أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حيدر حسين سويري - اغتيال الخوف














المزيد.....

اغتيال الخوف


حيدر حسين سويري

الحوار المتمدن-العدد: 8785 - 2026 / 8 / 2 - 15:58
المحور: الادب والفن
    


قصة قصيرة:

في زاويةٍ معتمةٍ من سجن "النهضة" بمحافظة الديوانية، كان الليلُ ينسكبُ ثقيلاً جثوماً على الجدرانِ الخرسانية الباردة. لم تكن القسوةُ المحيطةُ بالمكان هي مصدر الرعبِ الوحيد لـ "مريم"، بل كان الخوفُ يملأ أركانَ روحها؛ خوفُ إنسانةٍ رمَت بها الظروفُ القاسيةُ في قاعِ الضعف. كلُّ ما كانت تتطلعُ إليه في تلك البقعةِ الموحشة، هو نزرٌ يسيرٌ من الرحمة، وشعاعٌ ضئيلٌ من الأمانِ تعبرُ به جسرَ الفزع حتى لا تنكسرَ روحُها تماماً.
كانت تطوّقُ ركبتيها بيديها الراجفتين، وتسترقُ النظرَ نحو البابِ الحديدي، تترقبُ بوجلٍ خطواتِ "الحراس"؛ أولئك الذين وُضعوا في هذا المكان لتكونَ وظيفتهم إدارة الأمان وحراسة الحقوق.
وفجأةً، صرّ البابُ الحديديُّ بصوتٍ جاف، ودخل ثلاثةٌ من الحراس. لم تكن في وجوههم أيّ ملامحَ للإنسانية، بل شواهدُ استقواءٍ مقيت بالظروف والمنصب. ثلاثةُ رجالٍ تتطلعُ أعينُهم الباردةُ إلى ضعفها الحساس بانتهازيةٍ بائسة، دون أن يرمشَ لأحدهم جفنٌ أو يطرفَ لهم ضمير.

تراجعت مريم إلى الجدار، وابتلعت غصتها وهي ترفعُ يديها الضعيفتين مسترحمة:
— "رجاءً... ارحموا ضعفي، أنا امرأةٌ لا حيلةَ لي هنا ولا قوة..."

تقدم أحدهم بنظرةٍ خاليةٍ من أي حرمة، وقال بصوتٍ جافٍ يتصاعدُ منه الجبروت:
— "الرحمةُ ليست من اختصاصنا هنا.. أنتِ تحت سلطتنا الكاملة."

لم تكن تلك الفاجعةُ الشنعاءُ التي تناوبَ على ارتكابها أولئك الثلاثة مجردَ اعتداءٍ غاشمٍ على جسدٍ أعزل في لحظةِ انكسار؛ بل كانت جرفاً تاماً لكلّ ما تبقى في كيانها. لقد تجرؤوا، بكلّ صغارٍ وقسوة، على اغتصابِ شعورها بالخوف ذاته، تاركين وراءهم أثراً لا يرممُهُ الزمان.

بعد انقضاءِ تلك الليلةِ المظلمة، سكنَ الخوفُ في جوفها كلياً، وغاضت الدموعُ من عينيها، وحلّ الذهولُ المطبقُ محلّ الفزع.

جلست زميلتها في الحجز تحاولُ مواساتها والهمسَ إليها وهي تمسكُ بيدها الباردة:
— "مريم.. اتكلمي، ابكي، اصرخي.. لا تلتزمي هذا الصمتَ المرعب، الخوفُ يأكلُ قلبكِ!"

نظرت مريمُ إلى الفراغِ بعينينِ مطفأتين، وردت بنبرةٍ جافةٍ خلت من أيِّ نبض:
— "لقد اعتَدوا عليّ، نعم.. لكنهم لم يسلبوني أماني فحسب، بل اغتالوا خوفي أيضاً.. أتعلمين ما معنى أن يعيشَ الإنسانُ بلا خوف؟ إنه كمن يعيشُ بلا نوم، بلا طعام، بلا حركة، وبلا إحساس.. فماذا يتبقى منه بعد ذلك؟ ماذا بعد الخوف غير الدمار الشامل والانكسار الذي لا يُرمّم؟"
صمتت الجدرانُ وغرقَ المكانُ في أسىً صامت. كان أشدُّ ما في الحادثةِ إيلاماً وصدمة، أن من ارتكبوا هذه الجريمةَ بحقِّ امرأةٍ في أوجِ ضعفها، هم ثلاثةُ أفرادٍ وُكِلَت إليهم أمانةُ الحمايةِ ورعايةِ العدالة، لتنقلبَ الفطرةُ والمهمة: كيف يُرتجى الأمانُ إذا كان الحراسُ هم الجناة؟

وظلَّ سؤالُ روحها المنكسرةِ يترددُ في أروقةِ الصمت: أين الحرمة؟ وأين الرحمة؟ لماذا يستصعبُ البعضُ أن يرحموا الإنسانَ في ظروفه القاهرة، بينما يسهلُ عليهم رجمُهُ بالأذى والشقاء مدى الحياة؟
..............................................................................



#حيدر_حسين_سويري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- صرخة نحو المفارقة: عندما يفرّ الإنسان من -الوطن- بحثاً عن -ا ...
- صوتٌ لا يُقبر: عندما يُقلق الضريحُ عرشَ الطغاة
- انتبه... أنا هنا
- اعترافات ساحر: مرآة الوجوه المظلمة
- أنوار العشق الإلهي: حين يكون الحبُّ طريقاً للخلود
- المارد الصبور يخرج عن صمته: هل انتهى عصر -الضبط الاستراتيجي- ...
- صَخْرَةُ البَارّ... وَعَاصِفَةُ الجَوْر
- بين وهم -أهل السلطة- وحقيقة المقاومة: تفكيك مغالطة إدارة الح ...
- بين ساحات الوطن وفنادق الرياض: عندما ينقلب المنطق وتضطرب الم ...
- كرة القدم بين المستطيل الأخضر ومحاكمة التاريخ: قراءة في انقس ...
- الذكاء الاصطناعي بين إغراء النمو وكابوس البطالة: هل نصنع الا ...
- جدران السياسة وسهم المنون: قراءة في ثنائية السلطة والرحيل ال ...
- ازدواجية المعايير الدولية: لماذا يُحاكم الإسلام بجرائم الأفر ...
- النصل والملعب الاخضر
- تصعيد بلا سقوف: قراءة في سيناريوهات المواجهة المباشرة بين إي ...
- وقفة مع السيد علي السيستاني2
- وقفة مع السيد علي السيستاني
- جنازة عابرة للقارات: مئة مليون مشيّع في وداع -مهندس الخراب
- رسالة مفتوحة (جداً) إلى سيادة المسؤول
- بين -صولة الفجر- وكواليس -المخرج المنفذ-.. هل يصدق المشهد ال ...


المزيد.....




- الأخوان ملص يفتحان النار على المثقف السوري: بين التطبيل والط ...
- -من يرمي الحجر الأول؟-.. مسرحية سورية تحاكم العنف وتترك السؤ ...
- مؤرخ روسي يدعو لترجمة الأدب القديم إلى الروسية الحديثة لإنقا ...
- مستشهدا بآيات قرآنية وبالسنّة.. متحدث خارجية إيران: لا يحق ل ...
- لقطات مرعبة وأشبه بالأفلام من أمريكا.. مسلحان يفتحان النار ق ...
- وفاة نجم مسلسل -The Sopranos- عن عمر ناهز 80 عاما
- -قاعة مسجد وهوى عثماني-.. كيف حوّل روائي فرنسي منزله إلى -إس ...
- اتهامات ودعوى قضائية.. هل سربت نتفليكس فيلم -فورتيتيود-؟
- الغرافيتي.. صوت المتمردين ومرآة المنبوذين
- داخل إحدى دور سينما آيماكس النادرة.. تجربة مشاهدة -الأوديسة- ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حيدر حسين سويري - اغتيال الخوف