أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عدي حاتم - في منافي الشوق... الحسين وجراح المنفى وكبرياء الوطن














المزيد.....

في منافي الشوق... الحسين وجراح المنفى وكبرياء الوطن


عدي حاتم
صحفي وكاتب عراقي يعيش في المنفى

(Oday Hatem)


الحوار المتمدن-العدد: 8789 - 2026 / 8 / 6 - 09:58
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


في حضرة الشوق، يغدو حديث الزائرين أرقَّ الحديث، وأعذب البوح هو ما أفصح به الزائرون العراقيون والأجانب عن مشاعرهم وعن دهشتهم مما رأوه في زيارة الأربعين التي حققت حلم أفلاطون بـ "المدينة الفاضلة"، فالناس جميعا يخدمون بعضهم البعض من دون عنصرية الجنسية أو اللون أو الحسب والنسب!
كما حققت حلم ماركس بإلغاء الطبقية لأن هذه الملايين جميعها تأكل من المائدة نفسها وتنام على الفراش نفسه، فلا لقب، ولا جاه، ولا منصب، فالجميع يطلق عليهم "زائر"، والانسان يكون قد نزع كل مناصبه ورتبه مع أول خطوة بدأها نحو مرقد الامام الحسين، هذا ما سمعته منهم، من زائرين يملكون وصلك ياحسين، بينما يستوطن أعمق الجراح وأشد الألم قلبي المحروم.
فمنذ أكثر من عقد من الزمان، وأنا أتجرع مرارة النفي القسري عن أعتابك يا حسين، ومرت على قلبي سنوات عجاف صرنا فيها نزورك بقلوبنا وخيالنا من خلف قارات البعد، ونلمح قبابك الطاهرة من وراء البحار. نرقب مع بزوغ كل فجر، فرج الله الذي نرجوه لقلوبنا المتعبة ولعراقنا الجريح، ولا زاد لنا في منافي هذا الاغتراب سوى دموع حارقة وعبرات تسيل، نواسي بها لوعة الفقد وأنين الفؤاد، علَّها تطفئ حزناً لا يهدأ.
إن الغربة الإجبارية ليست مجرد مسافات نقطعها، بل هي انتزاع للروح من جسدها، وهدم لبيت العمر، ونفي لإنسان ذنبه الوحيد أنه رفض الانحناء لطغاة الزمن.
والمفارقة التي تدمي الروح وتزيد المنفى حرقة، أن من هددوني بالقتل وأجبروني على هذا الرحيل المُر، هم جماعات تتدثر برداء المذهب وتدعي موالاة الحسين. وفي الحقيقة، ما هم إلا أدوات رخيصة تنفذ أجندة إيرانية خبيثة، غايتها تدمير العراق وتفتيت نسيجه الاجتماعي، والإضرار بشعبه، لاسيما شيعته الذين باتوا الضحية الأولى لهذا التمدد السافر. إن إيران تستخدم المذهب مجرد غطاء لتوسيع نفوذها واستعمار المنطقة، تماماً كما تتاجر بخطابات فلسطين والمقاومة لشرعنة تمددها في باقي الدول العربية، بينما يدفع الشرفاء الثمن من دمائهم، ويُساقون إلى المنافي قسراً لأنهم لم يقبلوا ببيع ضمائرهم.
لقد كان شيعة العراق، عبر محطات التاريخ المختلفة، أحد أهم أعمدة الوطنية العراقية، ولم تكن مواقفهم يوماً إلا سداً منيعاً لحماية الحدود والسيادة. فالوطنية العراقية المعاصرة لم تولد من فراغ، بل أسس معالمها قامات شيعية فذة كـالسياسي الراحل "جعفر أبو التمن"، ذلك الرمز الوطني الذي جسد مفهوم الهوية الوطنية الجامعة في سنوات التأسيس. وتاريخياً، كانت الجماهير الشيعية وعشائر الفرات الأوسط والجنوب الأبي هي الوقود الحقيقي لثورة العشرين الخالدة؛ إذ انطلقوا بدافع وطني خالص، وقادوا الثورة بأجسادهم العارية، وتحملوا العبء الأكبر بالدماء والمهج، وقدموا تضحيات جسيمة زلزلت عروش الاحتلال البريطاني، وحررت أرض العراق من قبضة المستعمر لتوضع اللبنة الأولى للدولة العراقية الحديثة.
ولم تتوقف هذه التضحيات عند حدود الماضي؛ فحين داهم خطر الإرهاب والتكفير أرض الرافدين واستباح تنظيم داعش مدنه، هبّ أبناء الشيعة ملبين نداء الأرض والعِرض، وبدمائهم الزكية التي سالت في السهول والجبال تحرر العراق من براثن الإرهاب، وصانوا وحدة أرضه من التفتت والتقسيم، مقدمين الغالي والنفيس لحماية كل العراقيين دون تمييز، مستلهمين في ذلك أسمى دروس الكرامة والإباء من سيد الشهداء الإمام الحسين، فالشيعة الحقيقيون لم ولن يخونوا وطنهم قط، لأن حب الأوطان لديهم جزء من عقيدتهم الحسينية الرافضة للظلم والتبعية.
أما جماعات الإسلام السياسي، شيعية كانت أم سنية، فهي لا تؤمن بوطن ولا تعترف بحدود. إنها تيارات نفعية تستخدم الدين والمذهب كأداة براغماتية للسيطرة على عقول الناس، وتطويع الجماهير، والوصول إلى سدة السلطة لنهب ثروات الأوطان واستباحة مقدرات الشعوب. هذه الجماعات لا تمثل الحسين وثورته الإصلاحية، بل تمثل الفكر الأموي الذي وظّف الدين لخدمة العرش والمال وسرقة قوت الفقراء وتشريد الأحرار.
يمتد بي النفي، وتشتد لوعة الغربة، ويبقى الشوق إلى الأهل والأحبة والوطن غصة تخنق الأنفاس ولا يداويها مغترب. أعيش بجسد في قارة بعيدة، لكن بقلب معلق في بغداد، وعين ترنو إلى كربلاء، مستذكراً ومردداً: ولم يبقَ لنا من العراق إلا وطنٌ نسكنه في الحنين، ولا من الأهل إلا أصواتٌ تزورنا في ليالي الغربة، ولا من الأيام إلا دعاءٌ يتكرر كل فجرٍ بأن يكتب الله لنا عودةً قبل أن تسبقنا إليها أرواحنا، منتظرين فجراً ينقشع فيه ظلام التبعية والإسلام السياسي، ليعود العراق حراً شامخاً لأهله الحقيقيين الذين يبنون الوطن بدمائهم ولا يبيعونه في أسواق الأجندات الخارجية.
ويبقى العراق، مهما طال ليل المنافي، وطناً لا يغادر القلب، وتبقى كربلاء قبلة الروح، ويظل الأمل قائماً بأن ينهض هذا البلد من تحت ركام الطائفية والتبعية، ليعود لأبنائه الذين أحبوه وطناً، لا غنيمة، ورسالةً، لا صفقة، وتاريخاً، لا مشروعاً عابراً.



#عدي_حاتم (هاشتاغ)       Oday_Hatem#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مرثية وطن مستباح.... جماعات الإسلام السياسي وإعادة إنتاج -صك ...
- العلمانية: احترام للفكر وحماية للدين
- من غيبوبة المنفى… ليست كل الجراح تنزف دمًا، ولا كل الندوب تر ...
- فاروق هلال: سيمفونية الرافدين والجسر النغمي إلى روح العصر
- ابداع جولييت بينوش والسينما الفلسفية للمخرج عباس كيارستمي
- أسوأُ ما في الألم..
- تشييع خامنئي في العراق... إهانة لدماء الشهداء وتجسيد لغياب ا ...
- في عيد الأب: لماذا قد يكون الأمان العاطفي أثمن من الثراء؟
- إلى أمي... الوطن الذي لم أغادره يومًا
- أحمد الربيعي… ومرارة غياب الكرامة الوطنية
- الإعلام المأسور والصراع على الهوية الوطنية في العراق: قراءة ...
- أثر الشعر في اتخاذ القرار السياسي
- بنيان
- تراتيل الهزيمة / نص أول (طرائد بلا ذخيرة)
- ما أهمل حمله
- فرار/هزيمة
- الاهمية تتجلى بعد السكون!
- العظام اليابسة لا تؤذي أحداً
- هل قلت انه يساعد ؟
- راية المجاز في حقيبة الظهر


المزيد.....




- -لا يحب الشعب اليهودي-.. ترامب يشن هجومًا لاذعًا على عبدالرح ...
- -يكره اليهود وإسرائيل-.. ترامب يشن -هجوماً لاذعاً- ضد عبدالر ...
- أحزاب مسيحية تحذر في مذكرة احتجاج من تغيير ديموغرافي في سهل ...
- بيزشكيان يكشف عن صعوبات في التواصل مع المرشد الأعلى مجتبى خا ...
- بزشكيان يكشف كواليس موافقة المرشد الأعلى على مذكرة التفاهم
- -لعب بالنار-.. دول عربية وإسلامية تحذر من تداعيات الإجراءات ...
- على خلفية -تهديد وشيك بالسيطرة الإسرائيلية على المسجد الأقصى ...
- دول عربية وإسلامية تجتمع في عّمان لـ-دعم القدس-.. وتحذير من ...
- كيف حوّلت إسرائيل كنيسا يهوديا بطهران إلى رماد...(2/1)
- منظمة يهودية: ارتفاع حوادث معاداة السامية في بريطانيا منذ بد ...


المزيد.....

- حقوق العصر. تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم
- التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني / عمار التميمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عدي حاتم - في منافي الشوق... الحسين وجراح المنفى وكبرياء الوطن