أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مصطفى النبيه - قراءة في مسرحية - خمسون دقيقة في غزة- ... حين يصبح المسرح شاهدًا على الإبادة ..للمخرج/ علي أبو ياسين














المزيد.....

قراءة في مسرحية - خمسون دقيقة في غزة- ... حين يصبح المسرح شاهدًا على الإبادة ..للمخرج/ علي أبو ياسين


مصطفى النبيه

الحوار المتمدن-العدد: 8785 - 2026 / 8 / 2 - 15:23
المحور: الادب والفن
    


ليس سر جمال مسرحية "خمسون دقيقة في غزة" في تعقيد بنيتها الدرامية، ولا في كثرة أحداثها، وإنما في قدرتها النادرة على اختزال مأساة شعب كامل داخل خمسين دقيقة فقط. إنها لا تحاول أن تشرح الحرب، بل تجعل المتفرج يعيشها. وما إن تبدأ حتى تتلاشى المسافة بين الخشبة والواقع، فلا تعود تشاهد ممثلين يؤدون أدوارًا، بل بشرًا ينقلون ذاكرة ما تزال تنزف. حين يبلغ العمل هذه الدرجة من الصدق، يصبح الحديث عن الهفوات الفنية أمرًا ثانويًا. فالمتلقي لا ينشغل ببناء الجملة المسرحية، ولا بإيقاع الحركة أو توزيع المشاهد، لأنه يجد نفسه داخل التجربة، لا خارجها. وهنا تكمن قوة المسرحية؛ فهي لا تفرض عليك التعاطف، بل تترك الحقيقة تؤدي دورها. اختار المخرج علي أبو ياسين أن يجعل مستشفى الشفاء فضاءً للأحداث، وهو اختيار شديد الذكاء. فالمكان الذي وُجد لإنقاذ الإنسان يتحول إلى مساحة ينتظر فيها الناس موتهم، ويصبح المستشفى صورة رمزية لغزة كلها؛ مدينة تبحث عن الحياة بينما يحاصرها الموت من كل الجهات. ومن داخل هذا المكان تتوالد الحكايات. الأم التي انتظرت سنوات طويلة لتصبح أمًا لا تخاف من ألم الولادة، بل من ألا تجد فرصة لتضم طفلها إلى صدرها. ومع ذلك، لا تتخلى عن حقها في الفرح، ولا عن رغبتها في سماع كلمة حب من زوجها، أو في أن ترقص وتغني. وكأن المسرحية تقول إن الحرب قد تهدم البيوت، لكنها لا تستطيع أن تهزم الغريزة الإنسانية التي تدفع الإنسان إلى الحب والحياة. ثم يظهر الناجي الوحيد والناجية الوحيدة، حاملين ذاكرة عائلتين لم يبق منهما أحد. لا يرويان الحكاية بوصفها حدثًا مضى، بل يعيشانها من جديد أمام الجمهور. تتداخل أصواتهما مع صور الأنقاض والوداع الأخير، حتى يشعر المتفرج أن الدموع لم تعد استجابة عاطفية، بل فعلًا إنسانيًا لا يمكن مقاومته. ولا يكتفي العرض بتوثيق الموت تحت القصف، بل يفتح أبوابًا أخرى للوجع. ينتقل إلى ملف الأسرى، كاشفًا ما يتعرضون له من تعذيب وإذلال وانتهاكات، ثم يلتفت إلى مأساة الفتاة التي تجاوزت الثلاثين وحلمت أن تلبس فستان الفرح وحرمت منه كامرأة وأصبحت هي وجيلها اليوم عانس.تطرح المسرحية حكاية آلاف النساء اللواتي سرقت الحرب حقهن في تكوين أسرة، بعد أن ابتلعت آلاف الشبان بين شهيد وأسير وجريح. هنا لا تتحدث المسرحية عن قصة فتاة واحدة، بل عن مستقبل اجتماعي كامل يتعرض للتدمير. ومن أجمل لحظات العرض تلك التي يكتب فيها الممثلون أسماءهم على أجسادهم. لوحة بسيطة في تنفيذها، لكنها عميقة في معناها؛ فالإنسان هنا يخشى أن يموت مجهولًا، ويريد لاسمه أن يبقى حتى لو غاب جسده. إنها لحظة تختصر مأساة غزة كلها؛ حيث أصبح الاسم آخر ما يملكه الإنسان في مواجهة آلة الموت. ومع اشتداد الحصار، يتقدم الشاب الفقير أحمد، بائع الرصيف أمام مستشفى الشفاء، ليبحث عن نجاة للآخرين. يخرج وهو يعرف أن الموت ينتظره، ثم يُعدم أمام أعينهم، فيسقط الأمل للحظة. لكن المسرحية لا تنتهي عند هذه الصورة. ففي قلب العتمة يولد الطفل المنتظر، وكأن الحياة تصر على أن تفتح نافذة صغيرة وسط الجدار. أما المشهد الأخير، فهو من أكثر مشاهد العرض شاعرية. الجميع يلتفون حول المولود الجديد، لا لأنهم قادرون على حمايته، بل لأنهم يؤمنون أن الدفاع عن الحياة، حتى لو كان مستحيلًا، هو آخر ما تبقى للإنسان من كرامته، والطفل يمثل الأمل في المستقبل، يمتلك العرض حساسية عالية في إدارة الانفعال، ويستند إلى أداء صادق جعل الشخصيات تبدو أقرب إلى شهود منها إلى ممثلين. ومع ذلك، فإن العمل كان سيزداد اكتمالًا لو أتيح له فضاء سينوغرافي أرحب يسمح بتشكيل صور بصرية أكثر اتساعًا، ولو منح النص مساحة أكبر لبعض المحاور، وفي مقدمتها مأساة النساء، وملف الأسرى، لما تحمله هذه القضايا من أبعاد إنسانية تستحق مزيدًا من التعمق. قبل مشاهدة العرض، أخبرني الصديق الفنان علي أبو ياسين أنه أنجز مسرحية جديدة ستُعرض في مؤسسة عبد المحسن القطان. يومها شكرته قبل أن أشاهدها، لأن مجرد إنتاج عرض مسرحي في غزة اليوم هو فعل مقاومة ثقافية. وحين خرجت من القاعة، أدركت أن المسرحية لم تكن انتصارًا للمسرح وحده، بل انتصارًا لقدرة الإنسان على حماية روحه من الخراب.
ولأن الجمال فعلُ مقاومة، فإن هذا العمل لم يكن ليولد لولا قلوب آمنت بأن الفن قادر على الانتصار حتى في أكثر اللحظات قسوة. فكل الشكر والامتنان لهؤلاء المبدعين الذين يعيشون ألوانًا من العذاب، لكنهم اختاروا أن ينتصروا للحياة، وأن يزرعوا الجمال في وجه الألم، ويثبتوا أن الإبداع يظل أقوى من الخراب. تحية تقدير للفنان تامر نجم، والفنان إيهاب عليان، والفنان محمد قدورة، والفنان أحمد طه، والفنانة إيمان عودة، والفنانة سارة محيسن، والفنانة ياسمين جعرور، والفنانة لينا العطار، وللموسيقار فادي أبو ياسين الذي منح العمل نبضًا يلامس الروح. وقد لعب الديكور دوراً في المسرحية حيث كان يحكي حكايتها، لمصمم الديكور الرائع اسماعيل دحلان ..إنهم جميعًا يؤكدون أن الفن، حتى في قلب المأساة، يبقى رسالة حياة، وأن الإنسان قادر على أن يصنع من الألم جمالًا، ومن الصمت صوتًا يصل إلى العالم. ليست "خمسون دقيقة في غزة" مجرد عرض مسرحي، بل شهادة فنية على زمن الإبادة، ووثيقة تحفظ ذاكرة الناس من النسيان. خمسون دقيقة تسرق دموعك، لكنها تعيد إليك إيمانك بأن الفن، حتى في أقسى الظروف، قادر على أن يمنح الإنسان سببًا آخر للحياة.في غزة، لا نصنع الفن لأن الحياة جميلة، بل نصنعه كي تبقى الحياة ممكنة



#مصطفى_النبيه (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- غزة ورام الله... روحٌ واحدة، وقلبٌ واحد، وجسدٌ واحد
- هناك فرقٌ بين البطولة والانتحار
- يا عالم بدنا نعيش
- غزة ليست بخير...
- ترويض ، أكشن أخر مرة
- ستي ست الحسن
- شريطا أسود في حضرة السينما
- غزة تستحق الكثير من الحب يا شركة الاتصالات
- غزة وهي تساق إلى المقصلة، تحمل مليارات الحكايات البصرية
- -من يسمع دموع الياسمين؟-
- تتساقط أرواحنا مع تساقط بيوتنا
- بكائيات يوم جديد لوحة سوداء في قاموس الانتكاسات
- ينهشني الحنين
- المثقف اليتيم
- المثقفون والفنانون في غزة يحتضرون
- هل للمثقف اليتيم في غزة أب شرعي؟!
- ليس بعد هذا الموت موت
- فنانو غزة: هل تسمعوننا
- المحرقة
- السينما تنتصر على الموت- مبادرة من المسافة صفر- للمخرج العبق ...


المزيد.....




- عندما يسقط السلاح.. تسقط الرواية موافقة حماس على نزع سلاحها ...
- المسرح السوري يتألق في جرش... زيناتي قدسية يحصد جائزتين وعبد ...
- الأخوان ملص يفتحان النار على المثقف السوري: بين التطبيل والط ...
- -من يرمي الحجر الأول؟-.. مسرحية سورية تحاكم العنف وتترك السؤ ...
- مؤرخ روسي يدعو لترجمة الأدب القديم إلى الروسية الحديثة لإنقا ...
- مستشهدا بآيات قرآنية وبالسنّة.. متحدث خارجية إيران: لا يحق ل ...
- لقطات مرعبة وأشبه بالأفلام من أمريكا.. مسلحان يفتحان النار ق ...
- وفاة نجم مسلسل -The Sopranos- عن عمر ناهز 80 عاما
- -قاعة مسجد وهوى عثماني-.. كيف حوّل روائي فرنسي منزله إلى -إس ...
- اتهامات ودعوى قضائية.. هل سربت نتفليكس فيلم -فورتيتيود-؟


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مصطفى النبيه - قراءة في مسرحية - خمسون دقيقة في غزة- ... حين يصبح المسرح شاهدًا على الإبادة ..للمخرج/ علي أبو ياسين