|
|
الحوار الثقافي الذي دار بين الدكتور عبد الكريم الحلو صاحب المقال وبين طه دخل الله عبد الرحمن والأستاذ فضيل حاج بن عدة حول
طه دخل الله عبد الرحمن
الحوار المتمدن-العدد: 8790 - 2026 / 8 / 7 - 20:48
المحور:
الادب والفن
جمهورية الصمت الثقافي الدكتور عبدالكريم الحلو ● لماذا يبخل المثقف العربي بالاعتراف بالجمال ؟ لا أخشى على الثقافة من الجهل بقدر ما أخشى عليها من النفاق. فالجهل يمكن أن يتعلم، أما النفاق الثقافي فقد أتقن فنَّ التنكر للحقيقة حتى صار يبتسم للرداءة، ويشيح بوجهه عن الإبداع. ولست أتحدث عن المال، ولا عن المناصب، ولا عن الامتيازات، بل عن أبسط أشكال الكرم الإنساني : كلمة تقدير، تعليق صادق، بصمة إعجاب، مشاركة لنص يستحق أن يصل إلى الناس. لقد أصبح هذا الكرم الأخلاقي عملةً نادرة في فضائنا الثقافي. ● إننا نعيش في جمهوريةٍ عجيبة ؛ فيها آلاف الشعراء والروائيين والباحثين والنقاد، لكن عدد الذين يحتفون بإنجازات غيرهم لا يكاد يُذكر. كلُّ واحدٍ ينتظر أن يُصفَّق له، ولا يريد أن يصفق لأحد. وكلُّ واحدٍ يريد أن يكون المنارة الوحيدة، ولو اضطر إلى إطفاء جميع المصابيح من حوله. ● وهذا الكلام يشمل السواد الاعظم : الهرم من قمته الى قاعدته حين يرى الشباب أن القيادات الثقافية لا تقرأ لبعضها، ولا تتفاعل مع بعضها، ولا تعترف ببعضها، فإنهم يتعلمون الدرس بسرعة. وهكذا تنتشر ثقافة الصمت كما تنتشر الأوبئة. هذا لا يعلق لأنه من حزب آخر وذاك لأنه من مدينة أخرى وثالث لأنه من طائفة أخرى ورابع لأنه لا ينتمي إلى شلة المقهى وخامس لأنه يخشى أن يصبح اسم الآخر أكبر من اسمه وسادس لأنه يعتقد أن كل كلمة مديح يمنحها لغيره تُقتطع من رصيده الشخصي. ● أيُّ فقرٍ نفسي هذا؟ لقد تحولت الثقافة عند بعض الناس إلى بورصةٍ للحسد، لا إلى فضاءٍ للمعرفة. ● ثم تأتي الكارثة الأكبر… التعليقات : تحت نصٍّ قضى صاحبه أيامًا أو أشهرًا في كتابته، تجد تعليقًا لا يتجاوز كلمتين: “أحسنت.” “جميل.” “سلم اليراع.” كلماتٌ تؤدى كما تؤدى الواجبات الإدارية، لا كما يُقرأ الأدب. أما إذا كان الكاتب صديقًا، أو صاحب نفوذ، أو عضوًا في الشلة، أو من أهل المصالح، فإن الرداءة نفسها تتحول إلى تحفةٍ أدبية، وتبدأ سيمفونية الإطراء التي لا علاقة لها بالنص. وهكذا يُقتل الذوق مرتين… مرةً بالصمت عن الجميل. ومرةً بالتصفيق للقبيح. ولا تقف المأساة عند المؤسسات الثقافية. حتى بعض دواوين شيوخ العشائر الميسورين لم يفكر أحدهم ان يكون ديوانه صالون ثقافي أصبحت اغلبها تعاني الفقر نفسه. لانها لا تحتفي بأديبٍ من أبنائها ولا تحتفل بشاعرٍ رفع اسمها ولا تكرم باحثًا أفنى عمره في العلم لكنها تفرش السجاد الأحمر لكل سياسيٍّ فاسد ما دام كرسيه لم يسقط بعد كأن الثقافة لا تمنح الهيبة وكأن المعرفة أقل شأنًا من السلطة وحين يُهان المثقف أمام اللص فلا تسأل بعد ذلك لماذا تتراجع الأمم ● إن المشكلة ليست في وسائل التواصل هذه المنصات مجرد مرايا لقد كشفت ما كان مخفيًا كشفت مقدار البخل الأخلاقي الذي يسكن النفوس وكشفت أن بعض الناس لا يبخل بالمال فقط، بل يبخل حتى بإصبعه يبخل أن يضغط زر الإعجاب ويبخل أن يكتب كلمة تشجيع ويبخل أن يشارك فكرة تستحق الانتشار ويبخل أن يعترف بأن غيره أبدع إنه بخلٌ من نوعٍ آخر بخلٌ في الاعتراف بخلٌ في الإنصاف بخلٌ في المحبة ● أثبتت الدراسات النفسية : أن الإنسان الواثق من نفسه يحتفي بنجاح الآخرين؛ لأنه لا يرى في تميزهم تهديدًا لوجوده، بل إضافةً إلى العالم الذي يعيش فيه. أما المهزوز من الداخل، فإنه يخاف من كل نجاح، ويحسب كل إشادة بغيره إعلانًا عن تراجعه. ولهذا فإن كثرة الصمت ليست دليل وقار، بل قد تكون دليل خوف. وكثرة التجاهل ليست علامة حكمة، بل قد تكون اعترافًا غير معلن بالهزيمة. ● في الدول التي صنعت الحضارة، يُربّى الطفل منذ سنواته الأولى على أن يقول: “أحسنت.” ويتعلم أن يصفق لمن يفوز. ويتعلم أن نجاح زميله لا يسرق مستقبله. أما نحن، فما زال كثيرون يربون أبناءهم على المنافسة المريضة، حتى صار الاعتراف بفضل الآخرين عند بعض الناس أشبه بالخيانة. إن الأمة التي تبخل بكلمة طيبة على علمائها وأدبائها، لن تكون كريمةً مع مستقبلها. والمجتمع الذي لا يحتفي بمبدعيه، سيحتفل يومًا بجنازات حضارته. ● وأنا على يقين أن أخطر أنواع الفساد ليس سرقة المال العام فقط ، بل سرقة القيمة الادبية ، حين يُهمَّش المبدع، ويُرفع المتملق، ويُكافأ صاحب الولاء بدل صاحب الكفاءة ذلك هو الفساد الذي لا تكتبه المحاكم في سجلاتها، لكنه يكتبه التاريخ في صفحات سقوط الأمم. ولذلك فإنني أدعو إلى ثورةٍ أخلاقية قبل أن أدعو إلى ثورةٍ ثقافية… ثورةٍ تعيد الاعتبار لكلمة “أحسنت” حين تُقال عن قناعة، وتجعل التعليق شهادة قراءة لا مجاملة، وتجعل بصمة الإعجاب موقفًا أخلاقيًا لا عادةً إلكترونية. ● فالأمم لا تنهض بكثرة الكتّاب وحدهم بل تنهض بكثرة الذين يملكون شجاعة الاعتراف بأن غيرهم كتب شيئًا يستحق أن يُقرأ. هذه ليست معركة “تعليق” أو “إعجاب”، بل معركة ضمير. فحين يصبح الاعتراف بالجميل عملاً نادرًا، يصبح الصمت شريكًا في اغتيال الإبداع، وتتحول الثقافة إلى قاعةٍ يتحدث فيها الجميع… ولا يُصغي أحد. محبتي للجميع الدكتور عبدالكريم الحلو كاتب وناقد أدبي عراقي #اشارةللجميع #رؤيتي_النقدية
هذا ما خصني به الناقد الكبير طه عبد الرحمن تشريح جثة الصمت الناقد العربي طه عبدالرحمن في البدء كان الصمت، لكنه لم يكن صمت الرهبان المتأملين، ولا صمت العشاق المندهشين، بل كان صمتًا من نوع آخر، صمتًا يشبه مقبرةً جماعيةً للأصوات التي قُتلت قبل أن تولد. : https://www.facebook.com/share/p/1JoTCDarHn/?mibextid=wwXIfr إننا لا نقف أمام أزمة ثقافية عابرة، بل أمام مسرح جريمة متكامل الأركان، حيث القاتل والمقتول يقيمان تحت سقف واحد، وحيث السلاح ليس سوى حنجرةٍ امتنعت عن النطق، وأصابعَ تيبست على لوحة المفاتيح، وقلبٍ انقبض عن الحب فصار قطعةً من حجر. لنكن صادقين حتى النخاع، فما نعيشه ليس "بُخلًا" بالمعنى الأخلاقي البسيط، بل هو إفلاس وجودي شامل. المثقف العربي لا يبخل بالاعتراف لأنه بخيل فحسب، بل لأنه يرى في نجاح غيره مرآةً تعكس فشله هو. كل نصٍ جميل يكتبه آخر ليس إبداعًا يُحتفى به، بل هو اتهامٌ صامت، شهادةُ ميلادٍ لإبداعٍ لم يمتلكه هو، ودليلُ إدانةٍ على عمرٍ قضاه في محطات الانتظار دون أن يغادر القطار. المسافة بين أن تقول "أبدعت" وأن تعترف بأنك لم تبدع، ليست مسافة أخلاقية، بل مسافة وجودية، عبورها يحتاج إلى شجاعة من نوع خاص، شجاعة من يواجه صورته في المرآة دون أن يكسرها. إننا أمام اقتصاد نفسي مريض، حيث الحب والثناء والتقدير سلعٌ محدودة الموارد، وحيث كل كلمة مديح تُمنح للآخر تُخصم -في عقل المريض- من رصيده الشخصي. إنه وهم الندرة الذي يُحوّل الثقافة إلى سوق سوداء، فيها يُهرَّب التقدير كعملة ممنوعة، ولا يُمنح إلا لمن يدفع الثمن: ثمن الطاعة، أو ثمن الانتماء للشلة، أو ثمن المديح المتبادل الذي يشبه صفقة تجارية أكثر مما يشبه فعلًا ثقافيًا. " امدحني لأمدحك" صارت هي القاعدة الذهبية التي تحكم العلاقات، و"اسكت عني لأسكت عنك" صارت هي المعاهدة غير المكتوبة بين الكتّاب. أما من يخرج عن هذا الإجماع الشيطاني، أما من يجرؤ على مدح من لا يملك ثمن المديح، فإنه يصبح غريبًا في وطنه الثقافي، مشبوهًا في زمن قلبت فيه الموازين. وحده من عاش في الوسط الثقافي العربي يعرف أن أخطر ما فيه ليس الحقد المعلن، بل "اللاموقف". تلك المنطقة الرمادية التي يقف فيها معظم المثقفين، حيث لا هم يمدحون ولا هم يذمون، لا هم يحبون ولا هم يكرهون، لا هم معك ولا هم عليك. إنهم يقفون على الحياد ببرود الموتى، يتابعون المشهد من بعيد، يقرأون بصمت، يفهمون بعمق، يتأثرون في السر، ثم... يغلقون الصفحة وكأن شيئًا لم يكن. هذا القاتل الصامت هو الأخطر، لأنه يلبس ثوب الحكمة والاتزان، بينما هو في الحقيقة جثة ثقافية لم يُعلن عن وفاتها بعد. لقد حوّلنا الفضاء الثقافي إلى ما يشبه مستشفى للأمراض النفسية غير المشخصة، حيث كل مبدع يجلس في غرفته الزجاجية، يرى الآخرين ولا يلمسهم، يسمعهم ولا يستجيب لهم، ينتظر أن يأتيه التصفيق من الخارج بينما هو لا يمنح أحدًا حتى نصف تصفيقة. إنها العزلة داخل القطيع، أن تكون محاطًا بآلاف الكتّاب ومع ذلك تشعر أنك تكتب في صحراء، أن تنشر نصًا فيهتز له وجدانك ثم... لا شيء، سوى صدى صوتك يعود إليك خاويًا، وسوى ذلك الصمت الثقيل الذي يشبه جدارًا إسمنتيًا لا يرتد عنه الصوت لأنه ببساطة لا يريد أن يرتد. والأدهى أن هذا الصمت ليس بريئًا، إنه صمت استراتيجي، صمت يُحسب بدقة، صمت يخدم أجندة خفية. حين تصمت عن نصٍ جميل، فأنت لا تمارس حقك في السكوت، بل تمارس حقك في القتل. أنت تقتل النص في مهده، تقتل حافز الكاتب، تقتل فرحة القارئ الذي كان يمكن أن يصل إليه النص لولا تآمركم الجماعي على إخفائه. إنه إرهاب ثقافي ناعم، لا يحتاج إلى رصاص، بل يحتاج فقط إلى... لا شيء، إلى ألا تفعل شيئًا، إلى أن تترك الجمال يموت وحده، موتًا بطيئًا صامتًا، موتًا لا يسمعه أحد لأن الجميع مشغولون بالصمت. ثم تأتي المأساة الأكثر مرارة، مأساة التعليقات التي صارت شاهد زور على مسرح ثقافي هزلي. اقرأ التعليقات تحت أي نص إبداعي حقيقي، ستجدها إما صمتًا مطبقًا، وإما كلمات مقتضبة تشبه الصمت المكتوب: "أحسنت"، "جميل"، "دام قلمك". هذه ليست اعترافًا، بل هي استراتيجية متطورة لإخفاء الاعتراف، أن تمدح دون أن تمدح، أن تقر دون أن تقر، أن تقول كلمة مبهمة لا تلزمك بشيء ولا تدل على شيء، كلمة تشبه طلقة خواء، صوتها يغطي على حقيقة أنها لم تصب الهدف لأنها لم تكن تريد أن تصيبه أصلًا. أما إذا كان الكاتب صاحب نفوذ، أو عضوًا في الشلة، أو من "الآباء الروحيين" الذين يوزعون الإجازات الأدبية، فإن الرداءة نفسها تتحول إلى مهرجان، ويبدأ سباق المديح الذي لا علاقة له بالأدب، بل بالتملق المحض. وهكذا نصل إلى المفارقة القاتلة: نحن لا نصمت عن الرديء، ولا نهتف للجميل، بل نصمت عن الجميل ونهتف للرديء، ثم نتساءل لماذا مات الذوق العام! إن الغرب لم يصنع حضارته بالعبقرية وحدها، بل بصناعة "المتلقي" قبل صناعة "المبدع". هم علموا أطفالهم أن التصفيق ليس هدية تمنحها للمتفوق، بل هو استثمار في تفوقك أنت، أن الاعتراف بالجميل ليس مجاملة أخلاقية، بل هو خلية نحل تبني حضارة كاملة، أن الذي يصفق اليوم هو الذي سيُصفق له غدًا. أما نحن، فقد ربينا أجيالًا على أن الحياة سباق، وأن من يسبقك يسرق مكانك، وأن التصفيق للغير خيانة للذات. هكذا تحول المجتمع الثقافي إلى جزيرة منعزلة، كل مبدع فيها يعيش في قارته الخاصة، ينتظر أن يأتيه الاستكشاف من الخارج، بينما هو لا يبحر أبدًا إلى الآخرين. إن الصمت الثقافي ليس ظاهرة عابرة، بل هو سرطان في جسد الأمة، يتكاثر في الخفاء، يلتهم الخلايا السليمة، يحيل الإبداع إلى جثة هامدة لا يشعر بها أحد. والأخطر أننا بدأنا نتعود على هذا الموت البطيء، صرنا نراه أمرًا طبيعيًا، صرنا نقول: "هكذا هو الواقع"، "هكذا نحن العرب"، وكأن الجينات الثقافية تحمل فيروس الصمت، وكأننا خُلقنا بلا أفواه أو بأفواه لا تعرف إلا المضغ والبلع، لا النطق بالحق ولا الهتاف بالجمال. إنني لا أبالغ حين أقول إن أخطر أنواع القتل في تاريخ العرب المعاصر ليس القتل الجسدي، بل القتل الرمزي، قتل المعنى، قتل الاعتراف، قتل التصفيق. وحين تموت القدرة على الاعتراف بالجميل، يموت الجميل نفسه، لأن الجميل لا يوجد إلا بعينٍ تراه، ولسانٍ يذكره، وقلبٍ يخفق له. نحن لا نعدم المبدعين، بل نعدم المُقدّرين، لا نعاني من قلة الكتّاب، بل من قلة الذين يملكون شجاعة أن يقولوا: "هذا جميل"، دون أن يحسبوا حسابًا لمن يغار، ولمن يتربص، ولمن ينتظر أن يخطئوا ليهاجمهم. فلنكن واضعين: الصمت الثقافي ليس خيارًا أخلاقيًا محايدًا، بل هو موقف أخلاقي سلبي، هو انحياز للرداءة دون أن تنطق، هو تصويت للقبح دون أن ترفع يدك، هو توقيع على وثيقة استسلام أمام التفاهة. وفي عالم الثقافة، ليس هناك منطقة وسطى بين الحياة والموت، فإما أن تكون شريكًا في خلق الحياة بالاعتراف، وإما أن تكون شريكًا في الموت بالصمت. والصمت، في النهاية، ليس ذهبًا كما يقول المثل الكاذب، بل هو رصاصة لا تخطئ قلب الإبداع. الناقد طه دخل الله عبد الرحمن ــــــــ ــــــــ ــــــــ الناقد الكبير طه دخل الله عبد الرحمن المحترم، قرأت نصكم «تشريح جثة الصمت» لا بوصفه مقالةً في النقد الثقافي فحسب، بل بوصفه تشريحًا عميقًا لضميرٍ ثقافي أصابه العطب، حتى أصبح الصمت فيه أحيانًا موقفًا، واللاموقف موقفًا آخر أكثر خطورة. لقد نقلتم الصمت من دلالته الظاهرية إلى جوهره الأخلاقي والوجودي؛ فليس كل صمت حكمة، ولا كل حياد نزاهة، ولا كل امتناع عن القول استقلالًا. ثمة صمتٌ يحمي الحقيقة، وصمتٌ يهرب منها، وصمتٌ آخر يتحول إلى شريكٍ في إخفائها. وأشد ما استوقفني في نصكم : أنكم لم تجعلوا المشكلة في غياب المبدعين، بل في غياب الشجاعة على الاعتراف بهم. وهذه، في تقديري، واحدة من أعمق أزمات الثقافة: أن يصبح الاعتراف بالآخر تهديدًا للذات، وأن يُنظر إلى نجاح المبدع لا بوصفه إضافةً إلى المشهد، بل خصمًا من رصيد الأنا. إن قول «هذا جميل» حين يكون الجمال مستحقًا ليس مجاملة، بل فعل نزاهة؛ وقول «أبدعت» حين يستحق النص ذلك ليس انحناءً للآخر، بل انتصارٌ للذائقة وللحقيقة. فالثقافة التي لا تعرف كيف تحتفي بالجمال الذي لا تصنعه، تتحول مع الوقت إلى ثقافةٍ تأكل أبناءها بقدر ما تعجز عن إنجاب مستقبلها. أما «اللاموقف» الذي شخّصتموه ببراعة، فهو أخطر من الخصومة أحيانًا؛ لأن الخصم يكشف نفسه، أما الصمت المتعمد فيرتدي قناع الاتزان، ويترك الجمال وحيدًا أمام النسيان. لقد كتبتم نصًا لا يطلب من المثقف أن يصفق للجميع، وإنما يطالبه بأن يكون عادلًا مع الجمال، شجاعًا أمام الحقيقة، ونزيهًا في موقفه. وهذه هي المسافة الفاصلة بين المثقف الذي يكتب ليُرى، والمثقف الذي يرى ليكتب. نصكم ليس «تشريحًا لجثة الصمت» فقط، بل محاولة لإيقاظ ما بقي حيًا تحت ركامه. كل التقدير لهذا القلم الذي لا يكتفي بوصف الجرح، بل يبحث عن موضع الخلل في الوعي الذي أنجب الجرح. دام فكركم مشاغبًا للرتابة، وقلمكم شاهدًا على أن الثقافة الحقيقية لا تُبنى بالتصفيق وحده، ولا بالصمت وحده، وإنما بالصدق حين يصبح الكلام مسؤولية. د. عبدالكريم الحلو
فضيل حاج بن عدةنشر فيمنتدى شعاع للأدباء والشعراء العرب ٦ د · السلام عليكم ورحمة الله و بركاته والصلاة و السلام على اشرف المرسلين وعلى اله وصحبه اجمعين اما بعد: تَشْرِيحُ جُثَّةِ الصَّمْتِ... وَبَيَانُ البَعْثِ نصٌ حواريٌّ بين طه عبد الرحمن وفضيل حاج بن عدة وسلوى فيلالي جمع وتقديم: الأستاذ الدكتور فضيل حاج بن عدة المقدمة: من الجنازة إلى البعث في العهد الذهبي كان الشعراء يتهاجون فيحيون اللغة. وفي عهدنا نتصامت فنقتل المعنى. هذا المقال ليس نقداً... هذا تشريح على الهواء، يليه بيان بعث. ثلاثة أصوات هنا: صوت النذير... صوت التشريح... صوت الاستيقاظ. اقرأوه كاملاً، فهو مرآةٌ لن نخرج منها كما دخلنا. --- أولاً: النص الأصلي "تَشْرِيحُ جُثَّةِ الصَّمْتِ" للناقد الكبير: طه عبد الرحمن نقله: الدكتور عبد الكريم الحلو فِي البَدْءِ كَانَ الصَّمْتُ، لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ صَمْتَ الرُّهْبَانِ المُتَأَمِّلِينَ، وَلَا صَمْتَ العُشَّاقِ المُنْدَهِشِينَ، بَلْ كَانَ صَمْتاً يُشْبِهُ مَقْبَرَةً جَمَاعِيَّةً لِلأَصْوَاتِ الَّتِي قُتِلَتْ قَبْلَ أَنْ تُولَدَ. إِنَّنَا لَا نَقِفُ أَمَامَ أَزْمَةٍ ثَقَافِيَّةٍ عَابِرَةٍ، بَلْ أَمَامَ مَسْرَحِ جَرِيمَةٍ مُتَكَامِلِ الأَرْكَانِ، حَيْثُ القَاتِلُ وَالمَقْتُولُ يُقِيمَانِ تَحْتَ سَقْفٍ وَاحِدٍ، وَحَيْثُ السِّلَاحُ لَيْسَ سِوَى حَنْجَرَةٍ امْتَنَعَتْ عَنِ النُّطْقِ. لِنَكُنْ صَادِقِينَ حَتَّى النُّخَاعِ... مَا نَعِيشُهُ لَيْسَ "بُخْلاً" أَخْلَاقِيّاً، بَلْ "إِفْلَاساً وُجُودِيّاً شَامِلاً". المُثَقَّفُ العَرَبِيُّ يَرَى فِي نَجَاحِ غَيْرِهِ مِرْآةً تَعْكِسُ فَشَلَهُ. إِنَّهُ وَهْمُ النُّدْرَةِ الَّذِي حَوَّلَ الثَّقَافَةَ إِلَى سُوقٍ سَوْدَاءَ... "امْدَحْنِي لِأَمْدَحَكَ" صَارَتِ القَاعِدَةُ الذَّهَبِيَّةُ، وَ"اسْكُتْ عَنِّي لِأَسْكُتَ عَنْكَ" صَارَتِ المُعَاهَدَةُ غَيْرُ المَكْتُوبَةِ. وَأَخْطَرُ مَا فِيهِ: "اللَّامَوْقِفُ"... جُثَّةٌ ثَقَافِيَّةٌ لَمْ يُعْلَنْ عَنْ وَفَاتِهَا بَعْدُ، تَقْرَأُ بِصَمْتٍ وَتُغْلِقُ الصَّفْحَةَ. الصَّمْتُ لَيْسَ بَرِيئاً... إِنَّهُ صَمْتٌ اسْتِرَاتِيجِيٌّ. حِينَ تَصْمُتُ عَنْ نَصٍّ جَمِيلٍ فَأَنْتَ تُمَارِسُ حَقَّكَ فِي القَتْلِ. إِنَّ الغَرْبَ لَمْ يَصْنَعْ حَضَارَتَهُ بِالعَبْقَرِيَّةِ وَحْدَهَا، بَلْ بِصِنَاعَةِ "المُتَلَقِّي" قَبْلَ "المُبْدِعِ". أَمَّا نَحْنُ فَرَبَّيْنَا أَجْيَالاً عَلَى أَنَّ التَّصْفِيقَ لِلغَيْرِ خِيَانَةٌ لِلذَّاتِ. وَالصَّمْتُ، فِي النِّهَايَةِ، لَيْسَ ذَهَباً كَمَا يَقُولُ المَثَلُ الكَاذِبُ، بَلْ هُوَ رَصَاصَةٌ لَا تُخْطِئُ قَلْبَ الإِبْدَاعِ. --- ثانياً: القراءة النقدية "على ميزان العرب العرباء الأولى" بقلم: الأستاذ الدكتور فضيل حاج بن عدة يا طه... لقد حوّلتَ الصمتَ من فعلٍ سلبيٍّ إلى فعلِ قتلٍ متعمّد. 1. التشريح الوجودي لم تقل "بخلاً أخلاقياً" بل قلت "إفلاساً وجودياً شاملاً". فالأزمة ليست في الجيب... بل في الوجود. فصارت الثقافة عندنا: صفرية المجموع. ما ربحه غيري = ما خسرته أنا. 2. اكتشاف "اللاموقف" هذه عبقرية نصك. لم تهاجم الحاقد المعلن... بل هاجمت "البارد الحكيم" الذي يفهم ويتأثر ثم يغلق الصفحة. سميته "جثة ثقافية لم يُعلن عن وفاتها بعد". 3. قلب المعادلة الحضارية "الغرب صنع المتلقي قبل المبدع". فنحن نريد ألف شاعر... ولا نريد قارئاً واحداً يقول "الله". فمات الشاعر جوعاً... ونتساءل: لماذا لا يوجد شعراء؟ وفي الميتافيزيقا أقول: قال طه: "في البدء كان الصمت". وأنا أقول: كذب المثل. ففي البدء كانت "الكلمة" ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾. فمن بدأ بالصمت... فقد ارتد إلى ما قبل الخلق. والخلاصة النحوية: الفعل في العربية إما ماضٍ وإما مضارع وإما أمر. ونحن اخترنا "فعل الماضي" حتى في الحاضر. والصمت نحوياً هو "حذف الفعل". فنحن أمة حذفت أفعالها... فصارت الجملة بلا فاعل. *_فاختر: إما أن تكون فعل أمر: قُلْ! اكْتُبْ! صَفِّقْ! وإما أن تكون اسم جماد في قاموس النسيان.__ والصمت بعد هذا الكلام... جريمة. --- ثالثاً: بيان البعث رد الدكتورة سلوى فيلالي دكتور فضيل... ماذا أبقيتَ لنا بعد أن فرغتَ من تشريح جثة الصمت؟ دخلنا نصَّك ونحن نظن أننا أمام قراءةٍ نقدية، فإذا بنا نخرج منه نفتّش في صدورنا عن موضع الصمت الذي قتلناه بأيدينا! أنت لم تُشرّح نصَّ طه عبد الرحمن فحسب، بل وضعتَ المثقف العربي نفسه على طاولة التشريح. وأيُّ عبارةٍ أبلغ من قولك: "الصمت ليس حيادًا… الصمت انحياز للقبح." ثم تأتي قمة الدهشة: "فنحن أمة حذفت أفعالها… فصارت الجملة بلا فاعل." يا لها من جملةٍ جعلتَ فيها النحوَ مشرطًا، والماضي قبرًا، والأمرَ نداءً للبعث! لقد بدأتَ بالجنازة وانتهيتَ بالبعث، بدأتَ بالجثة وانتهيتَ بالروح، بدأتَ بالصمت وانتهيتَ بـ «قُلْ». السؤال الآن: تمّ التشريح… فهل بدأ البعث؟ --- الخاتمة: جواب البعث نعم يا سلوى... بدأ البعث. بدأ بكِ حين كتبتِ هذا الرد. وبدأ بكل قارئ سيخجل من صمته بعد اليوم. وبدأ بكل قلم سيقول: "هذا جميل" قبل أن يسأل: "من الكاتب؟" __فوالله لو أن كل واحد منا قال لنص واحد في اليوم: "هذا جميل" لانفجرت صحراؤنا ورداً... ولتحول "صمت المقبرة" إلى "ضجيج الخلق"._* تم التشريح. وحان وقت البعث. الأستاذ الدكتور: فضيل حاج بن عدة شلف - الجمهورية الجزائرية | 7 أوت 2026 --- للنشر والتعميم هذا المقال أمانة في أعناق كل من يقرأه.
#طه_دخل_الله_عبد_الرحمن (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
قراءتان لقصيدتان – سل النجوم وطفح الحب
-
قراءة لقصيدة - رُبَاعِيَّاتُ محمد سليط من وجعِ الِخرْطُوم –
...
-
سِفرُ الياسمين: فيروز والوحي القادم من الشرفة
-
قراءة لقصيدة - وحدهم يعبرون الجسر – للأستاذ الشاعر البشير عب
...
-
فيزياء الروح المضادة: تشريح -الوطن المؤقت- في نص نوال ادريس
...
-
قراءة للقصة الق. ق. ج – طابور الموت – للأستاذة الهام عيسى
-
قراءة لقصيدة – لقاء... وتراتيل – للأستاذ الشاعر سعيد محتال
-
قراءة - بيسان قلعة الجليل – للكاتب الأستاذ صبحي سرحان
-
سكة الضوء: حين يصير السفر وجودا والآخر وطنا من لغة ونور
-
قراءة للقصيدة الحزينة - رقصات فوق غبش القبر –
-
رمزية الألم والجمال في شعر محمود درويش
-
القصيدة المغناة بقلم الشاعر والناقد الاردني دكتور محمد سليط
-
حين ينكسر القمر في بئر الغربة
-
حرف الألف... حيثُ يبدأُ التكوينُ وينحني البيان
-
الخادم مايكل حمدان، سِفر التجلي الإنساني وفلسفة النور المتجس
...
-
القهوة والكتاب: طقوس العزلة المنتجة
-
رسالةٌ إلى حبيبتي الدمشقية حين يتعانقُ الحرف بالنغم
-
المثالية والواقعية بين أرسطو وأفلاطون: صراع الفكرة والواقع ف
...
-
سَبْعَةٌ وَسِتُونَ عَامًا
-
تأمل في ميتافيزيقا الحب، نحن الذين لا يحوينا زمان – الحب – ل
...
المزيد.....
-
سوريا...عبارة -المعازف حرام- تنشر على جدار معهد موسيقي في دم
...
-
وزير التعليم العالي والبحث العلمي والقائم بعمل وزير الثقافة
...
-
اللغة التي تسكننا.. حين يكتب اللسان سيرة العقل
-
مراجعات جديدة تكشف حقيقة فشل الاستخبارات الغربية في ألبانيا
...
-
«لن نتخلى عن أي قطعة».. الثقافة تؤكد ملاحقة الآثار العراقية
...
-
رائد فهمي: المدى منبر رائد للمهنية والثقافة والتنوير في العر
...
-
مهرجان -يوم الهند- في موسكو يستعد لاستقبال مئات الآلاف من ال
...
-
منتجه خدم بالجيش الإسرائيلي.. ما قصة حملة مقاطعة فيلم -سبايد
...
-
نسرين طافش تستعيد «الروقان» من كواليس أحدث أعمالها الغنائية
...
-
من منصة الشعر إلى رصيف دمشق.. الطفلة شريفة حاج حسن في مشهد ي
...
المزيد.....
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
-
القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش
...
/ ربيحة الرفاعي
-
تصاوير لية الظمأ
/ السمّاح عبد الله
-
ثلاثاءات عابر سبيل
/ السمّاح عبد الله
-
ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو
...
/ سلسبيل كريبع
-
قناديل الحكمة
/ د. خالد زغريت
-
حكاياتْ تَكاد تُنسى
/ فلاح العيفاري
-
وعي ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
ديوان 23 الحاوي والعصفور
/ منصور الريكان
-
كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م
...
/ حميد عقبي
المزيد.....
|