أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - خالد علي سليفاني - لماذا ننتقد الثمرة وننسى البذرة؟














المزيد.....

لماذا ننتقد الثمرة وننسى البذرة؟


خالد علي سليفاني
شاعر وكاتب ومترجم

(Khaled Ali Silevani)


الحوار المتمدن-العدد: 8789 - 2026 / 8 / 6 - 16:19
المحور: قضايا ثقافية
    


ثمَّة سؤال يفرض نفسه كلما اشتدت الأزمات، وكثرت المقالات، وتعالت الخطب، وامتلأت الشاشات بالخبراء والمحللين والمفكرين: لماذا ينصرف أكثرهم إلى نقد الواقع، ولا ينصرفون إلى بناء الإنسان الذي يصنع هذا الواقع؟
إننا نسمع حديثًا طويلًا عن الفساد، والتطرف، والعنف، والتفكك الأسري، والانحلال الأخلاقي، وضعف التعليم، وتدهور الذوق العام. ونقرأ مئات المقالات التي تصف هذه الظواهر، وتفسرها، وتدينها. ولكننا نادرًا ما نجد من يتوقف عند السؤال الأول: من أين جاء كل هذا؟
فالأمة لا تُولد في البرلمان، ولا تُصنع في الصحف، ولا تُبنى في الاستوديوهات. وإنما تُصنع، في المقام الأول، في البيت، ثم في المدرسة، ثم في كل مؤسسة تسهم في تشكيل الإنسان.
ومن هنا تنشأ المفارقة الكبرى؛ إذ يبدو لنا أحيانًا أن كثيرًا من المثقفين قد انشغلوا بالثمرة، ونسوا البذرة، وأطالوا النظر إلى النتيجة، وأغفلوا السبب.
غير أن هذا التصور، على وجاهته، يظل ناقصًا إذا لم نسأل سؤالًا آخر: ولماذا يميل المثقف أصلًا إلى نقد النتيجة بدل البحث في السبب؟
والجواب، في ظني، أن الأمر لا يتعلق دائمًا بقصور في الرؤية، ولا بتآمر مقصود، بل ببنية ثقافية كاملة، صارت تكافئ التفكير قصير المدى، وتعاقب التفكير الاستراتيجي بعيد المدى، أو ما يمكن أن نسمّيه التفكير بمنطق الأجيال.
إن المقالة تُكتب في ساعة، والخبر يُنشر في دقيقة، والتغريدة تُقرأ في ثوانٍ، والبرنامج يُعرض في مساء واحد. أما بناء جيل كامل، فقد يحتاج إلى عشرين عامًا أو أكثر. ولذلك كان الحديث عن الواقع الحاضر أيسر، وأسرع، وأكثر رواجًا، وأشد قدرة على جذب الانتباه.
ولعل هذه هي المعضلة الحقيقية؛ فقد أصبح العقل المعاصر يفكر بمنطق اللحظة، لا بمنطق الجيل.
لكن ثمة اعتراضًا لا بد من التوقف عنده.
فهل تكفي التربية وحدها لتفسير كل شيء؟
والجواب: لا.
فالإنسان لا يتشكل في فراغ، وإنما يتشكل داخل شبكة معقدة من العوامل المتداخلة. فثمة سياسة، واقتصاد، وقانون، وإعلام، وثقافة، وأسرة، ومدرسة، وعلاقات اجتماعية، وكلها تؤثر في تكوينه.
ولهذا، فإن القول بأن التربية هي العامل الوحيد، قول يفتقر إلى الدقة. غير أن القول بأنها العامل الأعمق، والأطول أثرًا، والأشد رسوخًا، يبدو أقرب إلى الصواب.
فالقانون يغير السلوك. والاقتصاد يغير المصالح. والإعلام يغير الانتباه. والثقافة تغير القيم. أما التربية، فإنها تغير الإنسان نفسه.
وهذه الطبقات جميعها تتراكم، ولكنها لا تتراكم بالمعدل نفسه، ولا بالعمق نفسه.
فالقانون يمكن تغييره بقرار. والمصلحة يمكن أن تتبدل بتبدل الظروف. والانتباه ينتقل من شيء إلى شيء في لحظات. والقيم تتغير ببطء. أما الإنسان، بعد أن تتشكل رؤيته للعالم، ويترسخ وجدانه، وتستقر عاداته، فإن تغييره يصبح أشد صعوبة.
ولهذا، فإن المشكلة لا تكمن في أن التربية بطيئة، بل في أن آثارها، إذا ترسخت، أصبحت أبقى من غيرها.
وهنا يظهر اعتراض آخر: إذا كان الأمر كذلك، فمن الذي يربي المربين أنفسهم؟
إننا لا نبدأ من الصفر أبدًا. فالآباء أبناء لآباء آخرين، والمعلمون تلاميذ لمعلمين سبقوهم، والمجتمعات تحمل آثار القرون الماضية في أفكارها وعاداتها ومخاوفها وأحلامها. ولهذا، فإن الدعوة إلى البدء من الصفر ليست سوى وهم جميل. لكن ذلك لا يعني أن التربية تفقد أهميتها. بل يعني العكس تمامًا. فالتربية هي الفعل الوحيد الذي يستطيع أن يراكم أثره عبر الأجيال، وأن ينقل المجتمع، ببطء شديد، من حال إلى حال.
ومن هنا نصل إلى السؤال الأعمق: لماذا أصبح العقل المعاصر عاجزًا عن التفكير بمنطق الأجيال؟
لقد كان الإنسان، في عصور كثيرة، يغرس الشجرة وهو يعلم أنه قد لا يجني ثمرتها، ويبني المدرسة وهو يعلم أن غيره سيدخلها، ويضع الأساس وهو يدرك أن البناء سيكتمل بعد رحيله. أما اليوم، فقد انكمش الأفق الزمني إلى حد بعيد. فالسياسي يفكر في الانتخابات المقبلة، والإعلامي يفكر في الحلقة المقبلة، والتاجر يفكر في الموسم المقبل، والمثقف يفكر في المقال المقبل. وهكذا، تحولت اللحظة إلى سلطة قائمة بذاتها، ولم يعد الماضي مرجعًا، ولا المستقبل غاية، بل أصبحت اللحظة الحاضرة هي المعيار الوحيد.
ومن هنا تنشأ مفارقة مؤلمة: فالمثقف الذي ينتقد التفاهة، يجد نفسه مضطرًا إلى منافستها. والذي ينتقد السرعة، يجد نفسه خاضعًا لها. والذي يهاجم السطحية، يعلم أن العمق لا يحظى بالانتشار نفسه. وبذلك، لا يصبح المثقف مراقبًا للمشهد، بل يصبح جزءًا منه، وأسيرًا للإيقاع الذي يحاول تفسيره.
ولعل هذا كله يقودنا إلى معيار مختلف لقياس صعود الأمم وأفولها. فالحضارات لا تُقاس بحجم ما تملكه من ثروة فحسب، ولا بما تشيده من أبنية، ولا بما تحققه من انتصارات عاجلة، وإنما تُقاس أيضًا بقدرتها على التفكير بمنطق الأجيال. إن الحضارة الصاعدة هي تلك التي تستطيع أن تضحي ببعض حاضرها من أجل مستقبلها. أما الحضارة الآفلة، فهي التي ترهن مستقبلها في سبيل حاضرها. وهذا هو جوهر القضية كلها.
إن المشكلة ليست في أن المثقف نسي التربية، ولا في أن المجتمع أهمل المدرسة، ولا في أن الأسرة ضعفت فحسب، بل في أن الإنسان المعاصر فقد قدرته على العيش خارج حدود اللحظة العابرة.
ومن ثم، فإن السؤال لم يعد: كيف نصلح الواقع؟
بل أصبح: كيف نستعيد القدرة على صناعة الزمن نفسه؟



#خالد_علي_سليفاني (هاشتاغ)       Khaled_Ali_Silevani#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الإنسان والثورة: رحلة البحث عن اليقين والخلاص
- الموجة
- هل تنقض قصة «الجدار» فلسفة سارتر في الحرية؟
- الانعكاس الأخير
- حين تغيب الاستراتيجية: من الفوضى بوصفها محصلةً سالبة إلى إمك ...
- وهم الاكتمال
- أفق وراء الكلمات
- هدنة نفاق
- لماذا يكتب الكتّاب؟ تأملات في الدائرة المغلقة
- رهائن الرغيف
- المراهقة الفكرية وتمجيد الآخر: رحلة الانبهار والحقيقة
- الإبداع المُعلَّق: جدلية الصانع والواجهة في الفن الغنائي
- ساموثريس - سر الجناح الوحيد
- النغمة الخجولة
- سُكْرُ المألوف
- نوبل للآداب في بلاد الأوهام
- لجنة الخلود العليا
- مديح الهامش… ومراثي المعنى
- من النوروز إلى الهوية
- الكتابة بوصفها شرارة وجود: تأملات في جدلية الإبداع والتجدد


المزيد.....




- حساب مسلسل -هذا البحر يفيض- على منصة -إكس- يرحب بمحمد صلاح
- -اقتلوا قاتلكم-.. لوحات دعائية بشوارع طهران تدعو للانتقام من ...
- سكان مبنى -سبين تايم- في روما ينامون خارجا بعد حريق وسط موجة ...
- تزامنا مع محادثات روما.. تصعيد في جنوب لبنان ومقتل جنديين إس ...
- ماسك يعود لحلبة السياسة ويؤجج مع عبدول معركة انتخابات التجدي ...
- ألمانيا تفتح تحقيقا عاجلا في تسلل مسيرة مفخخة لاستهداف طائرة ...
- الخارجية الروسية: موسكو سترد على طرد دبلوماسي روسي من روماني ...
- سرعة فائقة ودقة أعلى.. روسيا تطور ذخيرة صيد جديدة
- الجيش الإسرائيلي يعلن مهاجمة بنى تحتية تابعة لـ-حزب الله- في ...
- فرق البحث البولندية تعثر على رفات 243 من ضحايا مجزرة فولين


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - خالد علي سليفاني - لماذا ننتقد الثمرة وننسى البذرة؟