رحيم فرحان صدام
الحوار المتمدن-العدد: 8784 - 2026 / 8 / 1 - 23:20
المحور:
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
هو أبو المنذر هشام بن محمد بن السائب الكلبي (ت 204هـ/ 819 م)(1) أحد رواد التدوين التاريخي والمعروف بكتاباته في علم الانساب على الرغم من تجريح علماء الجرح والتعديل لرواياته في الحديث الشريف(2) وهو امر غريب اذ لم يكن من رواة الحديث ليصفوه بأنه
" متروك الحديث"، بل ان الامام احمد صرح بذلك اذ قال:" الغالب عَلَيْهِ الأخبار والأسمار والنسبة، ولاَ أعرف لَهُ شيئا من المسند".(3)
ويبدو ان السبب الحقيقي لنقده من قبل علماء الحديث هو تشيعه(4) لأهل البيت (عليهم السلام ) ، وقد شهد جده بشر وبنوه السائب وعبيد وعبد الرحمن وقعة الجمل وصفين مع الامام علي عليه السلام . (5) وقتل السائب بن بشر مع مصعب بن الزبير خلال معاركه مع الامويين ، وقد استشكل ابن حجر العسقلاني من " توثيقهم الناصبي غالباً وتوهينهم الشيعة مطلقا "(6).
ووالده هو ابو النضر محمد بن السائب(7) بن بشر بن عمرو بن الحارث(8) الملقب بالكلبي نسبة الى قبيلة كلب بن وبرة بن قضاعة(9).
شارك محمد بن السائب الكلبي في معركة دير الجماجم مع ابن الاشعث(10) ضد الخلافة الاموية.
وكان اماما في التفسير وعالما بالانساب بصير النضر فيه ، وتام المعرفة بأيام الناس واخبارهم(11). استدعي من قبل والي البصرة العباسي سليمان بن علي ففسر له القرآن الكريم(12) . مما يدل على تضلعه في علوم اللغة ، وفهمه لمعاني القرآن وبلاغته ، الا انه كان ضعيفا في ما يرويه عند المحدثين(13) ؛ بسبب تشيعه لاهل البيت عليهم السلام، ومشاركته في الحرب ضد الخلافة الاموية التي يعشقها اغلب علماء الحديث ، ويطعنون بمن خالفها او خرج عليها ، ومع ذلك قال عنه ابن عدي: " رضوه في التفسير" مما يدل على صدقه في الرواية ذات الطابع التفسيري للقران الكريم . (14).
أما روايات هشام بن الكلبي في علم الانساب والاخبار فقد اعتمدها ابن سعد(15) وخليفة بن خياط(16) وهما من علماء الحديث.
أما ياقوت الحموي فقد أثنى عليه علم الأخبار والأيام بقوله " ولله درُه ما تنازع العُلماء في شيء من أمور العرب إلا وكان قوله حُجه، فهو مع ذلك مظلوم كلوم" (17).
وعلى أي حال فلا عبرة بطعن المحدثين به اذ اثبتت الدراسات الحديثة صحة روايته بمجموعها وانه كان موفقا في تحرياته يقول الدكتور جواد علي ما نصه : " ويرى نولدكه ان التهم التي وجهت الى ابن الكلبي لم تكن دائما على حق ، ويرى ان كثيراً مما رواه كان صوابا وانه قد سلك سبيلا قريبا من العلم في دراسة الوثائق الاصلية والمخطوطات"(18).
ويقول ايضا :"ولأبن الكلبي ، فضل كبير على دراسات تأريخ العرب قبل الإسلام؛ فأغلب معارفنا عن هذا العصر تعود إليه. وقد سلك مسلكًا جعله في طليعة الباحثين في الدراسات الآثارية عند المسلمين، برجوعه إلى الأصول، واعتماده على المراجع التاريخية ، متبعًا سبيلًا تختلف عن سبيل أهل اللغة في البحث، وهو -بطريقته هذه- قريب من طريقة المؤرخين في تدوين التأريخ"(19). كما اننا لم نجد من قلل من معرفته بالأنساب والاخبار حتى من المحدثين انفسهم. (20)
ولكنه لم يخلّ مع ذلك من نقاط الضعف التي تكون في الإخباريين عامة ، مثل سرعة التصديق، ورواية الخبر من دون نقد أو تمحيص. وقد اتُّهم بالوضع والكذب اذ يقول ابو الفرج الاصفهاني ما نصه : "وهذا الخبر مصنوع من مصنوعات ابن الكلبي والتوليد فيه بين، وشعره شعر ركيك غث لا يشبه أشعار القوم؛ وإنما ذكرته لئلا يخلو الكتاب من شيء قد روي" (21) ؛ كما تجنب كثير من المحدثين الرواية عنه، وقال علماء الجرح والتعديل عن بعض أسانيده أنها سلسة الكذب(22) كسنده عن أبي صالح عن ابن عباس، في حين ذهب المستشرق بروكلمان إلى أن ما اتُّهم عليه ابن الكلبي لم يكن كله صحيحًا، وأن البحوث العلمية التي قام بها المستشرقون دلتهم على أن الحق كان في جانبه في كثير من المواضع التي اتُّهم عليها(23).
ولا يمكن تبرِّئته من الوضع أو من تهمة أخذه كل ما يقال له، ولا سيما إذا كان القائل من أهل الكتاب، من دون مناقشة ولا إبداء رأي؛ ففي الروايات المنسوبة إليه شيء الكثير من الإسرائيليات والقصص الممسوخ الذي يدل على جهل قائله أو استخفافه بعقل السامع وعلمه، مثل اختراع سلاسل من النسب زعم أنها واردة في التوراة ، أو عند أهل النسب، مع أن الوضع فيها بيّن واضح، وهي غير واردة في التوراة ولا في التلمود. ولعل حرصه على الظهور بمظهر العالم المحيط بكل شيء من أخبار الماضين، هو الذي حمله على الوضع، وقد وضع غيره من أقرائه شعرًا ونثرًا، وصنع قصصًا؛ ليتفوق بذلك على أقرانه وخصومه وليظهر بمظهر العالم الذي لا يفوته شيء من العلم.
وقد فاق هشام والده في ميله إلى الرجوع إلى المصادر الأصلية والأخذ من الوثائق المكتوبة ولاسيما تأريخ الحيرة وأسرتها المالكة وبتأريخ الفرس، وربما كان يتقن اللغة الفارسية أيضاً . فانه أظهر بذلك براعة وامكانية تقدر في فهم المعنى العلمي لواجب المؤرخ، وهو وان كان نفسه لم يسلم من المطاعن والتهم التي سلطها عليه علماء الحديث خاصة فاتهموه بالتزوير والكذب في الرواية فان البحوث الحديثة تدل على أن خصومه لم يكونوا على حق بصورة عامة فيما ذهبوا إليه وانه كان موفقا في تحرياته وانه خطا خطوات واسعة نحو التأليف التاريخي القائم على المنهج العلمي.
ولم يبقَ من القائمة الطويلة التي ضمنها ابن النديم مؤلفات ابن الكلبي غير قليل(24). وهي في المآثر والبيوتات والمنافرات والمئودات وأخبار الأوائل، وفيما قارب الإسلام من العصر الجاهلي، وفي أخبار الشعر وأيام العرب، والأخبار والأسماء والأنساب(25).
الهوامش
(1) البخاري ، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل الجعفي مولاهم ، (ت 256هـ/862م): التاريخ الكبير، تحقيق: السيد هاشم الندوي ، دار الفكر ( بيروت - بلات). جــ8 ، ص200 ؛ ابن قتيبة، أبو محمد عبد الله بن مسلم، (ت 276هـ/883 م): المعارف ، تحقيق ثروة عكاشة ، دار الكتب العلمية،( بيروت – 1960م).ص298 ؛ العقيلي: أبو جعفر محمد بن عمرو بن موسى بن حماد المكي العقيلي ( ت 322هـ / 934م):الضعفاء الكبير، المحقق: عبد المعطي أمين قلعجي، الناشر: دار المكتبة العلمية – بيروت، الطبعة: الأولى، 1404هـ / 1984م ، جــ4 ، ص 339؛ ابن أبي حاتم: ابو محمد عبد الرحمن بن محمد التميمي(ت:327ه/938م) : الجرح والتعديل، دار إحياء التراث العربي، الطبعة: الأولى، (بيروت -1271هـ/ 1952م ). جــ9 ، ص69 ؛ ابن حبان ، محمد بن حبان بن أحمد التميمي البستي ، (ت 354هـ/960م): المجروحين من المحدثين والضعفاء والمتروكين ، تحقيق: محمود إبراهيم زايد ، الناشر: دار الوعي – حلب ، الطبعة: الأولى، 1396هـ . جــ3 ، ص91 ؛ ابن عدي : الكامل في ضعفاء الرجال . جــ7 ، ص110 ؛ ابن النديم، محمد بن إسحاق، (ت 385هـ/987م) : الفهرست، تحقيق: د. يوسف علي الطويل ، دار الكتب العلمية، ط3، (بيروت ـ 2010). ص153 ـ 157 .
(2) ينظر : العُقيلي : الضعفاء الكبير ، جــ4 ، ص339 ؛ ابن حبان : المجـروحين ، جــ3 ص91 ؛ العسقلاني، أحمد بن علي بن حجر (ت 852هـ/1459م): لسان الميزان، اعتنى به: الشيخ عبد الفتاح أبو غدة، اعتنى بإخراجه: سلمان عبد الفتاح، مكتبة المطبوعات الإسلامية، (د. م ـ د.ت). جــ6 ، ص196.
(3) ينظر: العُقيلي : الضعفاء الكبير . جــ4 ، ص339 ؛ الخطيب البغدادي، أبو بكر أحمد بن علي، (ت 463هـ/1070م): تـاريخ بغداد، تحقيق ودراسة: مصطفى عبد القادر، دار الكتب العلمية، (بيروت- 2004). (16/ 68) .
(4) ابن حبان : المجروحين (3/ 91).
(5) ابن خلكان، شمس الدين أبو العباس أحمد بن محمد البرمكي (ت 681هـ/ 1287هـ): وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، تحقيق: إحسان عباس، دار صادر، ط4، (بيروت ـ 2005).(4/ 311).
(6) ابن حجر : تهذيب التهذيب، دار الفكر، (بيروت -1984).(8/ 458).
(7) الطبري، أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد (ت 310هـ/ 922م) : المنتخب من ذيل المذيل ، مؤسسة الاعلمي ، ( بيروت ، بلا ت).ص 703 ؛ السمعاني، ابو سعد عبد الكريم بن محمد بن منصور التميمي (ت: 562هـ / 1166م): الانساب ، تحقيق: عبد الله عمر البارودي ، دار الجنان ( بيروت – بلا ت) . 5/86 0
(8) ابن سعد، محمد بن سعد بن منيع الزهري مولاهم (ت 230هـ/837م): الطبقات الكبرى، تحقيق: إحسان عباس، دار صادر، (بيروت ـ د.ت). 6/358 ؛ ابن خياط، أبو عمرو خليفة بن خياط العصفري الليثي البصري، (ت 240هـ/854 م): الطبقات ، تحقيق أكرم ضياء العمر ، دار طيبة ، ط2 ، ( الرياض - 1982 م). ص 167.
(9) ابن الأثير، عز الدين علي بن محمد الشيباني، (ت 630هـ/1237م): اللباب في تهذيب الأنساب، دار صادر، (بيروت ـ 1980). 3/105 .
(10) ابن قتيبة : المعارف ، 233 ؛ ابن خلكان : وفيات الاعيان ، 4/310 0
(11) الذهبي، شمس الدين: محمد بن أحمد بن عثمان التركماني (ت 748هـ/1357م): سير أعلام النبلاء، أشرف على تحقيق وخرّج أحاديثه: شعيب الأرناؤوط، ، دار الرسالة ، ط9، (بيروت ـ 1993).6/248 ؛ ابن العماد، أبو الفلاح عبد الحي بن أحمد الحنبلي، (ت 1089هـ/1696م): شذرات الذهب في أخبار من ذهب، إعداد: مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، (بيروت ـ 1998). 1/218 .
(12) ابن النديم : الفهرست ، 145 .
(13) العقيلي ، الضعفاء الكبير ، ج4 ص 76-78 ؛ الذهبي : المغني في الضعفاء ، المحقق: الدكتور نور الدين عتر، الناشر: إدارة إحياء التراث – قطر. ج2 ، ص 584 0
(14) ابن عدي : الكامل في ضعفاء الرجال (7/ 284)؛ ابن حجر: لسان الميزان (7/ 359).
(15) ابن سعد: الطبقات الكبرى (1/27 ، 58 ، 61 ،63، 133) ، (3/ 7).
(16) ابن خياط: أبو عمرو خليفة بن خياط بن خليفة الشيباني العصفري البصري (المتوفى: 240هـ) تاريخ خليفة بن خياط ، المحقق: د. أكرم ضياء العمري ، الناشر: دار القلم , مؤسسة الرسالة - دمشق , بيروت ، الطبعة: الثانية، 1397ه. (ص: 53، 120 ، 126) ، والطبقات، المحقق: د سهيل زكار، الناشر: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، سنة النشر: 1414هـ / 1993م. (ص: 26 ،125).
(17) الحموي، شهاب الدين ياقوت بن عبد الله الرومي (ت 626هـ/1233م): معجم البلدان، دار صادر، ط3، (بيروت ـ 2005). جــ2 ، ص188 .
(18) جواد علي: موارد تاريخ الطبري ، مجلة المجمع العلمي ، العدد2 لسنة 1952 ص 135 – 190 0
(19) جواد علي (ت 1987م) : المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، الناشر: دار الساقي، الطبعة: الرابعة 1422هـ/ 2001م. (1/ 88).
(20) الذهبي، سير أعلام النبلاء،ج7، ص201 ؛ ابن حجر: لسان الميزان،ج4، ص38، 386.
(21) ينظر: أبو الفرج الأصفهاني، علي بن الحسين الأموي (ت356هـ/972م): الأغاني، تحقيق: إبراهيم السعافين، د. بكر عباس، دار صادر، ط3، (بيروت ـ 2008). 9/ 19؛ الذهبي : تذكرة الحفاظ، دار إحياء التراث العربي، (بيروت-1376هـ/1956م). 1/ 313؛ ابن حجر : لسان الميزان 6/ 196.
(22) ينظر: ياقوت الحموي ، معجم الأدباء ، دار إحياء التراث العربي، ( بيروت ـ 1936).2/ 158.
(23)
Brockelmann, I, S., 139, Noldeke, Ubers. d. Tabari, XXVII,
Ency., 2, P., 689.
(24) ابن النديم : الفهرست 140؛ ياقوت الحموي: معجم الادباء 7/ 251.
(25) ابن النديم : الفهرست 140؛ ابن خلكان : وفيات الأعيان 2/ 258.
#رحيم_فرحان_صدام (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟