أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - مازن الشيخ - لقمان الشيخ... الفنان الذي غاب جسدًا وبقي أثرًا














المزيد.....

لقمان الشيخ... الفنان الذي غاب جسدًا وبقي أثرًا


مازن الشيخ

الحوار المتمدن-العدد: 8788 - 2026 / 8 / 5 - 04:48
المحور: سيرة ذاتية
    


كان لنبأ وفاة أخي الحبيب لقمان وقعٌ موجع ومؤلم في نفسي، غير أن عزائي أن الموت حق، وأن الإنسان لا بد أن يرحل بعد حياة تطول أو تقصر.

والمهم في النهاية ليس عدد السنوات التي يعيشها الإنسان، بل ما يقدمه خلالها. فالغالبية العظمى من البشر يعيشون ثم يمضون، ويطويهم النسيان مع مرور الزمن، بينما يظل القليل منهم خالدين في ذاكرة الناس بما تركوه من إبداع وتميز وعطاء. ورغم أنني أتحدث عن شقيق عزيز، فإنني لن أبالغ في وصف ما تركه لقمان من أثر خلال حياة امتدت أكثر من واحدٍ وتسعين عامًا، وكل من عرفه أو عايشه سيشهد بصحة ما أقول.

ولد لقمان في 20 نيسان (أبريل) 1935، ومنذ نعومة أظفاره أخذ يرسم على جدران الأزقة في محلة حضيرة السادة وباب المسجد، حيث نشأ وترعرع. ثم التحق بمعهد الفنون الجميلة في بغداد، وتخرج فيه عام 1956 بتفوق.

وقبل التحاقه بالتدريس في تلعفر، بادر مع مجموعة من زملائه، منهم المرحومون حازم الأطرقجي، وخالد العسكري، وضرار القدو، وآخرون، إلى إقامة أول معرض للفنون التشكيلية في مدرسة الأرمن. وفي ذلك المعرض باع أول لوحة رسمها مقابل عشرة دنانير، وكانت بعنوان «غسالات الصوف»، وقد اقتناها المصور الفوتوغرافي العالمي المرحوم مراد الداغستاني، وحرص على عرضها في واجهة استوديو التصوير الخاص به في شارع الدواسة.

استمر في العمل بالتدريس حتى نهاية عام 1959، ثم أوفد في بعثة دراسية إلى صوفيا، حيث حصل على درجتي ماجستير: الأولى في رسم الجداريات العملاقة، والثانية في تصميم الأقمشة. وقد تميز في هذا المجال عندما أدخل الزخرفة الشرقية والحروف العربية إلى تصاميمه، فكان ذلك أسلوبًا مبتكرًا لفت الأنظار، الأمر الذي دفع دار الأزياء العراقية إلى دعوته عام 1977 لعرض أعماله، وقد حقق المعرض نجاحًا كبيرًا، وكتبت عنه الصحف العراقية آنذاك.

كما صمم ونفذ جدارية مميزة على بوابة السفارة العراقية بعنوان «بوابة عشتار»، وقد أعجب بها المرحوم وكيل وزارة الثقافة فوزي الأتروشي، فدعاه إلى بغداد لتنفيذ جدارية أكبر على مدخل وزارة الثقافة، إلا أن وفاة الأتروشي حالت دون إتمام المشروع.

بعد ذلك تفرغ للرسم، وأسس أسلوبًا فنيًا خاصًا يقوم على لصق الأقمشة على سطح اللوحة ثم الرسم فوقها، لتبدو الأعمال وكأنها ذات أبعاد متعددة، مما منحها عمقًا بصريًا وفنيًا مميزًا.

أقام معارض شخصية في عدد من الدول الأوروبية والولايات المتحدة، كما عرضت إحدى أشهر لوحاته، وهي لوحة «وحيد»، في مزاد الروائع في لندن. ورغم العروض المالية الكبيرة التي تلقاها لبيعها، فإنه رفض التخلي عنها، لأنه كان يعدها إحدى أهم منجزاته الفنية. وقد سبق لي أن كتبت عنها مقالة بعنوان «لوحة ميتافيزيقية».

أما على المستوى الإنساني، فقد كان مثالًا للطيبة والوداعة والتسامح، يبادل الجميع المحبة والاحترام. ولعل أصدق وصف لشخصيته ما قاله المرحوم الصحفي فرات محمد مهدي الجواهري عندما زرناه في جريدة الجمهورية عام 1989، وكان قد عاش معه في القسم الداخلي في صوفيا أربع سنوات، إذ قال له: «يا لقمان، لو أن كل البشر مثلك، لما احتجنا إلى شرطة ولا إلى جيش.» وهي شهادة تختصر نقاء روحه وسمو أخلاقه.

ولم يكن الفن وحده شغفه؛ فقد كان عاشقًا للقراءة في الأدب والفن والتاريخ والسياسة، يمتلك ذاكرة استثنائية. وحتى وهو في عقده العاشر، كان يستعيد أحداث الموصل في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي بأدق تفاصيلها، ويذكر الأسماء والوقائع بدقة مدهشة، ثم ينشرها على صفحته في فيسبوك، فكان كثير من الشباب ينتظرون منشوراته ليستعيدوا من خلالها صفحات مشرقة من تاريخ مدينتهم.

إن الحديث عن لقمان يطول، وربما يحتاج إلى كتاب يوثق سيرته ومنجزاته، لكنني أكتفي بالقول إنه كان إنسانًا استثنائيًا، وفنانًا مبدعًا، ترك بصمة لا تمحى في كل مكان مر به.

لقد رحل الجسد، لكنه ترك أثرًا عميقًا في ذاكرة الفن والتاريخ. فقد سجل اسمه ضمن مشاهير القرن العشرين في نينوى، كما ورد اسمه بين كبار الفنانين التشكيليين في موسوعة الروائع في لندن، وأجريت معه لقاءات تلفزيونية عديدة وثقت تجربته الفنية والإنسانية.

رحل لقمان، لكنه سيبقى حيًا في قلوب محبيه، وفي أعماله التي ستواصل الحديث عنه بعد غيابه.

رحم الله أخي الحبيب لقمان، وأسكنه فسيح جناته، وجعل سيرته الطيبة وأعماله الخالدة صدقة جارية في ميزان حسناته.



#مازن_الشيخ (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- النظام الايراني ..مفامرة حتى اللحظة الاخيرة
- 14 تموز... ثورة أم انقلاب عسكري؟
- بعد ستين عامًا... هل ينصف التحكيم الأرجنتين أمام إنجلترا؟
- حكم مثير للجدل يحرم المنتخب المصري من فوز محقق
- عندماتتجاوزالحرب حدود قدرة ايران
- حين تتجاوز الحرب حدود قدرة ايران
- انقطاع الكهرباء وإدارة الظل: هل نحن أمام إعادة تشكيل للتوازن ...
- ستار الشيخ إبراهيم سيرة فنان ومثقف في زمن التحولات
- حين واجهت الموت بشجاعة
- العراق بين تجربة الماضي وأمل الغد حين يستعيد الأمل صوته في ن ...
- ترامب: المهندس الفوضوي للشرق الأوسط الجديد
- ترامب... الرئيس الأقوى في تاريخ الولايات المتحدة
- صحوةحماس المتأخرة,اصابت نتنياهو يمقتل
- ستراتيجية الثورة الايرانية,وحتمية فشل الانظمة الثيوقراطية وا ...
- اطالب بتدويل قضية وفاة الدكتورة بان زياد طارق
- 8 اب 1988,ذكرى وعبرة
- 23يوليو1952,ذكرى,وعبرة لمن اعتبر
- 14 تموز1958,هل كانت ثورة؟ام انقلاب عسكري
- اغلاق مضيق هرمز,يخدم الاستكبارالعالمي
- لماذا لم يقتل السيد الخامنئي؟


المزيد.....




- القبض على مسلح في ملعب ترامب للغولف بكاليفورنيا قبيل زيارة ا ...
- الصين تظهر لقطات محاكاة ضربة نووية جوية
- رئيس الوزراء البريطاني يأمر بإعادة النظر في الأحكام المؤبدة ...
- البنتاغون يعلن إصابة 687 جنديا أمريكيا في النزاع مع إيران
- البنتاغون: جيشنا الأقوى في العالم ونملك ترسانة واسعة تتيح تن ...
- حريق يلتهم أعشابا وأشجارا على أوتوستراد السومرية بدمشق.. وفر ...
- إدارة ترامب تلغي تأشيرة سفير البرازيل على خلفية الخلاف الدبل ...
- عمّان تدعو إلى تحرك دولي لحماية سكان غزة
- واشنطن وعمّان توقّعان اتفاقًا جديدًا.. مساعدات أمريكية للأرد ...
- لبنان وإسرائيل.. نزع سلاح حزب الله أولوية


المزيد.....

- الدنمارك، نسير معاً، كل بمفرده / حكمة اقبال
- رسالة الى اخي المعدوم / صادق العلي
- كراسات شيوعية (مذكرات شيوعى ناجٍ من الفاشية.أسباب هزيمة البر ... / عبدالرؤوف بطيخ
- أعلام شيوعية فلسطينية(جبرا نقولا)استراتيجية تروتسكية لفلسطين ... / عبدالرؤوف بطيخ
- كتاب طمى الاتبراوى محطات في دروب الحياة / تاج السر عثمان
- سيرة القيد والقلم / نبهان خريشة
- سيرة الضوء... صفحات من حياة الشيخ خطاب صالح الضامن / خطاب عمران الضامن
- على أطلال جيلنا - وأيام كانت معهم / سعيد العليمى
- الجاسوسية بنكهة مغربية / جدو جبريل
- رواية سيدي قنصل بابل / نبيل نوري لگزار موحان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - مازن الشيخ - لقمان الشيخ... الفنان الذي غاب جسدًا وبقي أثرًا