع إيران تبقى هشّة وعرضة للتقلّبات السياسية. ولا تزال القرارات الكبرى المتعلقة بالمياه التي تطال العراق تُتّخَذ إلى حدٍّ بعيد خارج حدوده.
السؤال الذي يطرح نفسه هل مستقبل العراق المائي يحتمل التأجيل؟
ان ما يرسمه الواقع اليوم أشدّ وطأةً مما تقوله الأرقام. فإذا تواصلت المعطيات الراهنة دون تدخّل حقيقي، فإن العراق مُقبِلٌ على خريطة مغايرة؛ ليس بمعنى تغيير حدوده السياسية، بل بمعنى تغيير خريطته الحيّة: أين يسكن الناس، وأين يزرعون، وأين يرتزق ومدنٌ ستتضخّم حتى تنفجر. وأرياف ستفرغ من سكانها. وأهوارٌ قد لا تعود لها الحياة التي عادت إليها بعد 2003. وحقول قد تتخلّى عن تاريخها الزراعي الممتدّ آلاف السني وأخطر ما في هذا المسار أنه لا يحدث بصخب الأحداث الكبرى، بل يتسرّب ببطء إلى النسيج اليومي، حتى يصبح ما كان مأساةً طارئة واقعًا مستقرًّا، ويصبح ما كان استثناءً هو القاعدة.
العراق لا يحتاج إلى مزيد من الدراسات التي توصف مشكلته، بل يحتاج إلى إرادة سياسية تُقرّ بأن الماء لم يعد مسألةً بيئية جانبية، بل هو في صميم السؤال الوجودي للبلاد: أيّ عراق سيبقى للأجيال القامة؟



#رمضان_حمزة_محمد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من الذاكرة المائية إلى الهوية الوطنية: العراق بين طمس النهر ...
- من الإدارة المجزأة إلى الأمن المائي المستدام: رؤية إصلاحية ل ...
- الماء: رحلة، جودة، واستدامة الحياة.؟
- كيف يضعف غيابُ الإجماع الداخلي موقفَ العراق المائي.؟
- في العراق التحدي الحقيقي ليس في توفر المياه من عدمه، بل في ك ...
- تغير المناخ ومستقبل الموارد المائية في العراق: من إدارة الأز ...
- سدود أعالي النهرين بين المتانة الهندسية والهشاشة التكتونية.. ...
- حاجة العراق الى مشروع وطني لإدارة المياه قائم على التوقع، ول ...
- المياه في العراق حتى 2035: بين وفرة مؤقتة وتحديات بنيوية مست ...
- من سردية الأزمة إلى سردية الفاعلية لضمان الأمن المائي في الع ...
- من فقه السنن إلى حوكمة المياه: استشراف مستقبل العراق المائي ...
- من الاستنزاف إلى الاستدامة: نحو إعادة صياغة الاستراتيجية الم ...
- إدارة الوفرة قبل الندرة: نحو حوكمة مستدامة للموارد المائية ف ...
- من إدارة الأزمات المائية إلى استثمار الوفرة المائية: اختبار ...
- المياه في قلب الصراع: كيف تُسرّع الحروب الانهيار المائي في ا ...
- تسعير المياه: بين ضرورات الإدارة وحدود العدالة الاجتماعية وك ...
- العراق المائي وسياسة “النأي بالنفس” في إدارة الأزمات المائية ...
- في اليوم العالمي للمياه: ماذا يجب على الحكومة العراقية لمعال ...
- العراق تحت وطأة الاستنزاف المائي: من إدارة الوفرة إلى إدارة ...
- كيف يمكن أن تتحول المياه من مورد حياة إلى أداة استراتيجية لل ...


المزيد.....




- انهيار أكثر من 10 مبانٍ إثر زلزالين في جنوب الصين
- حريق هائل يلتهم معبدًا يابانيًا يضم شعلة متّقدة منذ مئات الس ...
- الخارجية الإيرانية: لا شيء من -الشائعات- حول القضايا النووية ...
- إسرائيل ترحل ناشطي -أسطول الصمود- غداة تنديد دولي بطريقة معا ...
- فرنسا: -لا يستوجب إصدار قرار الترحيل-... ملف رامي شعث المهدد ...
- قطر.. استقرار المنطقة يستدعي مفاوضات جماعية مع إيران
- بعد استهداف الإمارات والسعودية من داخل أراضيه.. العراق يشكل ...
- إحياء دعوى تعويضات أمريكية ضد عمالقة السياحة البحرية بسبب كو ...
- علماء يتحدون قوانين الفيزياء لمحاكاة عظام بشرية بالذكاء الاص ...
- وسط حديث عن مؤشرات إيجابية في المفاوضات.. ترامب يصر على منع ...


المزيد.....

- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رمضان حمزة محمد - حين تصبح الجغرافيا المائية هويةً اجتماعية ويتم إعادة رسم خريطة البلاد من الداخل.؟