أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسين علي الحمداني - ابن خلدون... حين التقت الحكمة القديمة بعلم النفس الحديث كيف تصنع التربية إنساناً... وتصنع امة؟














المزيد.....

ابن خلدون... حين التقت الحكمة القديمة بعلم النفس الحديث كيف تصنع التربية إنساناً... وتصنع امة؟


حسين علي الحمداني

الحوار المتمدن-العدد: 8787 - 2026 / 8 / 4 - 13:24
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


قبل أكثر من ستة قرون، وقبل أن تظهر مفاهيم مثل "الأمان النفسي" و"تقدير الذات" و"التعلم الإيجابي"، كتب عبد الرحمن بن خلدون ملاحظات تربوية عميقة ما زالت تثير الإعجاب حتى اليوم. ولم يكن ينطلق من مختبر علمي أو دراسات ميدانية بالمعنى الحديث، بل من تأمل دقيق في الإنسان والمجتمع، حتى بدت كثير من أفكاره منسجمة مع ما توصلت إليه علوم التربية وعلم النفس في عصرنا.
ومن أشهر ما نُسب إليه قوله: "إنما يحصل العلم بالتعليم، والإفادة، والرفق بالمتعلم، لا بالشدة والإكراه." وهي فكرة تختصر فلسفة تربوية كاملة تقوم على أن المعرفة تزدهر في بيئة يسودها الاحترام، لا الخوف.
لم يكن ابن خلدون مؤرخاً يسجل أخبار الدول فحسب، بل كان مفكراً حاول أن يفسر أسباب نهوض الأمم وسقوطها، ورأى أن البداية تكون دائماً من الإنسان، وأن الإنسان لا يتشكل إلا من خلال التربية.
في مقدمته الشهيرة أكد أن الإنسان ابن بيئته، وأن الأسرة والمدرسة والمجتمع تشترك جميعاً في بناء شخصيته. ولهذا انتقد أساليب التعليم القائمة على القسوة والعقاب، ورأى أن الإفراط في الشدة يورث الكسل والخوف والكذب، ويقتل روح المبادرة لدى المتعلم. واليوم تشير كثير من الدراسات التربوية إلى أن بيئات التعلم الآمنة تساعد على تنمية الفضول والإبداع، بينما تؤثر الضغوط والخوف سلباً في التعلم واتخاذ القرار.
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في فكر ابن خلدون أنه أدرك العلاقة الوثيقة بين أسلوب المعاملة وتكوين شخصية الإنسان. فالطفل الذي ينشأ في بيئة يسودها الاحترام والثقة يكتسب شعوراً بقيمته وقدرته على مواجهة الحياة، بينما يترك الإهانة والتخويف آثاراً قد تمتد إلى سنوات طويلة من العمر. وهي رؤية تتقاطع مع كثير من النظريات النفسية الحديثة التي تؤكد أثر الخبرات المبكرة في تشكيل الشخصية.
ولم يتوقف عند الفرد، بل ربط بين التربية ومستقبل المجتمع كله. فالاستبداد، في نظره، لا ينتج مواطنين أحراراً، بل أفراداً يخشون المبادرة. والتلقين يصنع حافظين للمعلومات أكثر مما يصنع مفكرين قادرين على الإبداع. ومن هنا رأى أن فساد التربية يسبق غالباً تراجع العمران والدولة.
ولو تأملنا واقعنا اليوم، لوجدنا أن كثيراً من أفكار ابن خلدون ما زالت صالحة للنقاش. ففي المدرسة، لا يكفي أن يحفظ الطالب المعلومات، بل ينبغي أن يتعلم كيف يسأل، وكيف يناقش، وكيف يخطئ ثم يتعلم من خطئه. فالمعلم الذي يبني جسور الثقة مع طلابه يترك أثراً أبقى من المعلم الذي يعتمد الخوف وسيلة للانضباط.
وفي الأسرة، لا يقل الحوار أهمية عن التوجيه، ولا يقل التشجيع أثراً عن العقاب. فالبيت هو المدرسة الأولى التي يتعلم فيها الطفل معنى الاحترام والمسؤولية والثقة بالنفس.
أما المجتمع، فلا ينهض إذا كان يعاقب كل محاولة فاشلة، بل حين ينظر إلى الخطأ بوصفه جزءاً من عملية التعلم والتطور. فالإبداع لا يولد في بيئة تخشى التجربة، وإنما في بيئة تمنح أبناءها مساحة للتفكير والمحاولة.
لقد أنفقت البشرية مليارات الدولارات لفهم كيفية التعلم وبناء الشخصية، وما زالت الأبحاث تتواصل في هذا المجال. لكن المدهش أن ابن خلدون، قبل أكثر من ستة قرون، أدرك بحسه العميق أن التربية القائمة على الرفق والاحترام هي الطريق الأقصر إلى بناء الإنسان.
فالنهضة لا تبدأ بالمباني الشاهقة ولا بالمشروعات العملاقة، وإنما تبدأ من غرفة الصف، ومن البيت، ومن العلاقة اليومية بين المعلم وتلميذه، وبين الوالد وطفله.
الأمم لا تُبنى بالحجر وحده، بل تُبنى بإنسان واثق بنفسه، ومعلم يؤمن برسالته، وأسرة تجعل المحبة أساس التربية.



#حسين_علي_الحمداني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- امن الشرق الأوسط بين تشظي الداخل ورهان الخارج
- طهران - واشنطن هدنة أم اتفاق ؟
- الامريكان في بيتي وصراع الحضارات
- الاردن بين التحالف والاستهداف
- ٢ اب ١٩٩٠ .. قرار غير وجه المن ...
- من يكتب ذاكرة الدولة العراقية ؟
- أزمة صحافة أم أزمة انتباه ؟
- 100يوم لا تصنع طالبا
- هل انتهى زمن الممرات الآمنة؟
- المواطنة اولا
- اليوم العالمي الصداقة
- الكتاب العراقي ازمة الصناعة وضعف النشر
- طريق التنمية وأهميته للعراق
- الصين والوساطة بين أمريكا وإيران
- مي زيادة وجبران خليل ..حب عاش في الرسائل اكثر من الواقع
- رقعة الشطرنج العربية
- الفساد ... دولة موازية
- الرئيس والتصفيق
- ساعي البريد الأخير
- الراقصات... قضية عربية مؤجلة


المزيد.....




- جسد أريانا غراندي يعود إلى دائرة الضوء مجدداً.. ما شأن الجمه ...
- هبطت على طريق سريع.. كاميرا توثق نجاة طائرة من كارثة في فلور ...
- إنفوغراف.. حرائق الغابات في الاتحاد الأوروبي تتجاوز المعدل ا ...
- مسؤول إيراني: مضيق هرمز لن يعود لوضعه قبل الحرب ويجب أن يخضع ...
- رأي.. بارعة الأحمر تكتب: رهانات لبنان في روما.. السيادة تبدأ ...
- -لن نقف مكتوفي الأيدي-.. إيران تهدد بضرب السفن الحربية الأمر ...
- غزة بين وعود التهدئة وواقع القصف.. غارات إسرائيلية تُبدد آما ...
- بارزاني في دمشق.. زيارة تبادل المصالح
- وزير العدل اللبناني: القرار الاتهامي حول انفجار مرفأ بيروت س ...
- بعد رفض علاجها في أمريكا.. -طفلة قناع باتمان- تقترب من التعا ...


المزيد.....

- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسين علي الحمداني - ابن خلدون... حين التقت الحكمة القديمة بعلم النفس الحديث كيف تصنع التربية إنساناً... وتصنع امة؟