أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - ثامر الزبيدي - البيان قبل الإلزام: لماذا لا يُحاسبنا الله قبل أن يُعلّمنا؟















المزيد.....

البيان قبل الإلزام: لماذا لا يُحاسبنا الله قبل أن يُعلّمنا؟


ثامر الزبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 8786 - 2026 / 8 / 3 - 21:05
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


تخيل معي أنك دخلت فصلاً دراسياً، ووجدت المعلم يوزع أوراق الامتحان على الطلاب قبل حتى أن يشرح لهم الدرس، ثم يبدأ بتعنيفهم وتوبيخهم لأنهم لم يعرفوا الإجابات! لن تحتاج إلى الكثير من التفكير لتدرك أن الخلل هنا ليس في الطلاب، بل في المعلم نفسه.
فطرتنا الإنسانية البسيطة تخبرنا أن التعليم يجب أن يسبق الامتحان، وأن التوضيح يسبق المحاسبة، وأنه لا يحق لأحد أن يلوم إنساناً على شيء لم تُتح له فرصة معرفته. تصرف المعلم في هذا المشهد لا نعده مجرد خطأ، بل هو ظلم صريح يناقض الغاية من التعليم أساساً.
هذا المعنى الفطري النقي الذي تستريح إليه عقولنا، لم يتجاهله القرآن، بل جعله أصلاً من أصول العلاقة بين الله والإنسان. الخالق سبحانه لا يطالبنا بشيء قبل أن يبينه لنا بوضوح، ولا يحاسبنا حتى يقيم علينا الحجة. المحاسبة قبل التوضيح تناقض مبدأ العدل المطلق الذي قامت عليه السماوات والأرض والرسالات بأكملها.
ولهذا، جاء التصريح القرآني قاطعاً لا مواربة فيه: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: 15]. الآية هنا لا تتحدث عن مجرد "ظهور" رجل يُدعى رسولاً، بل تتحدث عن "البيان" الذي يحمله هذا الرسول. الله لم يعلق العذاب بمجرد وجود أمر أو نهي مكتوب، ولم يقل: "حتى نأمر" أو "حتى نكتب"، بل قال: ﴿حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾؛ لأن الرسول هو الحاضر الذي يشرح، ويفصل، ويزيل الجهل، فلا يترك للإنسان عذراً يتوارى خلفه. ويؤكد القرآن هذا المقصد العظيم بقوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا﴾ [النساء: 176]، فغاية البيان هي الحماية من الضياع.
بل إن القرآن يذهب أبعد من ذلك حين يلخص الحكمة من إرسال جميع الأنبياء في آية واحدة: ﴿رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: 165]. الهدف ليس مجرد إيصال بريد من السماء إلى الأرض، بل إغلاق باب الاعتذار بالجهل. لو كنا نُحاسب قبل أن نفهم، لما كان لهذا التعليل أي معنى، ولما كانت هناك حاجة للرسل من الأساس.
ويمتد هذا الاحترام العميق لعقل الإنسان إلى طريقة التبليغ ذاتها. فليس المهم أن تصلك الرسالة فحسب، بل أن تصلك بلغة تفهمها وتستوعبها. ولذلك يقول تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: 4]. اختلاف لغات الأنبياء لم يكن صدفة أو أمراً هامشياً، بل هو جوهر إقامة الحجة. كيف تُحاسب على نص لا تفهم مفرداته؟ ولهذا لخص الله مهمة نبيه بالقول: ﴿فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [النحل: 82]. والتبليغ المبين ليس مجرد ترديد للكلمات، بل هو إيصال للمعنى بطريقة تمحو كل التباس.
حين تتأمل هذه الآيات مجتمعة، تدرك أن القرآن يدمج تماماً بين "البيان" و"العدل". العدل الإلهي لا يتجلى فقط في ميزان الحسنات والسيئات يوم القيامة، بل يتجلى أولاً في إعطائك حقك الكامل في الفهم قبل أن تُختبر. هذه سنة الله في تاريخ البشرية كله: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [يونس: 47]. لاحظ الترتيب: يأتي الرسول، يحصل البيان، ثم يأتي القضاء العادل، والنتيجة: ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ لأن الله يؤكد دائمًا: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: 46].
هذا الأصل يبلغ ذروة تأثيره في مشاهد يوم القيامة. حين يُساق أهل النار، لا يكون السؤال الإلهي الموجه لهم: "لماذا عصيتم؟"، بل يكون: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾؟ فيكون الاعتراف: ﴿قَالُوا بَلَىٰ قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا﴾ [المُلك: 8-9]. المحاسبة تُبنى حصراً على أن الحجة قد وصلت واضحة، وأن الاختيار كان عن علم لا عن جهل.
المذهل أن هذا المنهج لا يقتصر على عامة الناس، بل طُبق في تربية الأنبياء أنفسهم. في سورة "عبس"، حين وقع من النبي ﷺ تصرف احتاج إلى تقويم، لم ينزل الوحي بمجرد توبيخ جاف، بل نزل مبيناً وجه الصواب وعلّته، فتحول العتاب إلى درس. التربية الإلهية تؤمن بأن استيعاب العلة يسبق التكليف. ولهذا نجد القرآن مليئاً بضرب الأمثال، وسرد القصص، وتعليل الأحكام؛ فكل هذه ليست مجرد زخارف لغوية، بل أدوات بناء للحجة، كي تقف أمام ربك وأنت تفهم تماماً مراده منك.
الأزمة المعاصرة: الطاعة العمياء بديلاً عن البصيرة
من أخطر المآزق التي نعيشها اليوم، أن الدين تحول عند الكثيرين إلى قائمة عسكرية من الأوامر والنواهي المجردة. يُطلب من الإنسان التنفيذ الفوري دون أن يسأل عن السبب أو يبحث عن السند في كتاب الله. النتيجة؟ تنشأ أجيال تطيع لأنها تبرمجت على الطاعة، لا لأنها أبصرت نور الحجة.
هنا بالتحديد، يصبح الدين أرضاً خصبة لكل من يريد استغلاله. فالإنسان الذي تبرمج على ألا يسأل: "ما الدليل؟"، سيقبل أي قيد يُفرض عليه طالما جاءه من شخصية تملك سلطة دينية. في المقابل، الإنسان الذي تشرب منهج القرآن سيتوقف بهدوء واحترام ليسأل: أين البيان؟ ما هي حجة الله في هذا الأمر؟ وقد علمنا القرآن أن نطلب الدليل في كل شيء: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: 111]. هذا السؤال ليس تمرداً، بل هو صميم الإيمان الذي أراده الله.
كثيراً ما نصطدم بخطابات دينية تجعل "الإلزام" يسبق "الفهم". يطالبونك بالتسليم أولاً، ويؤجلون التوضيح لزمن قد لا يجيء، مسلّحين بعبارات جاهزة مثل: "هذا ما قاله الأسلاف"، أو "لا تجادل في الدين". وهو ما حاربه القرآن بشدة حين انتقد من يعطل عقله بحجة الموروث: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: 22]. القرآن يفعل العكس تماماً: يخاطب عقلك، يزيل الغشاوة، يقيم الحجة، ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: 256]، ثم يتركك لتتحمل مسؤولية قرارك.
هذا الإدراك العميق يفرض علينا أن نجعل هذه القاعدة بوصلتنا الأساسية في التعامل مع أي حكم ديني. فلا يصح أبداً أن ننسب أمراً أو تشريعاً لرسول الله لمجرد أنه شائع أو تتداوله الألسن بلا تمحيص. بل يجب أن يكون معيارنا الأول دائماً: البحث عن البيان القرآني الذي يؤصل هذا الحكم ويحدد أبعاده. فالتقوّل على الله ورسوله مسؤولية عظيمة، لا تُبنى على مجرد الشهرة أو التوارث، بل تتطلب حجة ساطعة لا لبس فيها.
هذه القاعدة لا تدعوك للتهرب من طاعة الله، بل تدعوك لترتقي بهذه الطاعة لتكون مبنية على بصيرة يقظة. الله لا يعاملك كآلة، بل كإنسان عاقل حر. لذا، في كل مرة يُطلب منك أن تعتنق فكرة أو تلتزم بحكم باسم الدين، لا تتردد في السؤال: أين بيان الله في هذا؟ إن وجدته، فامضِ مطمئناً لأن طاعتك ولدت من رحم الفهم. وإن لم تجده، فلا تتسرع في نسبة هذا الإلزام للسماء.
هذا هو العدل القرآني في أبهى صوره: لا يطالبك بالسير في نفق مظلم، بل يضيء لك الطريق، يضع العلامات، ثم يمنحك شرف الاختيار وشرف تحمل المسؤولية.



#ثامر_الزبيدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- السؤال... أول الطريق إلى الهداية
- القرآن يخاطب العقل.. لا الذاكرة
- القرآن خطاب لا نصوص متفرقة
- الرحلة السابعة والأخيرة: نحو علم نفس قرآني
- الرحلة السادسة: النفس المطمئنة.. الغاية التي تناساها علم الن ...
- الرحلة الخامسة: علاج النفس في القرآن.. لماذا يبدأ الشفاء من ...
- الرحلة الرابعة - خريطة النفس / كيف يكشف القرآن ما يحدث داخل ...
- إعادة اكتشاف الإنسان... سبع رحلات في النفس كما يصورها القرآن ...
- إعادة اكتشاف الإنسان... سبع رحلات في النفس كما يصورها القرآن ...
- اعادة اكتشاف الإنسان... سبع رحلات في النفس كما يصورها القرآن ...
- حين يقرأ القرآن سيرتنا لا سيرة الأولين: هل يرسم النص ملامح ا ...
- الأنبياء خارج الزمن التوراتي - قراءة قرآنية في إشكالية التار ...
- الأسرة لا تُستبدَل — حين يكتشف الغرب ما فرَّط فيه
- الاجتماع البشري في القرآن: قراءة سوسيولوجية
- رحلة الوعي المذهلة: كيف تحول الطين إلى عقل مفكر في المنظور ا ...
- بين السجادة والمختبر: المسافة المفقودة التي أضاعت بوصلة الحض ...
- نحو استعادة المركزية وتحرير العقل الإسلامي
- اللين كقانون للجاذبية الاجتماعية
- قراءة في -الميثاق الغليظ- وزمن السيولة الرقمية
- شيفرة الفناء وحتمية السقوط في -سُنَّةِ الأوَّلِينَ-


المزيد.....




- أمين البحوث الإسلامية: قضية فلسطين حاجز أمام صدق الخطاب العا ...
- هيئة رئاسة مجلس خبراء القيادة في إيران تصدر بيانا بشأن مواقف ...
- الحزب المسيحي الديمقراطي يطالب بأن تتولى الدولة مسؤولية الرع ...
- اللجنة الرئاسية لشؤون الكنائس تدين اعتداء المستوطنين على دير ...
- الرئاسية العليا لشؤون الكنائس تدين اعتداء المستوطنين على دير ...
- الإمارات.. مجلس الإفتاء يقرر نصابا موحدا لزكاة التمور
- مقام محدد لكل يوم.. الجامع الأموي يحافظ على الأذان الجماعي م ...
- اليوم.. انطلاق المؤتمر الدولي الثاني لمكافحة التمييز ضد الإس ...
- تضم تركيا السعودية ومصر.. إيران تقترح تشكيل -آلية أمنية إسلا ...
- تردد قناة طيور الجنة الجديد 2026.. كيف تعيد الفرحة والضحكة ل ...


المزيد.....

- حقوق العصر. تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم
- التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني / عمار التميمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - ثامر الزبيدي - البيان قبل الإلزام: لماذا لا يُحاسبنا الله قبل أن يُعلّمنا؟