محمد محضار
كاتب وأديب
(Mhammed Mahdar)
الحوار المتمدن-العدد: 8783 - 2026 / 7 / 31 - 23:47
المحور:
الادب والفن
شرفني الصديق العزيز الأديب حسن ميري بكتابة مقدمة لمنجزه الأدبي "عائد من الظل"، الذي يمكن تصنيفه ضمن جنس السيرة الذاتية.
يُعرف فيليب لوجون السيرة الذاتية تحديداً في كتابه الشهير "الميثاق السيرذاتي" بأنها: "حكي استرجاعي نثري يقوم به شخص واقعي عن وجوده الخاص، عندما يركز على حياته الفردية وتاريخ شخصيته بصفة خاصة" [فيليب لوجون، السيرة الذاتية: الميثاق والتاريخ الأدبي، ترجمة وتقديم: عمر حلي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء/بيروت، الطبعة الأولى، 1994، ص 22]
وقد اشترط لوجون أن تكون السيرة الذاتية نثرية، وأن يكون الحكي استرجاعياً مرتكزاً على أحداثٍ انطلاقاً من نقطة في الزمن الحاضر، وأن يكون محتوى السرد مؤسساً على الحياة الشخصية والفردية للكاتب وتطور شخصيته، مع وجود تطابق تام بين المؤلف والراوي والشخصية الرئيسية في النص.
وقد أضاف لوجون لكل هذا مفهوماً مركزياً يُعرف بـ "الميثاق الأوتوبيوغرافي" (Le pacte autobiographique)؛ وهو اتفاق ضمني أو صريح بين الكاتب والقارئ، يتعهد فيه المؤلف بتقديم "الحقيقة"، ويحدد طريقة قراءة النص باعتباره مرجعاً حقيقياً وليس تخييلاً أدبياً [المرجع نفسه، ص 26].
لكن هذا لم يمنع نقاد ما بعد الحداثة، كدريدا وبارت، من انتقاد براديغم لوجون لعدة اعتبارات؛ لعل أبرزها استحالة الصدق في كتابة السيرة الذاتية؛ لأن الطبيعة البشرية لا تتلاءم مع الذات الثابتة، فالأنا التي تكتب في الحاضر ليست بأي حال هي الأنا التي عاشت الأحداث في الماضي. والذاكرة البشرية لا يمكن أن تكون آلة تسجيل؛ لأن المؤلف -ورغم توفر نية الصدق لديه- لا يستطيع أن يمنع نفسه من تجميل صورته وحذف ما يخدش جماليتها. وهذا الحذف يأتي لاشعورياً عن طريق ممارسة رقابة ذاتية، لهذا فنحن في آخر الأمر نجد أنفسنا أمام "تخييل ذاتي" مبنيّ على تحويل الأحداث الواقعية إلى ألفاظ، وسبكها في سياق صور بلاغية توظف المجازات، والتشبيهات، والاستعارات بما يخدم بناء النص الأدبي، وبالتالي نجد أنفسنا أمام عمل متخيَّل يتغذى على الواقع.
والآن، دعونا نقتحم عوالم الأديب حسن ميري، ولتكن الخطوة الأولى ولوج عتبة منجزه الإبداعي، انطلاقاً من العنوان: "عائد من الظل"؛ وهو عنوان غني بالدلالات السيميائية، عبارة عن جملة اسمية حُذف مبتدؤها تقديره "أنا" السارد، باعتباره هو العائد من الظل. وهذا الحذف غايته الأولى هي دفع القارئ وتشويقه لاكتشاف أسرار هذه العودة.
وإذا بحثنا في الدلالة المعجمية، سنجد أن العودة تعني الرجوع بعد غياب، مما يعطي انطباعاً بأن النص يمثل سفراً في تعاريج الذاكرة، أما الظل فقد يرمز للنسيان، أو الهامش، أو العزلة، أو الموت
إن العودة من الظل تفيد بأن الكاتب قرر ممارسة فعل البوح، والكشف عن أسرار كانت دفينة الذاكرة، وتقديم شهادة تاريخية وذاتية في الوقت نفسه، تؤرخ لزمن أصبح الإمساك بناصيته مطلباً شخصياً ملحّاً.
يقول الكاتب حسن ميري في الجزء الأول من سيرته الذاتية، الموسوم بعنوان "قطار السابعة": "من خلف زجاج النافذة، كان العالم يبدو أصغر مما هو عليه في الواقع؛ محطات تتقاطع، أناس يلتقون ثم يفترقون، وكل لحظة تتحول إلى ذكرى تُخزَّن بصمت في الذاكرة دون إذن. لكن الذاكرة، كما اكتشفت مع الزمن، ليست دائماً رحيمة" [حسن ميري، عائد من الظل، ص 29].
في هذه الفقرة المقتطعة من الجزء الأول، نلاحظ أن وجود الكاتب خلف الزجاج يضعه في موقع المراقب والمتأمل؛ فالزجاج الشفاف يمثّل فاصلاً بين الذات الداخلية والذات الخارجية. وإن عبارة "العالم يبدو أصغر مما هو عليه في الواقع" تعكس نضج الذات الآنية التي تنظر إلى الماضي والعالم الخارجي من موقع اطلاع ومعرفة مسبقين، بعد تجربة العودة من الظل.
كما أن عبارة "محطات تتقاطع، أناس يلتقون ثم يفترقون" تحيل على ثنائية الحضور والغياب، وهذا يعكس فلسفة السيرة الذاتية التي تنبني على لقاءات متعددة، يتحول عدد كبير منها إلى لحظات عابرة تشكل جزءاً مهماً من هوية الكاتب؛ فكل شخص يلتقي به يترك لديه أثراً خاصاً سرعان ما يختفي في "الظِّل"
لكن الشيء الأكيد هو تلك السلطة التي تفرضها الذاكرة على الكاتب من خلال التخزين الصامت للأحداث والأوجاع بشكل لاإرادي: "كل لحظة تتحول إلى ذكرى تُخزَّن بصمت في الذاكرة دون إذن"؛ إن قسوة الذاكرة المتجذرة في عبارة "ليست دائماً رحيمة" هي المدخل الرابط بين عنوان السيرة الذاتية "عائد من الظل" وما سيأتي لاحقاً من بوح وتطويع لما أودعته الأيام من ذكريات قد تكون متناقضة، تجمع بين الألم والفرح، وبين المعاناة والانفراج.
ولنختم الحديث عن هذا الجزء بإشارة لابد منها للعنوان الذي اختاره له الكاتب: "قطار السابعة"؛ فالقطار في السيرة الذاتية هو أيقونة لرحلة العمر، والزمن الذي يأخذ مساراً واحداً تتخلله محطات تقود نحو نهاية خط السير. وتحديد الكاتب لتوقيت القطار بـ "السابعة" يمكن اعتباره إشارة للطابع الواقعي المبني على التوثيق الهادف لدعم صدقية الأحداث، والتزام الكاتب بشروط العقد الأوتوبيوغرافي، وأيضاً رمزاً لبداية النهار ودينامية الحياة.
وفي الجزء الثاني من سيرته الذاتية، الموسوم بعنوان "صمت الرمال"، أفرد الكاتب حسن ميري صفحاته كافة لتوثيق الأحداث والوقائع التي عاشها جندياً في صفوف القوات المسلحة بالصحراء، مركزاً على الرغبة الملحة لديه في ولوج سلك الجندية، وكذلك التحاقه بالمدرسة العسكرية بالقنيطرة بعد توفّقه في الاختبارات الذهنية والبدنية؛ لتنطلق من هناك رحلة حمل السلاح والدفاع عن الوطن.
إن العنوان الفرعي "صمت الرمال" يضعنا أمام مفارقة سيميائية، تنبني على كون الرمال لا تصمت إلا لتعقبها العواصف والمعارك؛ فالصمت الجغرافي الموحش في جبهات القتال لا يماثله إلا الصمت الطويل للكاتب قبل أن يقرر الإفراج عن وقائع ظلت سجينة ذاكرته.
إن تحديد المؤلف لغرض النص في هذا الجزء، وتوثيق الأحداث والوقائع التي عاشها جندياً، ينقل العمل من مجرد سرد أدبي تخييلي إلى وثيقة تاريخية وشهادة حية على مرحلة مشرقة من تاريخ القوات المسلحة الملكية بالصحراء المغربية.
يقول حسن ميري: "مالت الشمس نحو الغروب، وكان الضوء يتراجع ببطء، تاركاً خلفه مساحةً من القلق. كنا ننتظر عودة دورية قتالية؛ عشرون فرداً بقيادة ملازم أول، خرجوا لتأمين سريةٍ تعمل على زرع الألغام وإقامة سواتر ترابية وأسلاك شائكة. لم يتأخروا كثيراً… لكن الانتظار كان أطول مما ينبغي. وعند سلسلة صخرية قرب وادٍ واسع، جاءت المباغتة؛ سيارات دفع رباعي اندفعت من جهة الشرق، سريعة، منخفضة، كأنها جزء من الأفق نفسه. انفتح الرصاص دفعةً واحدة، فصرخ الملازم الأول: الزموا السد الترابي! الأجساد تتحرك بغريزةٍ أسرع من التفكير. رعشة خفيفة سرت في الأطراف… ثم اختفت. لم يبقَ إلا الصوت: أزيز الرصاص، متواصل, كثيف، كالمطر. استهدفوا الدورية لكنهم ثبتوا مكانهم، التقطنا الإشارات، وحددنا مصادر النيران، ومررناها بسرعة. سمعنا صوتاً قريباً: ساعدني… ساعدني… كان قد سقط. حاولوا الوصول إليه، لكن الرصاص كان يقطع المسافة بينهم. حين اقتربوا، شاهدوا الدم يتمدد على معطفه، ببطءٍ ثقيل. صرخوا: إسعاف! إسعاف! لكن لم يتحرك أحد. لم يكن ذلك تردداً… بل أوامر" [حسن ميري، عائد من الظل، ص 82].
يمثل هذا المقطع السردي جزءاً من السيرة الذاتية العسكرية لحسن ميري، وهو يقدم شهادة قاسية حول التضحية والالتزام العسكري الصارم بالأوامر، كما أنه يرسم مشهداً متكرراً لوضعيات الخوف وفقدان الأمان، ناهيك عن مساحة القلق التي تسيطر على الجنود وهم يواجهون المجهول وينتظرون المفاجآت غير السارة، في ظل الإكراهات التي تفرضها الجغرافيا المتوحشة للصحراء.
إن عبارة: "لم يتأخروا كثيراً… لكن الانتظار كان أطول مما ينبغي" تعكس نسبية الزمن في جبهات القتال؛ فالدقائق المعدودة تحت وطأة ترقب الموت تتحول في وعي الجندي إلى دهر كامل. وإن الوصف البصري لسيارات الدفع الرباعي بأنها "كأنها جزء من الأفق نفسه" ينسجم مع وصف الأعداء في مقطع سابق بـ "العفاريت التي انشقت عنها الأرض"، وهي إشارة جلية لطبيعة حرب العصابات القائمة على المباغتة.
وفي هذا السياق، يلعب الكاتب دوراً محورياً في التحركات العسكرية باعتباره مسؤولاً عن جهاز اللاسلكي والاتصال؛ فعبارة "(التقطنا الإشارات، وحددنا مصادر النيران، ومررناها بسرعة)" تبين أنه لا يقاتل فقط بالبندقية، بل يقوم أيضاً بفك شفرة الترددات وتوجيه الدعم لزملائه المحاصرين خلف السدّ الترابي. وتتجلى هنا قسوة العقيدة العسكرية التي تفرض الانضباط والالتزام بالأوامر مهما كانت الظروف، وعدم الخضوع للعاطفة الفردية لإنقاذ جندي مصاب كان يحتضر؛ فالأخلاق الإنسانية تصبح عديمة الجدوى أمام الصرامة العسكرية.
وخلاصة القول، لا أجد مناصاً من التأكيد على أن الأديب حسن ميري كان موفقاً إلى أبعد حد في نقل وقائع وأحداث من الذاكرة العسكرية لحرب الصحراء، حيث تتحول الكتابة من مجرد استرجاع للماضي إلى وسيلة تقود الذات للخروج من مرحلة الظل إلى مرحلة البوح.
إن عودة الكاتب من الظل، وإصراره على كسر الصمت الذي لازمه سنوات طويلة، هو نوع من إصلاح ذات البين مع الذات، وانتصار لإنسانيته التي سيطر عليها الانضباط والصرامة العسكرية؛ إذ يحق له اليوم أن يضمد جراح الماضي بكتابة هذه السيرة الذاتية التي أرى أنها إضافة راقية وهامة لمكتبتنا المغربية والعربية.
#محمد_محضار (هاشتاغ)
Mhammed_Mahdar#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟