أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زياد الزبيدي - «النصر على الذات قبل العدو»















المزيد.....

«النصر على الذات قبل العدو»


زياد الزبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 8780 - 2026 / 7 / 28 - 22:59
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي

29 تموز يوليو 2026

أليكسي تشادايف يشرح لماذا تتحدث موسكو اليوم عن «اللاإنتصار» بدل «النصر»

في واحدة من أكثر المقالات الروسية صراحةً منذ بداية الحرب الأوكرانية، قدّم المفكر والسياسي الروسي أليكسي تشادايف قراءة شديدة القسوة للواقع الروسي، ليس من زاوية الهزيمة العسكرية المباشرة، بل من زاوية ما سماه «اللاإنتصار».
مقاله الذي حمل عنوان «السبب الرئيسي لعدم إنتصارنا» لا يبدو نصاً دعائياً بقدر ما يشبه مراجعة فكرية وسياسية عميقة لمسار الحرب، ولمكانة روسيا في العالم، ولطبيعة النظام الإجتماعي والتكنولوجي الذي تخوض به موسكو صراعاً مفتوحاً مع الغرب.
تشادايف لا يتحدث بلغة الجنرالات، بل بلغة «الأزمة الحضارية».
فالحرب بالنسبة إليه ليست مجرد معركة حدود أو جغرافيا أو حتى نفوذ، بل إختبار شامل لقدرة المجتمع الروسي نفسه على التكيّف مع عصر جديد يتغير بسرعة هائلة.
ومنذ السطور الأولى، يعلن الرجل موقفاً لافتاً يميّزه عن كثير من الأصوات الروسية المتشددة. فهو يقول بوضوح: «إذا توقفت الحرب الأوكرانية غداً فسأكون سعيداً بذلك. أما فكرة مواصلة القتال حتى تكرار مشهد رفع العلم فوق الرايخستاغ، فليست من القناعات التي أتبناها.»
هذه العبارة وحدها تكشف أن تشادايف لا يتعامل مع الحرب بوصفها ملحمة رومانسية أو مشروعاً أيديولوجياً مفتوحاً، بل بإعتبارها ضرورة قاسية فرضت نفسها على روسيا، وكشفت في الوقت نفسه نقاط ضعفها العميقة.

الحرب بإعتبارها «كاشفاً تاريخياً»

واحدة من أهم أفكار المقال تتمثل في إعتبار الحرب «أفضل ما حدث لروسيا في القرن الحادي والعشرين».
وهي عبارة قد تبدو صادمة، لكن تشادايف يشرحها بمنطق مختلف تماماً عن منطق التعبئة العسكرية التقليدية.
فهو يرى أن الحرب أدّت دور الكاشف الحقيقي؛ إذ أزالت الأوهام التي تراكمت لسنوات، وكشفت بوضوح مواطن الضعف في الدولة والمجتمع الروسيين. ولذلك يكتب: «الحرب كاشف عظيم، ولولاها لما رأينا في الوقت المناسب كل نقاط ضعفنا».
وفق هذا التصور، لم تكن المشكلة الروسية الأساسية في أوكرانيا نفسها، بل في إعتقاد موسكو طوال سنوات أنها قادرة على العيش داخل النظام العالمي الغربي دون صدام وجودي حتمي.
تشادايف يعتبر أن هذا كان وهماً إستراتيجياً خطيراً.
فالغرب ــ بحسب منطقه ــ لم يكن مستعداً لقبول روسيا كشريك متكافئ أصلاً، بل كان ينظر إليها دائماً بوصفها كياناً ينبغي إحتواؤه أو تفكيكه تدريجياً.
ولهذا يقول: «نحن ببساطة لا ننسجم مع نموذجهم للعالم، ولا مكان لنا فيه».
إنها ليست لغة خلافات سياسية عادية، بل لغة صراع وجودي طويل الأمد، يرى فيه الكاتب أن الحرب الحالية ليست سوى مرحلة من مواجهة أكبر وأطول.

الإعتراف الأهم: روسيا بطيئة

ربما تكون النقطة الأكثر حساسية في المقال كله هي إعتراف تشادايف بأن روسيا تعاني «بطئاً خطيراً» في التغيير والتكيّف.
فهو لا يحمّل المسؤولية فقط للأداء العسكري أو للتكتيكات الميدانية، بل يتحدث عن أزمة سرعة حضارية كاملة تشمل: الجيش، المجمع الصناعي العسكري، الصناعة المدنية، التكنولوجيا، البحث العلمي وحتى النظام السياسي الداخلي.
ويقول بلهجة قاطعة: «نحن بطيئون بصورة غير مقبولة، حتى في رد الفعل، ناهيك عن الأفعال الإستباقية».
هذا الإعتراف مهم للغاية لأنه يعكس تياراً متنامياً داخل بعض النخب الروسية يرى أن المشكلة الأساسية لم تعد في نقص الموارد أو السلاح، بل في بطء الدولة والمجتمع مقارنة بإيقاع التحولات العالمية، خاصة في مجالات التكنولوجيا العسكرية والذكاء الإصطناعي والطائرات المسيّرة والحروب الشبكية.


الحرب بين «الأنظمة الإجتماعية» لا بين الجيوش

يصل تشادايف إلى قلب أطروحته حين يقول إن الحروب الحديثة لم تعد مجرد مواجهة بين جيوش أو دول، بل بين «كائنات إجتماعية» و«أنظمة تكنو-إقتصادية».
ويكتب: «لا تتحارب الجيوش، ولا حتى الدول، بل في النهاية الكائنات الإجتماعية والأنظمة التكنوإقتصادية».
هذه العبارة تكاد تكون المفتاح النظري الكامل للمقال.
فهو يرى أن النصر العسكري ليس نتيجة الشجاعة أو القوة النارية وحدهما، بل نتيجة قدرة المجتمع بأكمله على إعادة تنظيم نفسه بسرعة، وتحويل الإقتصاد والعلم والسياسة والثقافة إلى أدوات تعبئة طويلة المدى.
ومن هنا يصبح «اللاإنتصار» الروسي ــ بحسب تشادايف ــ نتيجة مباشرة لبطء عملية التحول الداخلي، وليس فقط لعوامل ميدانية.

نقد مبطن للنظام الداخلي الروسي

رغم أن المقال لا يهاجم السلطة الروسية بصورة مباشرة، فإنه يتضمن نقداً واضحاً للبنية الإجتماعية والسياسية القائمة.
تشادايف يستخدم تعبيراً بالغ الدلالة حين يقول: «المشكلة الكبرى في الإقطاع أن الفلاحين لا يقاتلون، لأنه ليست لديهم دوافع».
المقصود هنا ليس الإقطاع التاريخي حرفياً، بل وجود نظام طبقي مغلق يشعر فيه المواطن العادي بأنه خارج معادلة القرار والثروة والمصير.
وهذه الفكرة تلامس نقاشاً روسياً متصاعداً منذ سنوات حول العلاقة بين الدولة والمجتمع، وحول ما إذا كانت التعبئة الوطنية الحقيقية ممكنة دون إعادة صياغة العقد الإجتماعي نفسه.
تشادايف لا يدعو إلى ثورة داخلية، لكنه يلمّح بوضوح إلى أن الحرب فرضت على روسيا ضرورة إعادة بناء نموذجها السياسي والإجتماعي تدريجياً.

إسقاط وهم «الردع النووي»

ومن الأفكار اللافتة أيضاً تشكيكه النسبي في فكرة أن السلاح النووي وحده قادر على ضمان أمن روسيا مستقبلاً.
فهو يقول: «ولا حتى السلاح النووي يضمن أمننا… فمسار تطور التكنولوجيا يتجه تحديداً نحو إسقاط هذه الحجة الأخيرة».
هذا الكلام يعكس إدراكاً روسياً متزايداً بأن الحروب المستقبلية قد تعتمد أكثر على: الذكاء الإصطناعي، الهجمات السيبرانية، المسيّرات الضخمة، حروب الفضاء، تعطيل البنى التحتية، التفوق التقني والإقتصادي طويل المدى.
أي أن الردع النووي، رغم أهميته، لم يعد كافياً وحده لحماية دولة كبرى في عالم يتغير جذرياً.

«يمكن سحق الأوكرانيين… لكن ليس أسيادهم»

في القسم الأخير من مقاله، يطرح تشادايف فكرة شديدة الأهمية سياسياً وإستراتيجياً.
فهو يقول إن روسيا قد تكون قادرة على «سحق الأوكرانيين»، لكنه يضيف مباشرة: «يمكن سحق الأوكرانيين، نعم… لكن ليس أسيادهم».
هنا تظهر بوضوح الرؤية الروسية التقليدية التي تعتبر أن الحرب الحقيقية ليست مع كييف بقدر ما هي مع الغرب الأطلسي كله، وخاصة الولايات المتحدة وبريطانيا وحلف الناتو.
وبالتالي فإن أي «إنتصار» عسكري مباشر داخل أوكرانيا لن يعني نهاية الصراع الأكبر.

ما الذي يكشفه هذا المقال عن المزاج الروسي الحالي؟

أهمية مقال تشادايف لا تكمن فقط في مضمونه، بل في توقيته أيضاً.
فبعد سنوات من الخطاب الروسي الذي ركّز على: الصمود، الردع، التقدم الميداني، تآكل الغرب وإنهيار أوكرانيا، بدأت تظهر داخل بعض الأوساط الروسية لغة مختلفة أكثر قسوة تجاه الذات الروسية نفسها.
لغة تقوم على: المراجعة، الإعتراف بالبطء، نقد البنية الداخلية، الحديث عن الحاجة إلى إعادة بناء شاملة،
وهذا لا يعني أن هذه النخب أصبحت «إنهزامية»، بل العكس تماماً.
إنها تبدو مقتنعة بأن الصراع مع الغرب سيكون طويلاً وممتداً لعقود، وأن روسيا لا تستطيع خوضه بالعقلية والبنية اللتين دخلت بهما الحرب عام 2022.

خلاصة: «اللاإنتصار» بإعتباره إنذاراً وجودياً

في النهاية، لا يقدم أليكسي تشادايف مقالاً عن أوكرانيا فقط، بل عن مستقبل روسيا نفسها.
فجوهر فكرته يتمثل في أن الدول لا تنتصر لأنها تمتلك السلاح فقط، بل لأنها قادرة على تغيير ذاتها بسرعة أكبر من خصومها.
ولهذا يكتب عبارته الأكثر تكثيفاً: «الإنتصار على العدو هو دائماً نتيجة الإنتصار على الذات».
إنه تعريف للحرب بوصفها إختبارًا حضارياً شاملاً، لا مجرد معركة عسكرية.
وربما لهذا السبب يبدو المقال أقرب إلى «جرس إنذار» داخل النخبة الروسية منه إلى نص تعبوي تقليدي.
تشادايف يقول بوضوح إن الخطر الحقيقي على روسيا ليس فقط في قوة خصومها، بل في بطء تحولها الداخلي، وفي إستمرار الإعتقاد بأن بإمكانها خوض حروب القرن الحادي والعشرين بأدوات ونماذج القرن الماضي.



#زياد_الزبيدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حرب هرمز الكبرى: حين تصبح الممرات البحرية أغلى من حقول النفط
- من صفحات التاريخ - 22 حزيران يونيو 1941: اليوم الذي أعاد رسم ...
- أوكرانيا: مختبر الحرب الكبرى أم ضحية الجغرافيا؟
- حرب إختيارية وإنتصار إلزامي
- ألكسندر دوغين - المواجهة مع الغرب دخلت مرحلة جديدة... والمحو ...
- مونديال 2026: حين كشفت كرة القدم أزمة الغرب مع العالم ومع نف ...
- ألكسندر دوغين - إغتيال ليندسي غراهام... ومن بعده «إئتلاف الر ...
- «المحكمة السرّية»... وفاة ليندسي غراهام تشعل مهرجان نظريات ا ...
- ألكسندر دوغين - ليندسي غراهام... «عدوّ البشرية»
- أوروبا على حافة الهاوية: سيناريو الحرب المقبلة مع روسيا
- عندما تتآكل هيبة الجيوش: ماذا تكشف معركة علي الطاهر عن تحولا ...
- روسيا من الداخل – من الإخفاقات العسكرية إلى الإنفجار الإجتما ...
- إعتراف إسرائيل بالإبادة الأرمنية... الذاكرة التاريخية في خدم ...
- نهاية «السلام البارد» في اليمن؟
- ألكسندر دوغين - نظرية الحرب العادلة: من سيزر إلى دونالد ترام ...
- المقال الذي أغضب ترامب - بعد 120 يوما من الحرب: ماذا تغيّر ف ...
- ألكسندر دوغين - اللعبة الأخيرة للإمبراطورية
- كيف يمكن إنقاذ التحالف الأمريكي–الإسرائيلي؟
- إسرائيل: الأعمدة الأربعة للعقيدة الهجومية الجديدة
- ماذا قالت الصحافة الروسية - أمريكا عند عامها ال250: إحتفال ب ...


المزيد.....




- -أين تقتل ميلانيا؟-.. وكالة -تسنيم- الإيرانية تنشر بيانات وت ...
- الدفاع الروسية: إسقاط 112 طائرة مسيرة أوكرانية خلال 12 ساعة ...
- تسجيلات صوتية تفضح -جو النعسان- وتحرج الحزب الديمقراطي
- بعد إغلاق مليتة.. مؤسسة النفط الليبية تكشف حقيقة الغاز المتج ...
- ترامب يصدم نتنياهو.. خلافات تمتد من لبنان لإيران
- رئيس الوزراء العراقي يوجه انتقادا علنيا لأحد وزرائه خلال مؤت ...
- مكتب زيلينسكي: الولايات المتحدة وكييف تتفقان على تكثيف محادث ...
- روسيا تدحض مزاعم انتهاك مسيراتها للمجال الجوي الروماني
- الزراعة: تجديد الإعتماد الدولى للمركز الإقليمي للأغذية والأع ...
- عملية الجيش الإسرائيلي في الضفة بعد مجزرة تل.. ماذا نعرف عنه ...


المزيد.....

- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زياد الزبيدي - «النصر على الذات قبل العدو»