|
|
حكايات عن الجغرافيا حين تصبح عقيدة
عماد أبو حطب
الحوار المتمدن-العدد: 8784 - 2026 / 8 / 1 - 11:50
المحور:
الادب والفن
او (خريطة الميعاد التي ضاعت بين مصر والفرات واليمن) *
1/ مكتب المساحة الإلهية
دخل الخبير إلى المكتب حاملاً نسخة من التوراة، وطلب خريطة،قال الموظف: أي خريطة؟ — خريطة أرض الميعاد. — عندنا أكثر من واحدة. — أريد الأصلية. فتح الموظف درجًا مكتوبًا عليه:"الأصلية"،كان الدرج مليئًا بالأصول،فتح واحدًا: هذه تقول إن الحدود تمتد من وادي مصر إلى الفرات، فتح الثاني:وهذه تجعل الحدود الغربية البحر، والشرقية الأردن، والشمالية باتجاه حماة. — أيهما صحيح؟ — لا أعرف، نحن مكتب مساحة، ولسنا مكتب تفسير. — لكنني أريد أن أعرف أين تنتهي الأرض. — هذا أسهل شيء. أخرج الموظف قلمًا ورسم خطًا. — هنا. — لماذا هنا؟ — لأن صاحب العقار المجاور يدفع لنا رسومًا على هذه المساحة. أعاد الخبير قراءة النص وقال : — النص لا يقول هذا. — ممتاز. — ماذا يعني "ممتاز"؟ — يعني أن النص لم يدخل بعد في مجال العقارات.
2/ حدود أوسع من الخريطة
اجتمع ثلاثة خبراء: ، وُضعت التوراة على الطاولة. قال الاول : إذا أخذنا "وادي مصر" حدًا جنوبيًا، فالأمر معقد،قال الثاني:وإذا أخذنا الأردن حدًا شرقيًا، فالأمر أكثر تعقيدًا.
قال الثالث: لا تقلقوا، لدينا نصوص تصل إلى الفرات، ساد الصمت. سأل الأول: الفرات؟ — نعم. عقب الثاني: أي أن المشكلة ليست في فلسطين والأردن ومصر؟ — يبدو ذلك. — بل في أن الخريطة لم تتوقف عندها أصلًا؟ فتح الثلاثة النافذة وقالوا: علينا أن نغلق الاجتماع قبل أن تصل الحدود إلى الصين.
3/ لجنة تصحيح الوعد
قررت لجنة دولية أن تعيد رسم "أرض الميعاد" وفق النصوص حرفيًا،قال رئيس اللجنة: — نبدأ من الجنوب. — وادي مصر. — جيد. — ثم البحر. — جيد. — ثم الشمال حتى حماة. — جيد. — ثم الشرق. بدأ أحدهم يرسم، وقال: هنا الأردن. اعترض آخر:انتظر، هناك نص آخر يصل إلى الفرات. — أيهما نعتمد؟ — النص الذي يوافق الخريطة. — وأين الخريطة؟ — سنرسمها أولًا. — وبأي نص؟ سكت الجميع، ثم قال رئيس اللجنة: يبدو أننا اكتشفنا أخطر شيء في علم الحدود. — ما هو؟ — أن الخريطة تستطيع أن تصبح تفسيرًا للنص الذي استُخدم أصلًا لرسمها.
4/ موظف الحدود
وصل رجل إلى نقطة التفتيش،قال له الموظف: أوراقك. أعطاه جواز سفر. — إلى أين؟ — إلى أرض الميعاد. نظر الموظف إلى الشاشةوقال: لا توجد دولة بهذا الاسم. — لكنها مذكورة في النص. — اسم الدولة؟ — لا أعرف. — رقم الحدود؟ — لا أعرف. — رمز المطار؟ — لا أعرف. — إذن كيف تريدني أن أسمح لك بالدخول؟.أخرج الرجل نسخة قديمة من التوراة، قرأ الموظف قليلًا ، وردد: هنا الحدود تصل إلى الفرات. — نعم. — والفرات ليس هنا. — أعرف. — إذن لماذا جئت إلى هنا؟ — لأنني ظننت أنكم تعرفون.
رفع الموظف ختم الدخول ثم أعاده إلى مكانه وهمهم: للأسف، نحن نعرف فقط أين تنتهي الدولة في نظام الكمبيوتر. — وماذا عن النص؟ — النص لا يملك جواز سفر.
5/النزاع على وادي مصر
اجتمع الجغرافيون لتحديد المقصود بـ"وادي مصر"،قال الأول:قد يكون المقصود وادي العريش. قال الثاني: وهناك من يرى غير ذلك. قال الثالث:إذن لدينا مشكلة. — ما المشكلة؟ — إذا كان الحد عند وادي العريش، فلا يمكن استخدام النيل تلقائيًا كحد جنوبي. رفع أحدهم يده مستفسرا: هل يعني هذا أن الخريطة الحديثة لا تطابق الوصف القديم؟ — لا تقل "لا تطابق"،قل "تحتاج إلى إعادة تفسير". — وما الفرق؟ — الأول يسبب أزمة سياسية. — والثاني؟ — يسبب مؤتمرًا. كتب السكرتير على السبورة:"إعادة تفسير" = تأجيل المشكلة حتى تتغير الحكومة،صفق الجميع.
6/الفرات يدخل الاجتماع
كانت اللجنة تناقش حدود فلسطين والأردن ومصر عندما فُتح الباب، دخل رجل غريب، قال:عذرًا، هل هذا اجتماع الحدود؟ — نعم. — جئت من الفرات. سأل رئيس اللجنة: لماذا؟ — لأنكم ذكرتم اسمي. — نحن لم نذكر اسمك. — بل ذكرتم الفرات. — هذا نهر. — وأنا أيضًا لا أملك جواز سفر. قال أحد الخبراء: نحن نناقش حدود أرض الميعاد. — إلى أين تصل؟ تبادل الجميع النظرات ، قال أحدهم:حسب النص، هناك صياغات تصل إلى الفرات. ابتسم الرجل وعقب: إذن لماذا تتشاجرون على بضعة كيلومترات هنا؟ — لأن الخرائط الحديثة لا تتسع للنصوص القديمة. قال الفرات: هذه ليست مشكلتي، ثم خرج،وبقيت اللجنة تبحث عن طريقة لطرده من محضر الاجتماع.
7/ الخريطة الوطنية
قرر مسؤول أن يضع خريطة جديدة في مكتبه، قال الرسام:أي حدود تريد؟ — حدود الدولة. — الحالية؟ — التاريخية. — التاريخية لأي فترة؟ — الأقدم. — الأقدم من ماذا؟ — من التاريخ. وضع الرسام القلم وقال:عندي مشكلة. — ما هي؟ — إذا عدنا إلى النصوص القديمة، سنجد أوصافًا لا تشبه حدود الدول الحديثة. — عدّل النصوص. — لا أستطيع. — إذن عدّل الخريطة. — ستصبح مخالفة للنص. — إذن عدّل التاريخ. — كيف؟ فكر المسؤول قليلًا، وأجاب: اكتب تحت الخريطة: "التاريخ يفسر نفسه بنفسه". — وماذا لو سأل أحد عن الحدود؟ — قل له إن السؤال سياسي. — وماذا لو سأل عن النص؟ — قل له إن السؤال ديني. — وماذا لو سأل عن الجغرافيا؟ — قل له إن السؤال معقد. كتب الرسام في أسفل الخريطة:"ممنوع الاقتراب من الحقيقة؛ قد تتغير الحدود".
8/أرض لم تعرف أنها موعودة
في قرية تقع بين صحراء ونهر، وصل وفد يحمل خريطة ضخمة،قال رئيس الوفد:هذه أرض موعودة،قال أهل القرية: لمن؟ — هذا موضوع قيد الدراسة. — منذ متى؟ — منذ آلاف السنين. — ومن كان يعيش هنا؟ — هذا موضوع قيد الدراسة أيضًا. سأل رجل مسن: وأين حدود الأرض؟.فتح رئيس الوفد الخريطة، وأجاب كانت الحدود تمتد جنوبًا حتى منطقة قريبة من مصر، وشمالًا نحو بلاد الشام، وفي بعض النصوص أبعد بكثير نحو الفرات. قال المسن: الخريطة كبيرة. — نعم. — والقرية صغيرة. — نعم. — إذن لماذا لم تأتوا بخريطة تناسب القرية؟. أغلق رئيس الوفد الخريطة واجاب: لأن المشكلة ليست في حجم القرية. — فما المشكلة؟ — أن الوعد أكبر من الجغرافيا. قال الرجل: والناس؟.نظر الوفد إلى بعضه،ثم طوى الخريطةقائلا: لم يجد أحد مكانًا يضع فيه الناس.
9/ المحكمة العليا لأرض الميعاد
قال القاضي: لدينا ثلاث وثائق. رفع المحامي الأولى: هذه تقول: من وادي مصر إلى الفرات. رفع الثاني الثانية:وهذه تحدد كنعان بحدود أكثر ضيقًا. رفع الثالث الثالثة:وهذه تجعل الامتداد من البرية ولبنان إلى الفرات والبحر المتوسط. قال القاضي:ممتاز، وما حدود الدولة الحالية؟. سكت الجميع ، سأل القاضي:وهل تتطابق مع أي من هذه النصوص؟.استمر سكوت الجميع، قال:حسنًا، لنبدأ من جديد. ماذا تقول الجغرافيا؟ أجاب المحامي: الجغرافيا لا تترافع. — لماذا؟ — لأنها لا تملك محاميًا. — وماذا يقول التاريخ؟ — التاريخ يملك محامين كثيرين. نظر القاضي إلى الملفات، وسأل:وماذا عن السكان؟ فتش الكاتب في الأوراق، وأجاب: لا يوجد ملف بهذا الاسم ، رفع القاضي الجلسة، وعندما خرج، وجد على باب المحكمة لافتة جديدة:"الدخول ممنوع على الحقائق غير القابلة للتأويل".
10/ أرض الميعاد تبحث عن عنوان
ذهبت أرض الميعاد بنفسها إلى مكتب البريد، قال الموظف:الاسم؟ — أرض الميعاد. — العنوان؟ — هنا المشكلة. — الدولة؟ — غير متفق عليها. — المدينة؟ — متنازع عليها. — الرمز البريدي؟ — لم يُكتشف بعد. — الحدود؟ قالت: لدي عدة نسخ. — كيف؟ — نسخة تبدأ من وادي مصر وتنتهي عند الفرات. — هذا عنوان كبير. — وهناك نسخة أخرى أضيق. — أيهما عنوانك الحقيقي؟ — لا أعرف. — ومن يقرر؟ — كل من يحمل نسخة من النص. تأفف الموظف وقال: إذن لا يمكن إرسال أي شيء إليك. — لماذا؟ — لأنك لا تملكين عنوانًا ثابتًا، قالت أرض الميعاد: لكن الناس يعيشون فوقي منذ آلاف السنين. — هذا لا يكفي. — لماذا؟ — البريد يحتاج إلى حدود واضحة. — والسياسة؟ — السياسة لا تحتاج إلى حدود واضحة. خرجت أرض الميعاد من المكتب، وعلى الباب كان هناك طابور طويل من الدول، كل واحدة تحمل خريطة وتقول:"هذه المرة، وجدنا العنوان الصحيح".
*ملاحظة : هنا بنيت القصص على التناقض بين خرائط مختلفة داخل النص التوراتي نفسه، لا على الادعاء بأن هناك "نصًا توراتيًا واحدًا" يحدد أرض الميعاد بصورة قاطعة، فهناك نصوص تجعل الحد الجنوبي عند وادي مصر والحد الشرقي عند الأردن ،والحد الشمالي باتجاه حماة، كما في العدد 34، بينما توجد نصوص أخرى توسّع الوصف حتى الفرات، كما في التكوين 15 والتثنية 11 والخروج 23. هذا التباين دفعني لمحاولة تناولها باسلوبى الكوميديا السوداء:هنا شخصيات تحاول تحويل نصوص عمرها آلاف السنين إلى خرائط عقارية حديثة، وكلما رسم أحدهم خطًا ظهر نص آخر يمسحه،وبعيدا عن نظريات ان ارض الميعاد هي في اليمن فانا تناولتها من مبدأ ان خريطة الميعاد ضاعت بين مصر والفرات واليمن.
#عماد_ابو_حطب (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
خريطة عهد تأكل الناس
-
محاضر الحرب الأخيرة مع الأنوناكي
-
حرب العرش بين الكوكب الأبيض والكوكب الطيني
-
نزاع سومري انوناكي:من أكثر حكمة
-
تخيل الحرب الأخيرة مع الأنوناكي
-
فن الحصول على بطاقة ال VIP
-
دليل الحكومة الاسرائيلية إلى الحياة الطبيعية
-
اختراعات صغيرة لإرباك احتلال كبير
-
حل السلطة سؤال لا يجد جوابًا
-
التهجير الطوعي
-
حين يصير القتل إجراء روتينيًا
-
غول الأرض!
-
ليل طويل
-
سيرة ذاتية لقطيع من العباقرة
-
سوق النخبة وبازار الولاءات
-
وزارة الثقافة وشؤون الولاء الوطني
-
النخبة وآداب العض
-
حين يصبح الظل هو الوطن
-
مثقف يا هم لالي
-
ايام عاديه في وطن غير عادي
المزيد.....
-
مخرج ألماني يحذف مشهد تعرّ من أحد أفلامه الشهيرة ويعتذر لمؤد
...
-
-بياف 2026- يكرّم نخبة من نجوم الفن والإعلام... وعباس النوري
...
-
لماذا تريد الفنانة البريطانية -تشارلي إكس سي إكس- أن يعرف ال
...
-
ليبيا تسترد آثارها المنهوبة وتصارع لإنقاذ تاريخها من الخطر
-
دعوى بـ105 ملايين دولار ضد نتفليكس بعد سرقة فيلم نيكولاس كيج
...
-
“سينما تحت الإبادة”.. كتاب جديد لأشرف بيدس يرصد صورة غزة في
...
-
بعد الجدل الواسع... نقابة الفنانين توضح حقيقة منع إدخال الآل
...
-
نسيان اللغة الثانية بسبب الخرف يؤثر علي رعاية المسنين
-
ندى يافي: -في فرنسا تعرضت اللغة العربية للتشويه ووصفت بأنها
...
-
مصر.. تامر حسني يعلن وفاة والده الفنان المعتزل حسني شريف
المزيد.....
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
-
القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش
...
/ ربيحة الرفاعي
-
تصاوير لية الظمأ
/ السمّاح عبد الله
-
ثلاثاءات عابر سبيل
/ السمّاح عبد الله
-
ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو
...
/ سلسبيل كريبع
-
قناديل الحكمة
/ د. خالد زغريت
-
حكاياتْ تَكاد تُنسى
/ فلاح العيفاري
-
وعي ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
ديوان 23 الحاوي والعصفور
/ منصور الريكان
-
كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م
...
/ حميد عقبي
المزيد.....
|